قف بنا ياصاح نبكي شاعرنا محمد طه القدال
“شن عندي ليك انا ياوطن
رفرف جناحك ياسلام..
فالحق يعود ل كل شهيد..
ل كل ارض منزوعة ترجع بالتمام
لى كل بت مشدوهة تتوسد كرامتها…بالجديد{7}
( محمد طه القدال)
الرحيل المر زي الزان ودمع لا يكفكف ياقدال
وكلنا حزن نبكي الرحيل العاصف علي الشاعر العظيم محمد طه القدال، تبكيه المدن وقرى الجزيرة، وتترحم عليه قباب الأولياء والصالحين، وتنتحب السواقي، وأنينها يردد يا وطن عند الشدائد.
لبست ” حليوة ” توب القنجة والفرات وردحت في وداعه هازه جريد النخل، ودعه ازهري محمد علي ليستقبله حميد صادحا ” ارضا سلاح”. صادق المفردة الثائرة وملأ فضاءاتها بحرارة ثوريته ولهيب نقده للجذع الأعوج ولم يطعن في ظل الفيل ولم يهابه رغم ضراوته وشراسته، وملأ فضاءها الاخر سخرية وصرخات هازئا تنفجر لها القاعات تصفيقا وتهليلا وضحكات. كان مناضلا جسورا بالكلمة حتى النخاع عبر عن كثير من القضايا الوطنية بأسلوب ساخر لاذع مستخدما الدلالات والإشارات، والمغارزه الموجعة منها: ” انا ما بجيب سيرة الجنوب” و ” وين حلايب؟” وفي مسدار ” أبو السره لليانكي” بإشارة الي العرب: ” ديل عربان توابع اليانكي قال السحلي لا نخشاهم/ خلوها العريب الغاربة….
. لم ينقطع الحبل السري للقدال عن بيئته والتي ظهر أثرها في اشعاره كما هو حال الشعراء الأخرين ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر، محمد سالم حميد فعكست اشعاره ثقافة منطقته ففي قصيدته “نورا… والحلم المدردح”، نجده قد استنطق عامية أهل الشمالية وخاصة منطقة الشايقية{ (5/33} {8}، وبالمقارنة نجد أن كل من أزهري محمد علي في ديوانه: ” طوبى للغرباء” قد نظم قصيدته ” نوره “ص {123/125} {5} يتبين الاختلاف في اللغه العاميه، وعمر الدوش في ديوانه:
” ليل المغنين” وقصيدته ” خطابات من حمى الوطن” { 9}، قد نظموا اشعارهم بلغة عامية تختلف كلية عن كل من القدال وحميد.
القدال وفنتازيا التراكيب البنيوية في الصور الشعرية
وفي التراكيب البنيوية لشعر القدال تطالعك فنتازيا الدراما والسناريوهات المسرحية، وسينمائية الوحدات المتحركة فيشحذ المخيلة بالحكاية في قصيدته. وقد أفلح القدال من خلال السناريوهات أن يرص وحداتها ويعمل مونتاجها في شكل فيلم سينمائي وكل وحدة تستوقف الخيال وتستوجب التفكير ومن امثلتها قصيدته: ” ياحليوه + بقول غنوات….. بقول غنوات”
فكرة القصيدة عنده وصفها في صوره دراميه وفنتازيا حركة تصويريه ل “شليل” ، تبعها بالتساؤل و الحيرة يحدوه الأمل في عودة “شليل” للأرض والزراعة، ليختم تلك الحدوتة بالعديل و الزين. يقول فيها:
” بقول غنوات بقول غنوات”
في البلد البسير جنياتها لقدام../ ولي الولد البتل ضرعاتو في العرضة../
ويطير في الدارة صقرية../ ولو السمحة تلت ايد ومدت جيد../
يقوم شايلاهو هاشمة../ ويشيل شبال ختفة ريد وفرحة عيد../
وريدة روح وحمرة عين وايديه../
ومن ابداعات القدال هو إيجاد “ايقاعات لغوية” من خلال تكرار منتظم لمقاطع صوتيه بارزه ويتجدد الظهور فيها بعوامل درجة الصوت وديناميكيته من خلال تناسقات صوتية تتكرر في داخل النص. {4}
فالأداء الصوتي المصاحب للكلام وهو التنغيم والذي يعني تغيير النغمة ومن أمثلة ذلك في نفس القصيدة هو تكرار الاسم ” شليل ” {16 }مره وهو محور القصيدة و ” هو لبلب” {5}مرات، وسألتك { 3}مرات. كما وان إضافة جرس موسيقي لبعض الوحدات يتأتا من الالتزام بقافيه واحده ومثال ذلك وفي نفس القصيدة:
” ويبقى زفاف تزغرد ليه قمرية/ قبال حول تغيم غيمة قبلية/ترش الدارة والحدبة الصعيد الحلة / ويافرحة بتطارد الصفقة في النسمة الصعيدية/ويجهره نهار الليلة بدرية / رحيح جنياتنا في الحدبة /الصعيد الحلة /ياسمحاتنا هو لبلب / وياقمحاتنا هو لبلب / ويا اللوز الفتق في الوادي هو لبلب/ وياسمحاتنا هو لبلب/ و يالبحر الطمح مدادي هو لبلب/سألتك بالذي ركز الأرض معبد/وسوي الفأس عليها مقام/سألتك بي حجا الامات ودمعاتنا/سألتك بي كبيداتن ودعواتنا / شليل وين راح / يكون ضل الخريف فاتنا/ شليل وين راح……
والى اخر وحده في تراكيب الوحدات المتحركة المكونة لسينمائية القصيدة، فيختم الحكاية ب: { شليل ما راح/ شليل ما فات/شليلنا ونحنا همباتة ومهاجرية/مزارع بات على عشقين/تراب بلدو وسماح فوق بت مزارعية}. وقد نهج القدال نفس النهج في قصائد أخرى ففي ” صابرين” تكررة صابرين وهي أساس القصيدة {6} مرات ، وسلامات {11} مرة محدثا الإيقاع الحركي و التنغيم ، وخيال القدال الواسع تمثل في رؤيته للخريطة الجغرافية لنهر النيل ببروفايل المراة الحامل وهي تحمل جناها وفي فرعين اشاره الى : النيل الأبيض والازرق وهما ما يرفد منهما نهر النيل ، هذا ما يدلل على أن القدال يمتلك خيالا واسعا وذخيرة لغويه هائلة مما يجمل لوحاته على جداريته الشعرية والتي لاتقل جمالا ، وبهاء ، وابدعا عن جدارية الفنانين التشكيلين من أمثال: جينز سيفريني ، انجلو كاينغاري من ايطاليا ، ومن العالم العربي عبد الهادي الجزار ، واحمد نبيل وقد ابدعوا في عمل جداريات في مصر في كل من القاهرة والاقصر .
هذه الوحدات المتحركة عرض لدراما متكاملة لم يدع فيها القدال فجوات، فجاءت متماسكة ومتسقه وذات جرس موسيقي.
kargwell65@yahoo.co.uk
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم