كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
في بداية هذا العام، وأنا أخطو داخل مقابر “عين شمس” الواسعة في القاهرة لتشييع جثمان قريبة سودانية غيبها الموت، لفت انتباهي مشهدٌ تبدى للعين خلف جدار المقبرة، ممتداً خلف تفاصيل الجنازة التي تعتصر القلب. في بقعة جغرافية محصورة ومتراصة، ظهر امتدادٌ حديث لشواهد قبور ناصعة، تحمل أسماءً ودلالات سودانية واضحة لا تخطئها عين المشاهد. كانت الأرقام المنقوشة على تلك الشواهد تفصح بيقين حزين، إذ سُجلت معظم هذه الوفيات في عام 2025، ليتحول هذا المربع الصامت إلى سجل وثائقي حي، يكتب بمداد محفور على الصخر تاريخ المأساة الإنسانية والنزوح الذي يعيشه السودانيون.
يعيد هذا المشهد المهيب صياغة المفارقة التاريخية لطبيعة الوجود السوداني في مصر. طوال عقود، كان السودانيون يطرقون أبواب الجارة الشمالية زائرين أو سائحين، أو التماساً للاستشفاء في رحلات قصيرة. أما اليوم، فقد فرضت الحرب واقعاً مغايراً.. واقعاً فرضه النزوح القسري، والإقامة المتطاولة في فضاء ممتد من عدم اليقين، مع ترقب مرير لتاريخ عودة يبدو أنه كلما اقترب ذراعاً أوغل في البُعد باعاً.
وتكشف نظرة فاحصة على طبيعة تلك المقابر الحديثة وحجمها عن حقيقة ديموغرافية مؤلمة، إذ تعود غالبية هذه الوفيات إلى فئة كبار السن. هؤلاء هم الآباء والأمهات والأعمام والعمات. الخيلان والخالات الذين فروا من جحيم الحرب حاملين معهم وهن الجسد وثقل الذكريات، ولم تحتمل قلوبهم المكدودة بثقل السنين طويلاً ضغوط الغربة القاسية وظلال اللجوء الثقيلة.
لقد عاش هذا الجيل حياة حافلة بالكد والعمل، وبنى كل منهم منزلاً في ربوع الوطن ليكون ثمرة العمر والمرفأ الأخير في حلم بقضاء شيخوخته. غير أن الحرب اقتلعته من تلك الجذور، وألقت به في شتات يفتقر إلى اليقين، فامتزج ألم الوطن بعجز الجسد عن التكيف مع قسوة الاقتلاع، لتختار تلك القلوب المتعبة الرحيل صمتاً في بلاد الغربة.
وفي وسط هذا الحزن، يبرز قاسم مشترك يعكس وعياً جماعياً عميقاً بين أسر المتوفين، وهو الحرص الشديد على وضع شاهد قبر واضح يبين اسم المتوفى وتاريخ وفاته بدقة. يحمل هذا الإصرار بعداً رمزياً فائق الأهمية في تأريخ لحظة الفقد وتحديد جغرافية الموت، فالشاهد هنا إعلان هوية، ووثيقة صامتة تحفظ مرقد الراحل وتمنحه اسماً وسط الزحام، عسى أن تأتي أيام الاستقرار يوماً، فيستدل الأبناء والأحفاد على هذه القبور، أو ربما ينقلون الرفاة إلى ثرى الوطن الذي حلموا بالإضطجاع الأبدي على اليمين في ثراه.
وتتجسد، بنظرة عامة على امتداد تلك القبور، لوحة قاتمة تغم الروح وتثقل الضمير، لوحة تكشف أن النجاة من الرصاص في أتون الحرب بالجسد وحده ربما كانت وهماً تتغذى عليه غريزة البقاء في لحظة الفرار. ففي أغوار النفس صدوع ما تزال تعتمل حتى تغدو أخاديد عميقة تكسر الذات وتفقدها توازنها، وعوامل صمودها، لتفتك بالألجساد الهشة وتهوي بها في قيعان الموت والردى.
ولعل أكثر ما يضاعف قسوة هذا المشهد ويكسوه بالشجن الممض أن كثيراً من هؤلاء النازحين سيعودون يوماً إلى الوطن، أو يحاولون العودة إليه، وقد ترك كلٌّ منهم خلفه عزيزاً يرقد في هذه المقابر البعيدة، قريباً تجمعه به وشيجة الدم، أو صديقاً صنعت المحنة بينهما الفة خاصة، أو حتى معرفة عابرة تحولت في الغربة إلى رابطة إنسانية حميمة.
وهنالك، عند لحظة الرحيل الأخيرة من المقبرة، يبدأ سؤالٌ أثقل من الفقد نفسه… كيف تستقيم الحياة بعد ذلك؟ كيف تعود المجالس إلى ضجيجها القديم، وتستأنف البيوت طقوس الأنس، وتجلجل في ارجاء المكان الضحكات، فيما يبقى الأحبة في جوف تلك القبور البعيدة؟
ُُترى، هل يلوذ الناس بالنسيان كي يواصلوا حياتهم بالسلوان؟ أم يبحثون عن عزاء خافت في ميلاد جديد.. طفل او طفلة يحمل أو تحمل الاسم والسيرة، فيمنح الحزن معنى آخر للحياة واستمرارها؟ أم أن الإنسان، في نهاية الأمر، لا يملك سوى التواطؤ الصامت مع الزمن، تاركاً للأيام مهمة ترميم ما لا يمكن ترميمه؟
تلك الألواح الرخامية الناصعة، المنصوبة فوق رؤوس القبور، ترفض أن تبقى مجرد علامات للرقاد، إذ تتحول، رغم صمتها، إلى سجل حي يكتب ما عجزت عنه التقارير والإحصاءات. وحكاوي الرواة …. وعندما تدق لحظة الحساب و المراجعة، ستبقى هذه الألواح الرخامية المتراصة في ركن من أركان القاهرة شاهداً على حربٍ حرمت أناساً بسطاء حتى حق الشيخوخة الهانئة في بيوتهم.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
