سواء كان الانقلاب يلفظ أنفاسه الأخيرة أم لا، هذا لا يجيب على طموحات الثورة الكبرى: الحرية والسلام والعدالة والتنمية؟
بصورة عامة، هذا أفشل انقلاب ناجح (يا للمفارقة) في تاريخ السودان، لكنه تقيّح من أزمة أكبر منه، فهو عرَض وليس المرض نفسه، وتلك الأزمة ابتدأت بانحراف الثورة الشعبية إلى مساومات صفوة وإصلاحيين (أي غير ثوريين) ومعهم متسلقين. السيناريو القادم لما بعد سقوط تركيبة السلطة الحالية سيناريو يجب ان تكتبه قوى الثورة، أو ستكتبه قوى وعوامل أخرى، جميعها غير ثورية. إذن فكون هذا الانقلاب سيستمر ليومين او اسبوعين او شهرين او سنتين، ليس هو الشاغل السياسي الصحيح. الشاغل السياسي الصحيح ينطلق من منصة “كيف نحقق أهداف الثورة” لا “كيف نتخلص من الذين انحرفوا بالثورة”، وذلك لأن إجابة السؤال الأسبق تشمل الآخر وزيادة،تشمل البناء بعد الهدم، فالهدم ضروري لكنه لا يكفي.
الانتقال من الحشد إلى التنظيم فريضة، والتنظيم تقوم به جماعات تجمعها مصالح واضحة وأفكار ورؤى واضحة، ثم تنتظم الأعمال وفق الهياكل والمهام. لا بُّد أن نفطن لهذه المسألة كأساس تاريخي ومُجرّب للتغيير. وبطبيعة الحال فالجموع التي لها خبرة محلية مع العمل المنظم أكثر قدرة على استنطاق مصالح مشتركة واضحة وعلى تبني أفكار عامة (رؤية) واضحة.
الاشكال انه لا توجد رؤية واضحة لما بعد الرجوع للسلطة المدنية، حقيقة ما نتج الآن هو نتيجة لعدم وجود الرؤية الواضحة من قبل وعدم تنظيم ومؤسسية قيادة التغيير، المحك الآن والمطلب المُلِح والعاجل هو تكوين قيادة مستقلة جديدة مهنية و ذات رؤية واضحة لا لبس فيها ، والاهم من ذلك ضرورة تشكل جسم بقيادة رأسية غير مهادنة وحازمة .
لابُّد من مشاركة شعبية واضحة في رسم معالم الطريق لبناء دولة المواطنة التي لم تجد طريقا إلى النور من الاستقلال حتى الآن، وعدم ترك المهمة للاحزاب السياسية فقط لتضارب المصالح، يجب البناء هذه المرة على أرضية صلبة تضمن استمرار المدنية ما قامت الدولة وتوزيع السلطة بطريقة عادلة بين شتى مستويات الحكم .
سنظل (نحن) ما أرتفعت في صدورنا الانفاس وانخفضت، نجادل ضد الانتخابات المبكرة والمصالحة الوطنية! في رأيي تلك سموم مدسوسة في الدسوم لن تُعيد التاريخ إّلا إلى الوراء!. تلك مقولات تنسف وتسفه نضالات ديسمبر وتفرغ محتواها الثوري بالكلية! لن نمر، برأيي، إلى سودان الحرية والسلام والعدالة إلا عبر انتقال تأسيسي يضع اللبنات الأساس للتحول الديمقراطي والتنموي ولو كانت كل هياكله منتخبة (تحديدا هياكل الحكم المحلي)! وأهم شرط في لنجاح أي انتقال في السودان هو ابتعاد الأحزاب السياسية عن إدارته بالكلية وإن شملتها بعض هياكل السلطة الانتقالية كالمجلس التشريعي مثلا.
الانفصال عن الواقع مستويات. أسوأها عندما يعتقد العسكر أنهم قادرون على كل شيء.
ـ الواقع، هو أن هناك ثورة أطاحت بنظام عسكري في أبريل 2019. هذه الثورة كانت ثاني أكبر انتفاضة شعبية للإطاحة بحكم عسكري قاده المخلوع عمر البشير، بعد الثورة التي أطاحت بنظام جعفر نميري عام1985 .
ولقد كانت هاتان الثورتان ثمرة ضيق شديد من حكم العسكر. كل العسكر. ما شفع للعسكر أن يلعبوا دورا جديدا، هو انحيازهم في الربع ساعة الأخير، إلى المتظاهرين. وهو شيء ليس بجديد. المشير المرحوم عبدالرحمن سوار الذهب، ساهم في الإطاحة بنظام نميري، ولعب دورا مماثلا بانحيازه إلى ثورة الشعب. إلا أنه تخلى عن السلطة طوعا، ومن دون أي ضغوط، بعد عام من قيادة البلاد
البرهان، وحفنة من العساكر الذين يحيطون به، يحكمون منذ سنتين ونصف ولا يريدون أن ينزلوا من بغلة السلطة.
ـ والواقع، هو أن شعب جسور على الأرض يرفض الانقلاب ومتمسك بالسلمية والحكم المدني، وهناك مجتمعا دوليا يراهن على الانتقال السلمي للسلطة إلى المدنيين. وهذا المجتمع الدولي لا يريد أن يرى عسكرا يحكمون رغما عن أنف شعب السودان. ومن دون اعتراف الشارع السوداني و المجتمع الدولي، فإنه ما من حكومة عسكرية، أو حكومة تابعة للعسكر، يمكنها أن تحظى بالاعتراف.
ـ والواقع، هو أن عدم الاعتراف بسلطة العسكر يعني سحب كل أسباب الدعم الاقتصادي والتسهيلات، التي لا يستطيع السودان أن يتدبر معالجة أزماته الاقتصادية من دونها.
ـ والواقع، هو أن السودان ما يزال مدينا بنحو 60 مليار دولار للخارج. وكان ينتظر أن يتم إعفاؤه منها، لكي يتمكن من الحصول على قروض جديدة توفر له الجسر لتجاوز الاختناقات الحالية. ويكاد من المستحيل أن تحصل سلطة غير معترف بها، على قرش واحد. حتى أن الجيش نفسه لن يجد ما يدفع به رواتب ضباطه ومجنديه، خارج عمليات النهب المعروفة للذهب وباقي الثروات.
ـ والواقع، هو أن التيارات السياسية التي تطالب بتسليم قيادة مجلس السيادة إلى المدنيين، ليست تيارات يمكن القفز من فوقها. المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير يمثل أكثر من ثلثي الإرادة الشعبية في السودان. هناك أطراف أخرى، من دون أدنى شك، إلا أنها لا تمتلك الثقل الذي تمتلكه قوى المجلس المركزي. فإذا أضفت إليها الأطراف المدنية التي تعترض على بقاء العسكر في السلطة، وتتهم قوى المجلس المركزي بالتراخي، فإن الغالبية العظمى سوف تقف ضد أي انقلاب، يقوم به عساكر يجوز الشك بنوازعهم حتى ولو كانوا قديسين.
ـ والواقع، هو أن الشعب السوداني كسر حاجز الخوف من سلطة القمع ومن سلاح الانكشارية
ـ والواقع، هو أن مصير الذين يطلقون النار على صدور المتظاهرين، بات معروفا. وثمن تذاكر الرحلة إلى لاهاي ليس باهظا. المحكمة الجنائية الدولية هي التي تدفع الثمن
ـ والواقع، هو أن البلاد ما تزال في منعطف اقتصادي حرج حتى بوجود حكومة تستطيع التخاطب مع دول العالم، وتحاول أن تتدبر الإمكانيات الشحيحة المتاحة، ريثما يمكن العبور إلى مرحلة الاستقرار. وأي محاولة انقلابية سوف تجعل العبور أبعد بكثير، وتزيد البلاد بؤسا على بؤس.
ـ والواقع، هو أن مدة صلاحية القيادة العسكرية لمجلس السيادة الانتقالي انتهت، وكان من مقتضيات الشرف وحده، أن يتم تسليمها إلى المدنيين، وليس التلكؤ أو تدبير انقلاب ضد هذا الواجب.
السودان سوف ينجو بثورته، ويبقى هو في الهاوية. هو وحفنة الذين من حوله،جرائم القتل الوحشية، والقمع وإنتهاك الحريات التي تمارسها قوات الانقلاب مسنودة بمليشيات الجنجويد الارهابية وكتائب الكيزان وبعض أفراد حركات الكفاح المسلح ضد أبناء وبنات الشعب السوداني أثبتت أن الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية في السودان لم يطرأ عليها أي تغيير إصلاحي جوهري ينأى بها عن الخضوع للدولة العميقة أو يزودها بصلاحيات ملموسة تتيح لها مقاومة الدوس على الشرعية.
mido34067@gmail.com
////////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم