الصادق حمدين
من أسوأ ما تفعله الحروب أنها لا تكتفي بهدم المدن وتشريد الناس، بل تمتد آثارها إلى اللغة ذاتها، فتُفسد مفردات الأخوة، وتستبدل خطاب التضامن بخطاب الشك والريبة، وتغري بعض أصحاب النفوس الضعيفة بأن تجعل من الضحية موضعاً للاتهام بدل أن تكون محلاَ للمواساة. وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي؛ حين يتحول الإنسان، لمجرد جنسيته، إلى هدف للشتيمة والإساءة، وحين تصبح المعاناة سبباً لمزيد من القسوة اللفظية، لا باعثاً على الرحمة والتعاطف الإنساني.
في الآونة الأخيرة، برزت على بعض المنصات وداخل بعض الفضاءات العامة موجة من الخطابات المسيئة تجاه السودانيين، اتسم بعضها بالتعميم والإقصاء والتنميط، حتى بدا وكأن ملايين البشر قد اختُزلوا في تصرفات أفراد معدودين. وما من ظلم أشد من أن يُحاكم الإنسان بجريرة غيره، أو أن يُدان شعب كامل لأن نفراً منه أخطأ. فذلك ليس عدلاً، ولا قانوناً، ولا خلقاً.
لقد جاء السودانيون إلى مصر مدفوعين بقسوة الحرب، لا بدافع الترف والسياحة ولا بحثاً عن امتياز. جاءوا يحملون جراح وطن يتمزق، ويطرقون باب الجوار الذي ظل، عبر التاريخ، عنواناً للمروءة قبل أن يكون ضرورة فرضتها الجغرافيا. وكان المنتظر أن يكون اختلاف الناس في السلوك سبباً لتطبيق القانون على المخطئ، لا ذريعة لتجريم الأبرياء، لأن الدول الراسخة لا تعرف العقوبات الجماعية، ولا تجعل الهوية الوطنية قرينة على الاتهام.
إن الدولة التي تحتكم إلى القانون لا تسمح للكراهية أن تتحول إلى رأي عام، ولا للإساءة أن تُصبح ممارسة مألوفة. فالقانون لا يعرف جنسية المتهم، بل يعرف فعله، ولا ينظر إلى لون الجواز، بل إلى ميزان العدالة. وكل خروج على هذا الأصل هو انتقاص من فكرة الدولة نفسها قبل أن يكون انتقاصاً من حق الأفراد.
وليس في هذا الحديث ما ينتقص من الشعب المصري، الذي تجمعه بالسودانيين أواصر تاريخية وإنسانية عميقة لا يمكن إنكارها، وقد عرف البلدان، عبر عقود طويلة، صوراً مشرقة من التعايش والمودة والتكافل. ومن الإنصاف ألا تُختزل مواقف ملايين المصريين في سلوكيات أو خطابات تصدر عن بعض الأفراد أو المنصات. غير أن الإنصاف ذاته يقتضي أيضاً ألا يُترك خطاب الكراهية بلا مواجهة حين يظهر، لأن السكوت عنه يوسّع أثره ويمنحه حضوراً لا يستحقه.
ليست قوة العلاقات بين الدول في الشعارات التي تُرفع، وإنما في قدرتها على تحقيق قدر من العدالة والتوازن بين المصالح. وما بين السودان ومصر ظلّت العلاقة، في نظر معظم السودانيين، إن لم يكن جُلٌهم، تميل إلى كفة واحدة، حيث تُقدَّم المصالح المصرية في كثير من الملفات على حساب المصالح السودانية، دون مراعاة كافية لما تفرضه الجغرافيا وحسن الجوار وما تقره صفحات التاريخ.
وفي ظل هذا الشعور بعدم التكافؤ، برزت أصوات تستحضر صفحات من التاريخ لتبرير خطاب ينتقص من الشعب السوداني بأسره، محمّلة إياه مسؤولية تصرفات أفراد أو مواقف معزولة. ومهما بلغت حدة الخلافات، فإن تعميم الأحكام على الشعوب لا يصنع علاقة أكثر استقراراً، بل يعمّق فجوة الثقة ويزيد من تعقيد مستقبل يحتاج إلى مراجعة صادقة تقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالمصالح المشروعة للطرفين.
ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق السلطات المصرية ليست مسؤولية قانونية فحسب، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية أيضاً؛ مسؤولية تأكيد أن القانون هو المرجعية الوحيدة، وأن كرامة الإنسان مصونة، وأن كل من يتجاوز حدود الأدب أو يحرض على الكراهية أو يعمم الاتهام يجد من القانون ما يردعه، تماماً كما يجد المخالف للقانون من أي جنسية جزاءه العادل. فالعدل لا يتجزأ، وهيبة الدولة لا تكتمل إلا حين يشعر الجميع أن مظلتها تمتد إليهم على قدم المساواة.
إن الصمت على الإهانة، حين تتحول إلى ظاهرة، ليس حكمة، بل خسارة معنوية تتسلل إلى النفوس وتترك فيها ما لا تتركه السنون من جراح. وما يطلبه السودانيون اليوم ليس فضلاً من أحد، ولا امتيازاً على أحد، وإنما حق أصيل في أن يُعاملوا بما كفله القانون الدولي، وحقهم المشروع في اللجوء والحماية حفاظاً على الأرواح بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن يُحاسب المسيء وحده، وأن تبقى الكرامة الإنسانية فوق ضجيج الكراهية، وفوق نزعات التعميم، وفوق كل خطاب يجعل من المأساة ذريعة لإهدار إنسانية الإنسان.
فإذا كانت الحروب تمتحن صبر الشعوب، فإنها تمتحن كذلك عدالة الدول المحترمة وأخلاق المجتمعات. وما يبقى في ذاكرة الأمم بعد انقضاء الأزمات ليس عدد النازحين، ولا حجم الدمار، بل كيف عاملت الضعفاء حين كانوا في أمسّ الحاجة إلى الإنصاف. وهناك، في ذلك الامتحان، تُكتب الصفحات التي لا يمحوها الزمن.
umniaissa@hotmail.com
