شجرة بِيضَا: قد تَنتَقمُ الأشجارُ ويَبتسم الجنود

 


 

 

للسفر مفعول مدهش، يذيب الحواجز، مع كل خطوة على الطريق تزول الريبة والخوف ويحل محلهما صفاء يجعل شركاء المركبات أسرة واحدة؛ أو هكذا نحن علاقاتنا هشّة ومتماسكة تنهار في لحظة انفعال وغضب لكن سرعان ما تجذبنا أغنية شعبية تشدنا من الأطراف إلى المركز، ثم تُبَعثرنا قِطَعاً صغيرة على القرى البعيدة والمدن الهامشية وأشباح الجبال والبيوت الطينية الصغيرة والأكواخ التي تنبض بالحياة. أقوياء، نُقاوم محن الإنسان والطبيعة، نبني ونهدم حتى تنتهي الرحلة. أما رحلتنا إلى الجبال الآن فقد بدأت تخصب، بدأنا بالحديث عن الأشجار وحال الناس والبؤس الذي خيَّم على البلد وطالت أنيابه وأظفاره مَا ومَن بظاهر وباطن الناس والتربة وأعالي الجبال. بدأ الرجل الأكبر الجالس معنا بالمقعد الخلفي حكايته مع مطاردة تسوية المعاش، ضحكنا من المقالب وطول الرجاء والأمل الذي انتهى به معنا في المركبة، وفي مقعدها الخلفي، وعند مشارف الجبال أخذ صوته يتهدّج، أشار بيده إلى جوالات الفحم المرصوفة على جانب الطريق وانساب يحكي؛ حكى عن أيامه في مصلحة الغابات وعن زوجاته وابنته الطبيبة، ثم بدأ يحكي عن الجنود واجتياح الأشجار وقتلها ثم حرقها. قال إن الأشجار لها قلبٌ وعقل، تضحك مع الأطفال والطيبين من البشر، وتبكي مع ومن الجنود والعاصفة والمطر، تمنح ثمارها وعصارتها بمحبة لمن يستحق، وتُشرع أسلحتها الخاصة في وجوه الأشرار، ثم تموت واقفة. تطاردهم بلعناتها بعد موتها فتعود في الليل وتدخل من نوافذهم وتستوي على فرشهم، تطعنهم في العيون والقلوب وتبكي ويبكون.. وقال فيما قال عن "شجرة بيضا":
(كان أقواهم وأغلظهم طبعاً، لا يبتسم أبداً، شرير وحاقد وذو رائحة نتنة، أطلق النار على قطٍّ برّي في الرأس فتبعثر اللحم والمخ وضرَّجت الدماء الأشجار وعَلقت قطع اللحم ورشاش المخ بالصخور، تَرَكَنا خلفه ثم دخل إلى الغابة يحمل فأسه، اقترب من الشجرة ثم هوى على ساقها بالفأس فصرخت الشجرة، صرخت صرخة اهتزَّت لها أركان الغابة والجبال والأشجار، سمعها المسافرون في الطرق البعيدة وسكان السفح وقمة الجبل، وتفزَّعت لمسمعها الطيور وتدحرجت الصخور وانفجرت المياه من باطن الأرض، وعصفت رياحٌ لها نواح كنواح الثاكلات، وقال:
مَرَقت موية قدر تملا برميلين، اتدَّفقت من قلب الشجرة وسالت.. حمرااااااا.
وقال:
أصابه منها رشاش في عينيه ورأسه وكفيه وساقيه والقدمين (جسمه كلو بِقَى يِنزّ، ود الكلب، جَدَع الفاس وجرى.. هَسِّي حايم مَرَّة لابس ومَرَّة عَريان، ياكل من الكوشة مع الغنم وبراميل المستشفى (ود أم ز....).
قبل أن تستوي العربة ثم تتوقف في أعالي الجبال كان يشير بيده على كل شجرة نلمحها:
ديك شجرة دليب.. تتمايل شجرة الدليب وتلعب الريح بخصلاتها وثمارها، لم تأخذ حجمها الطبيعي بعد لأنها لم تنضج، هي الآن في حجم بيض النعام. نترك شجرة الدليب خلفنا، ثم تلوح في الأفق أشباح أشجار كئيبة المنظر فيقول:
داك شجر الزقّوم.. الناس بخافو منو -نوع من الصبار- عنده لبن زي لبن العشر لكنه سامّ.
سألته عن شجرة لاحت تشبه التبلدي، متقزّمة وملتصقة بالصخور، عارية إلا من زهور حمراء فائقة الجمال فقال:
(دي شجرة (سِم) .. مافي زول بقرب منها).. ثم أردف:
أعمل حسابك دي عروس الشيطان الما بعرفها يقول ملاك. ثم ضحك وضحكنا. بعدها واصل:
الشاحنات تجيب عساكر وتشيل حطب وفحم.. ياخي واحد منهم قطع شجيرة تِك قدير دا!! -وقارب ما بين كفيه دلالة على صغر حجم الشجرة- ثم أشار إلى شجيرة هجليج صغيرة طولها أقل من ذراعين..
ودعتهم عندما توقفت العربة أمام بوابة السجن، نزل السائق حمل حقيبتي إلى البوابة واوصي أحد الجنود:
- الأستاذ دا قريبنا جاي يقابل ضيف عندكم.
كنا، قبل أن أبرح العربة، قد تبادلنا أرقام الهواتف والعناوين وقال الذي في مثل عمري:
كان ما لقيت طريقة ترجع اتصل نجي نسوقك تبيّت معانا وتقوم دغش.. شكرتهم وودَّعتهم بحرارة، استقبلني الجندي الذي أوصاه السائق أحسن استقبال ثم قادني إلى مكتب المأمور الذي أحسن استقبالي، وأرسل أحد النزلاء لإحضار الشاي والقهوة وصديقي السجين الذي، عند حضوره، أفسح لنا المأمور المجال وترك لنا مكتبه لساعة من الوقت، حكى لي خلالها عن جمال الطقس ومرارة الحبس، ونقلت له أخبار أسرته والأهل والأصدقاء ثم دفعت له بـ(كيس) صغير فيه بعض الملابس والأدوية ومعجون الأسنان وصابون معطر من النوع الذي يحبه، وجنيهات قليلة مما فاض عن مصاريف العودة. ودّعته بعدها وشكرت المأمور والجنود، ثم عرّجت من السجن على سوق المدينة الذي وجدته يفيض بالجنود والنسوة اللاتي افترشن الأرض، أمام كل واحدة مشغولات يدوية من الجلد وأواني الفخار المختلفة وكثير من الثمار المحلية؛ عرديب وقنقليز ونبق ودوم وأم قليقلة و.... أشياء لا تحصى.. جلست أنتظر المركبات بعريشة صحبة نفر قليل من الرجال، وإلى جواري جنديّ مدَّ إلي يده بسكين غريبة نصلها أطول من المعتاد، مشغولة ومزركشة، مقبضها أسود على رأسه شوكة طويلة بدت لي مثل مخرز أو منقاش، وقال يُعدّد وصفها ويشكر صانعها:
دي سكين طَلَبتَها طَلب، جبت حديدها براي عَزلتو عَزِل، ما في منها اتنين، دافع للصناعي خمسمية وخمسين جنيه!!
أعدتها له سريعاً وأنا أتظاهر بالإعجاب، وفي دوخلي سرت قشعريرة باردة قطعتُ سريانها بطلب كوبين من الشاي لي وله، لكنه شكرني وعكف يتأمل ويغازل أداته القاتلة في صمت، ولحسن الحظ لم يطل مكوثي بعد أن نَقدتُ أحد الكمسنجية ما يزيد قليلاً عن سعر التذكرة، أسرع ثم عاد ليبشرني بمقعد في حافلة بها كوكبة من النساء الجميلات وفتيان وفتيات -دلوكتهم رابطة فوق- وقال لي الكمسنجي:
حظك لقيت ليك مقعد في حافلة راجعة من شيلة عريس.
وفعلاً كانت ضربة من ضربات الحظ التي قلَّ أن يظفر المرء بمثلها، مع تحرك الحافلة انطلقت الزغاريد وصدحت الفتيات تقود جوقتهن امرأة في بداية العقد الرابع، ذات صوت شجيّ يخلب الألباب، وانسابت أغاني المناسبات السعيدة تمجّد العريس والجنود من الطرفين والخير والمحبة مع إيقاع الدلوكة المصاحب، والذي يهتزّ معه من بداخل الحافلة وخارجها من المارة والواقفين على الرصيف:
الحوش الكبير شايلنا
قود يا عبده سوق وصلنا
(كبلك كبلك كبلك.. كبلك)
يفور (السواق) و(يتدفق) ويهتزّ ويضع يده على آلة التنبيه فترسل نغمات تجاري اللحن والكلمات، وفي فورة الحماسة يتماوج لحنٌ ويرتفع إيقاع أغنية أخرى:
أنا قلبي شالوه الناس الخدر
عندي دستور وما بقبل عذر
وعلى طول الطريق ظلَّت الأغنيات تتدفق وتُشعل رقة الصوت والكلمات والفتيات والفتيان، وعند نقاط التفتيش يرفع الجنود أغطية الرؤوس والأسلحة، يحيّون الصوادح وترتفع أصوات الجنود:
أبشر.. أبشر...
تطبع على محياهم ابتسامات كانت غائبة في هذه البقع الحارقة للأجساد والأرواح، تقابلها النسوة بالزغاريد فتكون تأشيرة مرور إلى القلوب وإلى المدينة القريبة.
قلت لجاري بالمقعد، وهو رجل كهلٌ مثلي، وأشرت بيدي من النافذة إلى شجيرات (العوير) تفتَّحت زهراتها البنفسجية الجميلة، وقبل أن أنبس بحرف جاءني صوته الأجش:
الله يقطع العوير ويقطع يومه.. ما منه فايدة إلا يصيب بالكساح.. وحتى وردته ما فيها ريحة..).
هربت من كلماته إلى النافذة وإلى قمم الجبال فعادني صوت جاري (رجل الغابات المعاشي) بالعربة الصغيرة، عندما كنّا في منتصف الرحلة وشاهدنا على جانب الطريق قافلة صغيرة من الأطفال في عمر مدارس الأساس، نصف عراة حفاة، يحملون بأياديهم الصغيرة كتبهم المدرسية ويضحكون؛ كانت الدنيا في تلك اللحظة ملء أياديهم يضحكون ويطاردون أشباح بعضهم البعض، فيهرب أحدهم إلى باطن الغابة ثم يعود يجرّ خلفه شجيرة صغيرة يناوش بها الصبيان، ويلوّح بها في وجه العربة. قال رجل الغابات:
ديل عيال الله.. يقوموا زي الشوك في الغابة، يجيبوهم تلت المسافة ويقطعوا التلت وحيدهم، وكان حظَّهم ضَرَب عربات الجيش ترفعهم في التلت اللخير..
ثم واصل:
يجيبوهم للتطعيم والقراية في زمن الهدنة... الحيكومة بت الكلب..).
توقَّفت الحافلة عند نقطة تفتيش أخيرة وانطلقت زغرودة قَسَمت قلبي إلى نصفين، وهدهدني صوت الجميلات من باطن الحافلة:
الحوش الكبير شايلنا
قود يا عبده سوق وصلنا

بدرالدين حمزة
مارس 2019

mamoun.elfatib1982@gmail.com

 

آراء