استدعتني لجنة الشكاوى في المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصّحافية، برئاسة الأخ فضل الله أحمد عبد الله، وعضوية عدد من الإخوة الصّحافيين والقانونيين وغيرهم أمس (الأحد)، وذلك لاستجوابي حول الدعوة التي رفعها ضد صحيفة “التغيير” الأخ محمد الشيخ مدني رئيس المجلس التشريعي في ولاية الخرطوم، بشأن مقال كتبه الأخ الدكتور حافظ حميدة في الصحيفة. ولمّا كانت قوانين السودان تُحمِّل رئيس التحرير تبعات قضايا القذف وإشانة السمعة، أكثر من الكاتب أو المُحرر نفسه. فنازعتني نفسي بين الذهاب إلى هذه اللجنة أو تلبية دعوة أخرى وُجهت إليّ من قبل الإخوة في وزارة العدل، بخصوص مؤتمر صحافي للأخ عصام الدين عبد القادر وكيل وزارة العدل، في ما يتعلق بما نُشر عنه في صحيفة “الصّيحة” يوم الخميس الماضي، فآثرتُ الذهاب إلى الأولى، باعتبار أن هذه أول مرة أُستدعى من قِبل لجنة الشكاوى بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية. وقدمت اللجنة عبر المستشار القانوني للمجلس جُملةً دعاوى الشاكي، فرددتُ عليها، وفندتُها تفنيداً.
وأحسبُ أنني تحدثتُ في ردي على الدّعاوى، عن أن شخصية رئيس المجلس التشريعي بولاية الخرطوم، شخصية عامة، لذلك تقع في دائرة اهتمام الرأي العام، مَدْحَاً وقَدْحَاً، وأنّ المقال المشكو، تطرق إلى قضية عامة تتعلق بصحة المواطنين، وتداعياتها على أسرهم واقتصاد بلادهم، طِبَابةً وعلاجاً، فمن هنا رأيتُ باعتباري رئيساً للتحرير، أن المصلحة العامة تستدعي نشر هذا المقال التّحذيري فأجزته، خاصةً وأنّه يتحدث عن تدخل رئيس المجلس التّشريعي بالخرطوم في تشكيل لجنة للنظر في طلب من شركة “حجار” لصناعة التبغ، مطالبةً فيه منحها فترة سماح لمدة عام في ما يتعلق بالشّريط التّحذيري في صناديق السّجائر، وثلاثة أعوام في معالجة مكونات صناعة السّجائر والتبغ، في إطار مهلةٍ لمدةٍ تزيد عن أربعة أعوام لتوفيق أوضاعها، لا سيما بعد أن فشلوا في إقناع وزارة الصّحة الولائية بهذا الخصوص، وهي صاحبة الشأن بعد أن أصدر المجلس التشريعي بولاية الخرطوم قانوناً خاصاً للتبغ في العام الماضي، أتبعه بإجازة اللائحة التنفيذية للقانون، وأوكل أمر إنفاذ القانون واللائحة إلى وزارة الصحة الولائية. فرأينا في صحيفة “التغيير” من خلال هذا المقال أن هناك شبهة تغول من السلطة التشريعية على السطة التنفيذية، مما يُحدث إخلالاً دستورياً. أمّا دعوى الشاكي بأنّ التساؤلات الواردة في المقال أسئلة تجريمية، رددنا عليه بأنّها من الأسئلة الاستيضاحية.
وفي رأيي الخاص، أنّ دعوى الشاكي في أن المقال استبق قرار اللجنة التي شكلها، نسي أو تناسى أن الصّحافة هي التي تُشكل الرأي استباقاً، حتى لا تكون ناقلاً للأخبار فقط، ونحمل ذات رأي الكاتب في أن معركة التبغ لا بد أن تُحسم لصالح المواطن، وأن تلتزم شركات التبغ بوضع المحاذير، حفاظاً على صحة المواطن، ولا نقف في هذا المرفأ وحدنا، بل الأطباء والرأي العام العالمي الذي سبقنا يقف معنا، علماً بأن من تداعياته وآثاره الضارة، الأمراض السرطانية وأمراض الشرايين هذا السم الزعاف.
أخلصُ إلى أنّ الأخ محمد الشيخ مدني قد تقدم بشكوى ضد عدد من الصّحف إلى لجنة الشكاوى بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، وقبل اكتمال إجراءات هذه اللجنة مع المشكويين، رفع دعاوى ضد الصّحف نفسها في نيابة الصّحافة. وأحسبُ أنّ هذا يتنافى مع أبسط روح العدالة. ومن الضّروري – أيضاً – أن ينظر المجلس القومي للصحافة والمطبوعات في هذا الأمر، مستفيداً من إجراءات يتبعها المجلس الطبي السوداني الذي يسقط أي دعوى ضد الأطباء إذا ما اختار الشاكي الذهاب إلى النيابة، ويدع الأمر نهائياً للنيابة، باعتبار أنه اختار إحدى الجهتين العدليتين. ونحن لا يساورنا أدنى شكٍّ في أن الأخ محمد الشيخ مدني الملقب بأبي القوانين، يعلم تمام العلم أنه لا يمكن أن يمثل المتهم أمام محكمتين مختلفتين في تهمةٍ واحدةٍ. وعلمتُ أنّه في فترة سابقة كان الشاكي يُخير بين الذهاب إلى النيابة أو المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، فصدرت فتوى من وزير العدل الأـسبق، رأت إمكانية الشكوى لدى المجلس والنيابة في آنٍ. أما آن النظر بدقة وجدية في توحيد فكرة الجهات التي من الجائز أن يلجأ إليها الشاكي، بحيث يتحقق ما يستهدفه من الشّكوى دون حاجة لازمة، ومبرر مقنع لتعذيب المشكو أو المُدعى عليه.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”.
وقول الشّاعر العربي زهير بن أبي سُلمى في معلقته الشهيرة:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم