شـهداء وضحايـا سبتمبر: من عدل قضـاء السودان المفقود إلى عدل المحكمة الجنائية الدولية المنشود .. بقلم: مجاهد بابكر زين العابدين، قانوني

 

شـهداء وضحايـا ثورة 23 سبتمبر  2013م

من عدل قضـاء السودان المفقود إلى عدل المحكمة الجنائية الدولية المنشود مجاهد بابكر زين العابدين، قانوني    

تمر في هذا الشهر، الذكرى السنوية الثانيـة لشـهداء ثورة 23 سبتمبر 2013م، والجناة طلقاء، متحصنون بحكم قضاء السـودان،  الّذي لم يقم بدوره المنشود في تحقيق العدالـة الجنائيـة لأسر هؤلاء الشهداء والضحايا، إذ أن تحقيق العدالـة الجنائية هي أهم دور مناط بالقضاء في كل بقاع الأرض، وتحقيق العدالـة نجد أساسـه في كوامن نفس القاضي، وفي تحسسه بالعدالة.           وإنَّ تلك العدالة لا تتحقق إلاَّ إذا توافرت شـروط معينة، بعض منها في القانون ونظام الحكم، وأجهزته، والبعض الآخر في القاضي، الّذي يجب أن يكون ملتزماً، أي أن يكون ملتزماً بتطبيق القوانين المرعية النافـذة، وأن يكون قادراً على الاجتهاد في القضايا الّتي يبت فيها، وقبل هذا وذاك يجب أن يكون مثقفاً أي ملما ًبثقافات المجتمع الّذي يعيش فيه ومواكباً للتطور الحاصل في المجتمع، وقادراً على اقناع أطراف النزاع بالقرار الّذي يصدره.  

       ولكي يحقق القاضي تلك العدالة، ويقول كلمته في النزاع المعروض عليه، فلا بد من توافر البعض الأول من الشروط، الّتي أشرنا إليها، وهي وجود القانون العادل، والقانون العادل لا يُعطي بعده الحقيقي ومعناه إلاَّ من خلال، أولاً سيادته، وسيادة القانون تتمثل بتطبيقه الصحيح من دون تمييز بين المشمولين بأحكامه. وثانياً إستقرار نظام الحكم، وقيامه على أسس سليمة. وثالثاً سلامة أجهزة الدولة، بما فيها القضاء، وسلامة تلك الأجهزة تتحقق باتصافها بالنزاهة والكفاءة والاخلاص.  

       فهل حقق قضاء السودان تلك العدالة الجنائية لأسر شهداء وضحايا ثورة 23سبتمبر 2013م؟ أم ظلّت تلك العدالة مفقودة في قاضيه، كما هي مفقودة في قانونه وسيادته، ونظام حكمه وأجهزته، الّتي ملأت الوطن ظلماً وجوراً.  

       فحكم المحكمة  العليا الاتحادية بشأن محاكمة قاتل المرحومة سارة عبدالباقي، خيرُ مثال لغياب تلك العدالة، وهو حكم يستوقف كثير من القانونيين، فقضاته بنوه على الاعتقاد، والأحكام في الأصل لا تُبنى إلاَّ على الجزم، واليقين، حيث خلصوا فيه بعبارة –  باعتقادهم أنَّ الإجراءات شابتها بعض العيوب والإخفاقات الّتي يعتقد أنها لعبت دوراً كبيراً في طمس الحقائق، وإلى الفشل في تحديد الفاعل الحقيقي الّذي أطلق النار أو العيار الّذي أصــاب المجني عليها وأدى لوفاتها –  إلى قناعــة حملتـهم على إصدار قـرار بإلغاء قرار محكمة الاستئناف، القاضي بإلغاء حكم البراءة الصادر من محكمة الموضوع، وبإعادة محاكمة المتهم، واستبداله بقرار محكمة الموضوع، تأييداً له، مؤكدةً صحة وسلامة قرار براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه تحت المادة 130/2 من القانون الجنائي لســـــنة 1991م، وإطلاق سراحه فوراً، ما لم يكن مطلوباً في إجراءات أخرى.

         فإذا  كانت إجراءات محاكمة الجاني قد شابتها بعض العيوب والإخفاقات، ألم يكن من واجب هولاء القضـاة – من باب الحرص على تحقيق العدالـة الجنائية في محاسبة من أزهق روحاً بريئة – الكشف في أسباب حكمهم على الأقل عن تلك العيوب والإخفاقات في الإجراءات؟ وعلاقة كل من المحكمة والنيابة والشرطة بها؟ وكيفية معالجتها؟ بدلاً من ثناءهم على أنفسهم، وعلى قاضي محكمة الموضوع (قاضي المحكمة العامة)، لشجاعتهم في التصدى لمثل هذه الدعوى، الّتي كان من المفترض أنَّ يصدروا فيها حكمهم بتجردٍ وموضوعيةٍ بعيداً عن الثناء والأنا.  

