في يناير من عام 1982 وجدت نفسي بين الشهود على انتفاضة شعبية من بين الانتفاضات العديدة التي قامت ضد حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري، أدركت بسرعة أنها كانت انتفاضة فريدة من نوعها. كنت قد عدت في ذلك الشهر إلى السودان من فترة دراسية قصيرة في فرنسا، ولم أبدأ بعد في الاستعداد للهجرة إلى بريطانيا في صيف ذلك العام، وكان لدي ما يكفي من الوقت للمراقبة والتأمل في الأحداث. وكان أول ما لاحظته هو أنه بخلاف معظم الانتفاضات الأخرى التي سبقتها، فإنه لم يكن لهذه الانتفاضة قيادة محددة، ولم تكن هناك قوة سياسية معينة تتولى زمام المبادرة فيها. وهي في هذا أشبهت إلى حد كبير الانتفاضة الفلسطينية التي نتجت عن اليأس من القوى السياسية القائمة أكثر منها من فعل تلك القوى. إضافة إلى عفويتها فإن تلك الانتفاضة التي شملت كل بقاع السودان تقريباً كانت طلابية صرفة لم تشارك فيها جهات أخرى (عمالية أو نقابية مثلاً) وكان مركز ثقلها في المدارس بكل مراحلها، وليس في الجامعات شأن الانتقاضات الأخرى.
انعكس عفوية الانتفاضة على الأهداف التي اختارها الطلاب للتعبير عن غضبهم، مثل المواصلات العامة وبعض المؤسسات الحكومية. وكان من أغرب ما سمعت ما حدث في إحدى المناطق النائية في أقصى شمال السودان لم يكن لرموز الدولة من شرطة وإدارة وجود فيها. ولهذا لم يجد المتظاهرون ما يصبون جام غضبهم عليها إلا محطة مياه صغيرة كانت الحكومة أنشأتها عند تخوم القرية، فدلفوا إلى تلك المحطة وقاموا بتدميرها ثم قفلوا راجعين وقد هدأت ثائرتهم.
قد يرى الكثيرون في هذه الخطوة من الصبية المنتفضين تصرفاً لا عقلانياً، ولكن هذا لا يعني أنها تفتقد المنطق، لأن رمزية الاحتجاج لها منطقها الخاص بها. أذكر أن المتظاهرين في مدينتنا بربر أيام انتفاضة أكتوبر عام 1964 بدأوا يقذفون أعمدة الإنارة في الطرقات بالحجارة تعبيراً عن غضبهم، رغم محاولات بعض قادة المظاهرة إثنائهم عن ذلك حتى تفتقت قريحة أحدهم عن رمز آخر للاحتجاج فصاح: إلى البار! فصادف هوى في نفوس المتظاهرين الذين انطلقوا عن بكرة أبيهم إلى البار الذي كان أنشيء حديثاً في سوق المدينة. وكان هناك شعور لدى الكثيرين بأن اللواء أحمد مجذوب البحاري، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وابن المنطقة، مارس نفوذه للسماح بفتح البار رغم المعارضة المحلية الشديدة. وحين أخذ لمتظاهرون يصبون جام غضبهم على البار تحطيماً ونهباً، ثار خلاف وقتها بين أكثرية عارضت نهب محتويات البار، خاصة الأطعمة، وأصرت على إتلاف المشروبات الروحية، وبين قلة لم تأبه لهذا الأمر. وقد كان بعض هواة الشرب يدفعون مبالغ صغيرة للصبية مقابل كل زجاجة شراب يحضرونها لهم. وقد شهدت أحد هؤلاء في نهاية ذلك اليوم وهو لا يقوى على المشي من كثرة ما شرب.
في انتفاضة شعبان (أغسطس-سبتمبر 1973)، كان الرمز الذي استهدف هو مكاتب هيئة المراهنات الرياضية، الشهيرة ب “توتو كورة”، وكانت تجسد حينها عند الشباب سياسات الحكومة وتوجهاتها المرفوضة اجتماعياً. وفي الانتفاضة المحدودة التي وقعت ضد الحكومة الحالية، وهي انتفاضة الخبز في سبتمبر عام 1995، كانت المباني والسيارات ذات العلاقة بالمؤسسات المالية الإسلامية هي هدف غضب المتظاهرين. وهكذا يتغير الزمان، والرموز!
مرت انتفاضة عام 1982 بدون أن تشكل تهديداً مصيرياً للنظام، خاصة وأن القوى السياسية والنقابية المؤثرة لم تدعمها أو تسع لاستغلالها بسبب ظروف المصالحة الوطنية وعوامل أخرى. وقد ساهم في هذا أن الانتفاضة تزامنت مع رحيل أحد أبرز قادة المعارضة في المنفى، وهو الشريف حسين الهندي. ولكن الانتفاضة كان لها مع ذلك آثار مهمة، حيث أنها كشفت عمق الرفض الشعبي لنظام النميري حتى وسط الجيل الناشئ من الطلاب، ومن غير تحريض تنظيمي من أي جهة. وقد كانت عاملاً حاسماً في بداية التصدعات الداخلية للنظام، حيث واجه الرئيس النميري لأول مرة ما يشبه التمرد وسط القوات المسلحة دفعه لإبعاد معظم كبار ضباط الجيش وإقالة الحكومة. لكل هذا كانت تلك الانتفاضة وما رافقها مدعاة لتأملات عميقة في الحالة السودانية.
قضيت عدة أسابيع أدون ملاحظاتي حول أحداث ذلك الشهر والوضع السياسي العام في البلاد، وكانت النتيجة سلسلة مقالات بلغت حوالي اثني عشرة مقالة. وبعد أن فرغت منها بعثت بها لمجلة المستقبل الباريسية التي كانت بدأت في تلك الفترة تنشر مقالاتي حول الصراع العربي الإسرائيلي بعنوان “من نينوى إلى تل أبيب”. ولكن المجلة لأسباب لم توضحها لم تقبل أن تنشر تلك السلسلة، فقمت بإرسالها إلى مجلة “الدستور” التي كان يصدرها في لندن حزب البعث العربي، ولكنها لم تلق ترحيباً هناك كذلك ولا رداً يفسر الرفض.
كانت المحصلة التي توصلت إليها تلك التأملات تتلخص في أن وجود واستمرارية النظم الدكتاتورية في السودان ما هو إلا عرض من أعراض أزمة سياسية متعددة الأبعاد تحتاج إلى معالجة شاملة. وفيما يتعلق بتلك المرحلة تحديداً فإن طريقة إزاحة النظام الدكتاتوري تكتسب أهمية حاسمة، خاصة وأن انتفاضة مطلع ذلك العام كانت تحمل دلائل كافية على أن نظام النميري كان على حافة الانهيار. ولكن هذا الانهيار قد يتحول إلى مشكلة إذا لم تكن القوى السياسية مستعدة له. وقد واجهت البلاد من قبل إشكالات مماثلة عند انهيار النظام الاستعماري بسرعة لم يتصورها أحد، وكذلك عندما فاجأ انهيار النظام العسكري في نوفمبر 1964 القوى السياسية والنظام على حد سواء. وفي كل تلك الحالات لم تكن ظروف التحول قد نضجت، ولم تكن هناك عوامل استقرار واستمرارية في النظام السياسي. ومن هنا يجب العمل على أن تسبق “الفترة الانتقالية سقوط النظام الدكتاتوري لا أن تلحقه. أي أن التحرك باتجاه إسقاط النظام يجب أن يتم بالتزامن مع هندسة النظام الديمقراطي المطلوب.
وقد أكدت دراساتي اللاحقة في آليات الانتقال الديمقراطي ما توصلت إليه حينها. وكنت قد اطلعت بعد فترة على أفكار مقاربة عبر عنها المفكر والسياسي الراحل د. جعفر محمد على بخيت يتحدث فيها عن معوقات الاستقرار في التجربة الديمقراطية السودانية، ويقترح فيها أن تكون الخدمة المدنية هي محور ارتكاز النظام السياسي في استقلال تام عن مكوناته الأخرى. وكما نعلم فإن د. بخيت وبعض أقرانه قد حاولوا أن يجدوا مخرجاً من هذه الإشكالية بطريقة أخرى، وذلك عبر تأسيس نظام تكون فيه الرئاسة هي محور الاستقرار. وكما نعلم أيضاً فإن ذلك النظام فشل بسبب أخطاء في التصميم، وأهم من ذلك في النيات: إذ أن بخيت وصحبه لم يكونوا يفكرون في تقوية الديمقراطية، بل في تقديم بديل لها.
يكتسب موضوع هذه التأملات أهمية مضاعفة والبلاد بصدد التحضير لفترة ديمقراطية رابعة، حيث يحتفل نظام الإنقاذ نهاية شهر يونيو الجاري بإتمام عامه العشرين، وهذه أطول فترة عمرها نظام وطني في السودان الحديث. ولكنه احتفال أشبه بمراسم الدفن، لأنه لو سارت الأمور كما هو متوقع لها، فلن يحل شهر يونيو القادم إلا والسودان تحت حكومة منتخبة في انتخابات حرة مراقبة دولياً. وفي ظاهر الأمر، فإن هذه الإجراءات تحقق ما طالبنا به غداة انتفاضة يناير عام 1982، إذ أن الانتقال الديمقراطي تم التخطيط له لسنوات، وتم على أساس دستور نال قبول القطاعات الأهم في الساحة السياسية السودانية، رغم تحفظات البعض، إضافة إلى التوافق بين أهل الجنوب والشمال عليه. ونظرياً فإن الدستور الانتقالي يؤكد كذلك على مبادئ هامة، من أبرزها المساواة بين جميع السودانيين على أساس المواطنة، وتحريم التمييز على أساس العرق والدين، والعدالة في توزيع الموارد، ولامركزية الحكم، وغير ذلك من المطالب التي كانت تنادي بها العديد من القوى السياسية. فهل يعني هذا أن السودان يتجه لأول مرة نحو انتقال ديمقراطي يقوم على قاعدة صلبة من التوافق الوطني والمؤسسات القوية ومبادئ الحرية والعدالة والمساواة؟
هناك كثيرون يشككون في جدية نظام الإنقاذ في قيادة انتقال ديمقراطي سلس، ويستشهدون على ذلك باستئثار المؤتمر الوطني، حزب الإنقاذيين الحاكم، بالهيمنة على الإعلام ومؤسسات الدولة البيروقراطية والأمنية إضافة إلى الموارد المالية الضخمة التي يهيمن عليها، واستخدامه لهذه الهيمنة لتقوية نفوذه السياسي وإضعاف المعارضين. ويرى هؤلاء استحالة عقد انتخابات حرة ونزيهة في ظل هذه الهيمنة التامة لحزب سياسي واحد (أو حزبين إذا أخذنا في الاعتبار الوضع المماثل للحركة الشعبية في الجنوب) على الموارد وأدوات الحكم، ووجود قوانين تقيد حريات التعبير وتطلق يد السلطات الأمنية ضد المعارضين. ويخلص هؤلاء إلى أن الانتقال في هذه الحالة لن يكون إلى وضع ديمقراطي، بل إلى دكتاتورية تحت قناع ديمقراطي كما هو الحال عليه في اليمن أو مصر وغيرها من البلدان العربية المعروفة. ويشير إلى المعارضون إلى إشكالية الإحصاء السكاني الذي أجرته الحكومة والتحفظات المتزايدة عليه إضافة إلى الوضع في دارفور وصعوبة عقد الانتخابات في بعض مناطقها بسبب الوضع الأمني غير المستقر هناك.
ورغم وجاهة كثير من هذه التحفظات إلا أنني أعتقد أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد استخدام السلطة ومواردها للتأثير على نتيجة الانتخابات. فلو نظرنا إلى الأنظمة المذكورة فإن من المؤكد أن تلك الأحزاب “الحاكمة” في اليمن أو مصر ستخسر أي انتخابات حرة، وهي أول من يدرك ذلك. لهذا فإنها لا تسمح من الأساس بأي انتخابات ديمقراطية كما أنها لا تسمح للمعارضين بتنظيم أنفسهم أو العمل بحرية، بل تستخدم كل وسيلة ممكنة لتعويق نشاطهم، حتى لدرجة الاعتداء بالضرب على ناخبي المعارضة ومنعهم من الوصول إلى مراكز الاقتراع كما شهدنا في مصر مؤخراً. وعليه فإن احتكار الإعلام والموارد وسلطة الدولة لن يغني شيئاً لو كانت الانتخابات حرة، والأمر لا يختلف في السودان، حيث في اعتقادي أن المؤتمر الوطني سيجد صعوبة كبيرة في إحراز مكاسب ذات بال في الانتخابات القادمة.
ولكن هنا بيت القصيد، لأن السؤال هو: هل بوسع المؤتمر الوطني القبول بخسارة الانتخابات؟ وهل ستسلم مؤسسات الدولة الأخرى، خاصة الأمنية والعسكرية منها، بالنتيجة؟ نحن نعرف ما حدث في الجزائر حين فاز الإسلاميون جزئياً في الانتخابات فتدخل الجيش لإيقافها، وما حدث في زمبابوي من تحرك مماثل من أجهزة الدولة والحزب الحاكم لمنع المعارضة من تولي الحكم، رغم أن الرئاسة في الحالين كانت ما تزال في يد الحزب الحاكم. وهناك إشكالات مضاعفة بسبب الاستقطاب الحاد والمستمر في السودان، والعداء المستحكم بين النظام الحاكم ومعارضيه، والثأرات التي لم تصف بعد. فأضعف الاحتمالات هي أن خسارة الانتخابات بالنسبة لأنصار الحزب الحاكم ستعني خسارة المواقع المهمة التي يحتلونها في الحكومة والخدمة المدنية والجيش والأمن والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. ولكن الراجح ألا تقف الأمور هنا، حيث قد تتبع ذلك اعتقالات ومحاكمات وربما تسليم البعض لمحاكم دولية، وصولاً حتى إلى التصفيات والأعمال الانتقامية.
من هنا فإن أهم مقومات الانتقال الديمقراطي في السودان لم تتوفر بعد، وهي تحديداً مصالحة وطنية شاملة تصفي خلافات الماضي ووتتجاوز مراراته، وتغلق الملفات القضائية وتتوافق على حيادية الخدمة المدنية والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية وتطمئن الجميع إلى أن الانتقال الديمقراطي لن يؤدي إلى أعمال انتقامية. وبدون هذا التوافق فإن الوضع الديمقراطي لن يأتي ولن يتحقق له الاستقرار. وباختصار فإن أي انتخابات حرة ستؤدي إلى خسارة المؤتمر الوطني، وهذا بدوره سيؤدي إلى حرب أهلية وعودة سريعة للدكتاتورية. وهذا ما ينبغي الاحتراز منه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم