بقلم: هشام الحلو
حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز عن شاكيرا في نهايات القرن الماضي، لم يكن يمتدح مجرد ظاهرة غنائية عابرة، بل كان يفكك شفرة غواية قادمة من أعماق الكاريبي؛ غواية تمتلك من البراءة بقدر ما تنطوي عليه من لعنة. واليوم، وهي تقف في بؤرة الضوء تُحيي افتتاح كأس العالم ٢٠٢٦، يتجاوز المشهد حدود الترفيه الجماهيري ليتكثف في لحظة وجودية وجمالية خارقة، تُعيد إنتاج “الأبدي السيزيفي” في تجسده الأنثوي الأكثر راديكالية؛ إذ إن شاكيرا، في منظور ماركيزي ممتد، ليست مجرد مؤدية، بل هي نص وجودي يتحرك.
وفي هذا الكرنفال العالمي الصاخب، يبدو الاستاد وكأنه مسرح الوجود الأكبر حيث تلتقي الجموع في بحثها الدؤوب عن المعنى، ووسط هذا الضجيج يأتي جسد شاكيرا ليطرح سؤاله الجمالي الخاص؛ إنه الجسد الذي لا يرقص ليمتع العين فحسب، بل الجسد الذي يفكر ويعيد صياغة المأساة الإنسانية إلى طاقة حيوية دافقة. وهي في ذلك تذكرنا بأطروحات ألبير كامو في “أسطورة سيزيف”، حيث الإنسان محكوم عليه بالتكرار، واللاعبون يركضون خلف كرة لن تستقر أبداً، والجمهور يصرخ في عبثية دائرية محببة، لكن شاكيرا، بحركتها الأنثروبولوجية المستمدة من جذور ضاربة في التاريخ والتهجين الثقافي، تحوّل هذا التكرار الوجودي إلى انتصار جمالي، وترقص في مواجهة العدم، وتغني لتؤجل الشيخوخة الكونية، تماماً كما كانت حكايات شهرزاد تؤجل الموت؛ إن رقصها يبدو كأنه صياغة جديدة للزمن، حيث يتوقف الماضي والمستقبل ليصبح الحاضر هو المطلق الوحيد المتاح.
لقد كان ماركيز يرى في شاكيرا تجسيداً للواقعية السحرية في أبهى صورها؛ امرأة تولد من طين كولومبيا وتطير بأجنحة من إيقاع ليركع العالم تحت قدميها. وفي افتتاح مونديال ٢٠٢٦، تبدو الأيقونة كأنها خرجت للتو من إحدى غرف “ماكوندو” السرية، حاملة معها لعنة العزلة الغابرة لتطهر بها صخب الحداثة السائلة. وتكمن الجمالية هنا في المفارقة الوجودية؛ كيف يمكن لامرأة تجاوزت عتبات النضج، في عالم يقدس العابر واللحظي، أن تظل محتفظة ببصمتها الأنطولوجية؟ إن الإجابة تكمن في المرجعية الثقافية التي لا تموت، فهي لا تقلد أحداً، بل تُعيد إنتاج هويتها المتعددة (العربية واللاتينية والإفريقية) كصخرة صلبة تتكسر عليها موجات العولمة النمطية.
وفي هذا الفضاء الفلسفي، يصبح الملعب أشبه بـ “الغثيان” السارتري، حيث الكثافة البشرية والانتظار المقلق لنتيجة المباراة يضعان الإنسان في مواجهة مباشرة مع حريته ومصيره، وهنا تتدخل شاكيرا كعنصر للخلاص الجمالي. إن ماركيز، الذي سحرته قدرتها الإعجازية على صهر الكلمات والألحان في بوتقة واحدة، لو كان بيننا اليوم لقال إنها أصبحت إلهة الإيقاع المعاصر؛ تلك التي تمنح الجماهير صك الغفران المؤقت من خطيئة الوعي الشقي، وتحول الملعب من ساحة صراع جيوسياسي وكروي إلى فضاء للهارموني الكوني، حيث يذوب الفرد في المجموع وتتلاشى الأنوات الوجودية لصالح حركة جماعية راقصة.
إننا إذ نحب شاكيرا، بروح ماركيزية، فإننا ننحاز للحياة في مواجهة الفناء، وللأصالة في مواجهة التزييف. وفي افتتاح ٢٠٢٦، لم تكن شاكيرا تغني للمونديال، بل كان المونديال يدور في فلكها، لتذكرنا عبر فلسفة الجسد والصوت بأن الإنسان، رغم كل قيوده الوجودية وعزلته الممتدة لقرون، ما زال قادراً على ابتكار لحظات خاطفة من الفرح الخالص، لحظات تجعل الحياة، ولو لبرهة سحرية واحدة، جديرة بأن تُعاش.
hishamissa.issa50@gmail.com