         وإذا كان في اعتقادتهم الّذي ارتقى إلى القناعة أنَّ هناك جناة آخرون، أفلم يكن  من واجبهم القانوني، التصدي لها في أسباب حكمهم؟ بأنَّ توجه بإتخاذ تلك الإجراءات في مواجهتهم، أو على الأقل تصحيحها، بدلاً عن الثناء والمدح لمحكمة الموضوع، ولدائرتهم، اللتان لم تقويا بالفعل على تصحيحها، وهم الذين كانوا مختصون بالفصل في الدعوى الجنائية، عملاً بالفقرة (1) من المادة (7) من قانون الإجراءات الجنائية لســــــنة 1990م الّتي نصت على أنَّ “تكون للمحاكم الجنائية سلطة الفصل القضائى فى الدعاوى الجنائية”.

         ألم يقصد بكلمة “الدعوى الجنائية” في المادة التفسيرية من قانون الإجراءات الجنائية لســـــــنة 1990م مواجهة أي شخص بإجراءات جنائية بسبب إرتكابه فعلاً قد يشكل جريمة؟ ألم يكن “التحري” من بين تلك الإجراءات؟ وخاصة أن ذات المادة المشار إليها، عرفت كلمة “التحري” بأنه يشمل جميع الإجراءات الّتي تتخذ للكشف عن الوقائع المتعلقة بالدعوى الجنائية قبل المحاكمة؟ ألم يكن من باب المحافظة على الأمن والنظام العام، أو من باب الفصل في شكوى رفعت إليهم من وليَّ المضرور، عملاً بالمادة (34) من قانون الإجراءات الجنائية لســـــنة 1990م، أو على الأقل لتحليّهم بالشجاعة، أن يصدروا أمراً أو أن يوجهوا محكمة الموضوع بتصحيح الإجراءات بفتح الدعوى الجنائيـة في مواجهة من يروا أنهم الجناة الحقيقيين لو كان رئيس الجمهورية، أو على وزيـر الداخليـة أو على قائد عام الشـرطة، أو على مدير شـرطة شـرق النيل، أو على الأقل على مدير شـرطة الدورشـاب، وخاصة أن الثابت في وقائع حكمه أنَّ قائد شرطة موقع الجريمة قد سلح كافة المتواجدين في قسم شـــرطته بما فيهم من قدم نفسه للمشاركة، ومن لم ينتسب لوحدته أو لقسم شرطه، الّذي كان المتهمُ واحداً منهم.

           ونتيجة لهذا الحكم، ولقرار مجلـس حقوق الإنـسان التابـع للأمم المتحدة الصـــــادر في العام 2014م، الّذي طالب الحكومة السودانية بإجراء تحقيق شامل حول أحداث القتل التي وقعت خلال تظاهرات سبتمبر 2013م، ولإقرار الرئيس البشير في 10 أغسطس 2015م لوزير العدل بتعويض أسر هؤلاء الشهداء والضحايا، أصـبح قضــاء السودان غير راغب في الإضطلاع بالتحقيـق أو المقاضــاة أو على الأقـل غير قـادر على ملاحقة الجنـاة الحقيقيين، وتحقيـق العدالة لأسـر هؤلاء الشـهداء والضحايا، وأضحت محكمة الجنايات الدولية باختصاصها التكميلي الملاذ الأخير لهم، لتحقيق العدل المنشود، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية.  

         فالجريمة ضد الإنسانية تعني بالتحديد أي فعل من الأفعال المحظورة والمحددة في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العمد، والإبادة، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل القسرى للسكان، وجريمة التفرقة العنصرية وغيرها.  

        كما تشمل تلك الجرائم التي يرتكبها أفرادٌ من دولةٍ ما ضد أفراد آخرين من دولتهم، وبشكل منهجي وضمن خُطَّةٍ للاضطهاد والتمييز في المعاملة، بقصد الإضرار المتعمَّد ضدهم، وذلك بمشاركةٍ مع آخرين لاقتراف هذه الجرائم ضد مدنيِّين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العِرْقي أو الوطني أو الاجتماعي أو لأية أسبابٍ أخرى من الاختلاف. وغالبًا ما تُرتكب هذه الأفعال ضمن تعليماتٍ يصدرها القائمون على مُجْرَيَات السلطة في الدولة، ولكن ينفذُها الأفراد. وفي كل الحالات، يكون الجميع مذنبين، من مُصَدِّرِي التعليمات إلى المُحَرِّضين، إلى المقْتَرِفين بشكلٍ مباشر، إلى الساكتين عنها على الرغم من علمهم بخطورتها، وبأنها تمارَس بشكلٍ منهجيٍّ ضد أفراد من جماعة أخرى.  

       وتطورت الملاحقة الدوليـة للجريمة ضد الإنسانية، حسبما جاء في نظام روما، بحيث أنه يصبح الفرد مذنباً بجريمة ضد الإنسانية حتى لو اقترف اعتداءً واحداً أو اعتداءين يُعتبران من الجرائم التي تنطبق عليها مواصفات الجرائم ضد الإنسانية، كما وردت في نظام روما، أو أنه كان ذا علاقة بمثل هذه الاعتداءات ضد قلّة من المدنيين، على أساس أنّ هذه الاعتداءات جرت كجزء من نمطٍ متواصلٍ قائمٍ على سوء النيَّة يقترفه أشخاصٌ لهم علاقة بالمذنب.  

      ولذلك، فعلى أسر شهداء وضحايا ثورة 23 سبتمبر 2013م ملاحقة هؤلاء الجناة عبر محكمة الجنايات الدولية.  

m.zain@katara.net

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً