شبح سسيوسياسي وراء معركة عاصم .. بقلم: عزالدين صغيرون

 

أن تحتج على الظلم بالكتابة والتظاهر والكلام شيء، 

وأن تطالب بحقك عملياً شيء آخر.
لقد اعتدنا في أحزابنا وفي كافة منظماتنا المدنية الأخرى على الاحتجاج بإصدار البيانات التي تدين وتشجب الممارسات القمعية والانتهاكات التي ترتكبها أجهزة الدولة. تلك الممارسات المخالفة حتى للدستور الذي “نجرته” السلطة وحدها، والقوانين التي “فصَّلتها” على مقاس مصالحها وتأبيد سلطتها. ولعل هذا واحد من معايب عملنا السياسي والاجتماعي. لأنه ضمن المؤشرات على أننا دائماً ما نعبر عن ما “نرفض”، ولكننا لا نعمل على تحقيق ما “نريد”.
نحن نرفض الظلم ولكننا لا نعمل لتحقيق العدل.
نكتفي بالإدانة والاحتجاج والصراخ ضد الظلم الذي يلحق بنا .. كأنما ذلك وحده سيحقق لنا العدل!.
من هنا تأتي أهمية وقيمة إعلان حزب المؤتمر السوداني عن اجراءات قانونية ضد وزارة الداخلية والشرطة، متهماً سلطات سجن كوبر بضرب وتعذيب الطالب الموقوف المنتمي للحزب عاصم عمر، الأمر الذي أدى لتعرضه الى مشاكل صحية عديدة، وكشف الحزب عن أن الطبيب المعالج للطالب قرر إجراء عملية جراحية في الاذن لعلاج ثقب الطبلة الناتج من التعذيب.
وحسب الناطق باسم الحزب بالإنابة نور الدين بابكر، فإن عاصم يعاني إلى جانب ذلك من ارتخاء في العصب السابع وعدم القدرة على السمع بالأذن اليمنى، وإلى إصابات بالخصيتين وجروح غائرة بالأرجل والأيدي، فضلاً عن العجز عن الأكل بسبب الاعتداء عليه من شرطة السجون. وأوضح أنه بعد اكتمال الفحوصات وتشخيص الحالة ستواصل هيئة الدفاع الإجراءات القانونية في مواجهة وزارة الداخلية وشرطة السجون والافراد اللذين قاموا بعملية التعذيب، وأضاف: “نعتقد أن السبب الرئيسي لمثل هذا التعذيب هو الفشل في إلصاق تهمة القتل بالطالب عاصم عمر حسن”، معتبرا أن مواصلة المحاكمة لمدة تجاوزت العامين في حد نفسه يعد انتهاكا صارخاً لحقه في المحاكمة العادلة، وضرباً من التعذيب الذي يعمل الحزب من أجل وضع حد له.
ربما يسأل سائل هنا: وما الفائدة؟
* ما قيمة أن يفتح الحزب بلاغاً ضد من هو المجرم، وهو ذاته القاضي معاً؟.
وعلى ما قال المتنبي مخاطباً أميره : فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
* هل هذه هي الجريمة الأولى أو الوحيدة التي ترتكبها أجهزة السلطة الأمنية والشرطية والعسكرية أو حتى ميليشياتها ومرتزقتها؟
* هل حدث ولو مرة أن حققت نياباتها أو قضائها حول هذه الجرائم والانتهاكات، دع عنك أن تصدر حكماً يقتص من الجاني، أو أن يرد ظلامة مظلوم؟!.
إن القيمة هنا ليست في عشم تحقيق العدالة على المجرم، وإنما في ترسيخ مفهوم الحق، حق الانسان/ المواطن.
حقه في الحرية، والمساواة في الحقوق والواجبات، حقه في الحياة الحرة الكريمة، حقه في الاحترام.
يقولون لك ان هذه حقوق طبيعية، ثم يروون لك مقولة الفاروق عمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!”.
ولكن متى كان الانسان في مجتمعاتنا حراً؟!.

(2)
لقد كتبت من قبل:
أنت مُستلب منذ ميلادك.
علاقتك بوالديك وسلطتهما تقوم على خضوعك اللامشروط لسلطتهما عليك، فوالدك هو “الرب الأصغر” ، وأمك مستلبة لأبيك لأن الحديث النبوي يقول في ما معناه، لو كنت أأمر إنساناً ليسجد لإنسان لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها، وحتى والدك ليس أفضل حالاً منكما فهو خاضع لوالديه، ولرئيسه في العمل. فأنت منذ الطفولة تعيش تحت سقف لا تستطيع أن تتجاوزه.
وإلى عهد قريب لم يكن يحق للشاب في المجتمع السوداني أن يختار شريكة حياته، وفي المجتمعات الخليجية لا يزال هذا التقليد حيَّاً، ولعل هذا واحد من أهم أسباب تفشي أشكال الزيجات السرية من مسيار للرجال وتسفار للنساء. لأن تبرير تفشي هذه الظاهرة إذا صلح في مجتمع مثل المجتمع السوداني أو المجتمع المصري – على سبيل المثال – ، حيث يشكو البيت من قِلَّة الفئران، فإنه لا يمكن أن ينطبق على مجتمعات الوفرة الخليجية. فإذا كان هذا هو حظ الشاب من حرية الاختيار في شأن من أخص خصوصياته في مجتمع ذكوري/ بطريركي، فما بالك بالأنثى، التي يملك والدها أن يحرمها من الزواج، أو أن يزوجها وهي طفلة لمن يكبرها سناً لأنه (وليّ أمرها)، غير عابئ بالنتائج الكارثية المتوقعة.
تشب قليلاً ويتم إلحاقك بالمدرسة فتحاصرك سلطة المعلم ومدير المدرسة، وهو ليس مجرد معلم ولكنه أب ثان لك، يتمتع بكافة سلطات والدك، وقد لقنوك قبل ان تلتحق بالمدرسة بأن (من علمك حرفاً صرت له عبداً)، وبالتالي عليك أن “تحترم معلمك وأن تخفض صوتك أمامه ، وأن لا تبادره بالحديث إلا إذا سألك، ويحق له أن يؤدبك، كما ويحق له أن يعاقبك بالضرب المبرح إذا أسأت الأدب أو فشلت في الإجابة على سؤال في الدرس، وبالطبع ستخضع مستويات العقوبة لحالته المزاجية والنفسية، وقد تلاقي حتفك تحت يديه بتأثير من الضرب.
ولأنك اعتدت الخضوع لمن يعلوك سلطة أو سناً أو وظيفة أو مكانة اجتماعية، بعد أن أرضعوك الخضوع منذ الطفولة، فقد أصبحت وأنت شاباً مهيئً لتسلك طريقك في الحياة، وعدتك، الخضوع لمن هم فوقك، والاستبداد والطغيان على من هم دونك مقاماً اجتماعياً، أو وظيفياً، أو سناً.
* وأنت تسير وفق ما يرى ويريد مجتمعك – بغض النظر عن ما تريد أنت – لأنك تخشى أن ينفيك وينبذك محيطك، وتُحرم من دفء القطيع الحميم.
* وأنت تخضع لرئيسك، تتزلف إليه وتنافقه وتبدي له الطاعة العمياء لأنه “رب عملك” وبيده أن “يقطع عيشك”..
* ثم تخضع للشرطي في الطريق لأن من حقه أن يدخلك السجن، رغم أنك بريء مما يمكن أن يجرمَّك، ولكنك تريد أن تنأى بنفسك عن المشاكل..
* وحين يطرأ ببالك رئيس الدولة فهو “الرب الأكبر” فوق كل هؤلاء الأرباب.
إذا كان هذا هو مسار الإنسان في مجتمع مثل مجتمعاتنا فما هي المخرجات الأخلاقية المتوقعة من مسار مثل هذا؟.
إنه مجتمع ، كما يمكنك أن تتوقع، يعتاش فيه الفرد ويبني حياته على قيم مزيفة.
إنه مجتمع الخوف والجبن والتسلط والخضوع،
تفتقر العلاقات فيه إلى الصدق والأمانة والوضوح.

(3)
و”بقلب قوي” تستطيع أن تتنبأ بأن الانسان في مجتمعاتنا لا يعرف سوى ما عليه من واجبات، وهي في أغلبها مفروضة عليه و “مجبور عليها”، وقليل منها ما هو نابع من ضميره عن قناعة
ولكنه يجهل تماماً ما هي حقوقه.
أنت واجبك نحو والديك ومعلمك ورئيسك في العمل، ونحو الحكومة والمجتمع والجيران ورجل الدين والشرطي الخ.
ولكن بالمقابل ما هي حقوقك بالمقابل عندهم جميعاً؟.
هذا بالتحديد ما تمت صياغتنا منذ نشأتنا على أن نسأل عنه، لأن الإجابة عليه تقع دائماً خارج فضاء وعيك: ن الله ، أو العرف، أو القانون، أو الناس، قالوا ذلك، وصكوا هذه القواعد، فليس لك أن تسأل!.
وهذه تحديداً هي قيمة الخطوة التي اتخذها حزب المؤتمر السوداني.
إن الحقوق لا تُمنح ، وإنما تؤخذ.
ويقال في المأثور: ما ضاع حقٌ وراءه طالب
وكما يقول الاستراتيجيون : إن السلام لا يتحقق إلا بالاستعداد للحرب.
ومعارك الحقوق متنوعة الأسلحة والوسائل والاستراتيجيات، وإذا كانت الوسائل القانونية وحدها لا تحقق النصر فإن ذلك لا يعني اقصاءها من المعركة، لأن مذكرات الاحتجاج والمظاهرات وحدها أيضاً لن تحقق النصر النهائي، ولكن تبقى القيمة التربوية لثقافة الحقوق هي ما يتبقى حتى بعد أن يحقق الشعب انتصاره، لأن معركة الحقوق ستظل هي الراسب الذي تحتاجه الشعوب مهما بلغت من رقي ورفاهية وحرية.
هي الوقود الذي يحافظ على حيوية الشعوب.
كلمة أخيرة:
ألا ترون معي بأن كتيبة المحامين الأحرار هم طليعة هذا الفيلق؟.

izzeddin9@gmail.com
/////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً