شيء من الشفافية القاتلة ضد فيل الفساد .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

هذه نظرتي ومتابعاتي وتجاربي الشخصية  مع أسباب الفساد في السودان

(من ناحية تجارية).

عندما بدأت الثورة في أواخر الثمانينات كانت فعلا اسلامية التوجه وكان القائمون على أمرها لا يشك احد في نزاهتم والله وحده اعلم بسرائرهم.

ما قبل الثورة في 89:

الديمقراطية الناعمة soft democracy

شاهدنا بأم اعيننا ايام الديمقراطية (الناعمة) فعلا ان الجيش يمشي حافيا ذليلا يتشرد يين الادغال لعدم رفده بالسلاح والمال ومكينة الحرب اللازمة لمقاومة ودحر الحركة الشعبية والطابور الخامس المتواجد حتى على الصفوف الثانية في اغلب احزاب الحكومة والديمقراطية نفسها (ودليلي على ذلك الطابور الخامس حتى داخل الحكومة هو الانحياز السريع لوزير الدفاع حينها من وزير دفاع عدو لخائن في صفوف الاعداء في الجانب الاخر، ولحقته سريعا  قيادات من حزب الامة  وقيادات من الاتحادي الديمقراطي حاملة على ظهرها مولانا الكبير للتوقيع خيانة للوطن مع الحركة الشعبية.

قبيل الثورة ،  وقفنا كثيرا في صف الخبز والبنزين وشهدنا انعدام الدواء وانهيار الأمن  وانحطاط الاقتصاد ، وشعرنا بامكانية اجتياح السودان (الشمالي )، بأيادي جنوبية تساعدها تلك الطوابير الطويلة من الخائنين من الطائفية وبنو علمان جميعا ، وشيخهم الكبير مستشارا ومخططا لجون قرنق ،  لذا جاءت الثورة بشعار  (الانقاذ)  ، هذا الشعار الذي كان الناس ينتظرونه ويحتاجونه ويشتهونه فعلا وجاء في وقته فعلا ، اذ أن المخطط كان على السودان عظيما فعلا ،  فصدقناها وايدناها  وكنا الخيار واحدا ، إذ لابد ان نصدق ونؤيد أو الطوفان.

انعدام الدولة حينها  والغاء الدستور ،وانزال دستور جديد وحيد الخلية في التوجه ، وخواء الخزينة وانعدام بوصلة الاقتصاد ، وانعدام المرجعية الوطنية والسياسية ، وقلة الخبرة للاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية والجغرافية ،و انحطاط المؤسسات والمؤسسية ، كل ذلك ادى لحكم احادي ادى في النهاية لدكتاتورية (ايجابية عند البعض ، دكتاتورية بحتة عند الاخر ) ، ففي بعض اشكالها انقذت البلاد في مواطن كثيرة ولكنها في النهاية دكتاتورية عند الاخر ، ادت لاحادية الادارة للدولة وتحييد حتى بعض صانعيها من كراسي الحكم ، وابعاد الطوابير الخامسة بالطبع ، وادت لاحتلال داخلي عضوض على موارد الدولة وادارتها واقتصادها ، وبالتالي تأمين كل ذلك لمصلحتها،  ضمن تأمين البلاد العام الاجباري والذي يصب ايضا  لابقاء هذه الحالة من الفردية .

حال الاقتصاد بعيد الثورة :

الخزينة الخاوية :

سمعنا بعض الاسلاميين  بعيد قيام الثورة يقولون اننا وجدنا خزينة الدولة فارغة وبها فقط 200 الف دولار ، وكان هذا مبررا لخلق مشاريع استثمارية عاجلة تنقذ الموقف .

.اقتصاد التمكين:

جاء دور البنوك الاسلامية والنظام الاقتصادي الإسلامي والتامين الاسلامي ورفعت الشعارات الاسلامية في الشارع وفي الادارة وفي الجيش وفي الامن وفي العلاقات الخارجية وفي الحرب وفي السلم وفي التعبية المعنوية ، ولكنها لم تتنزل فعلا صادقا على ارض الواقع وحياة الناس وعلاقاتهم الداخلية والخارجية ولم تنفعنا الان ، ولم تنزل علينا عدلا ولم تأمننا من خوف او جوع  والحال كما نرى.

والاسباب المرئية التي أدت لتلك الحال كالاتي :-

الفساد :

الاستثمار الخاص والعام والفاسد والمفسود بينهما :-

بخلو الخزينة قبيل الثورة وبانهيار الدولة الكامل قبيل الثورة ، فكر قادة الثورة في احياء بيوتات رجال الاعمال التقليدية في السبيعنات والستينات قبيل مايو وما قبلها والتي جردتها مايو وبعدها فترة الديمقراطية وافرغت خزائنها تماما وشردتها حتى لا نسمع لهم حسا ولا نرى لهم حراك، فنفضت الثورة عنهم الغبار باسناد المشاريع الاستثمارية الكبرى لها (الحكومية العامة)، فانقض على تلك المشاريع رجال الاعمال العطاشى وسرعان ما حدث الخطل والخطأ التالي:-

تحويل أغلب المشاريع العامة الى مشاريع مشتركة (قطاع عام وخاص)، تكون ادارته وتقنينه وضبطه و التفويض له وتصديقه ومراقبته العامة من الدولة ،وتنفيذه الفعلي وجلب التمويل له من القطاع الخاص ،  والقروض الدولية ، والدخل شراكة بين العام والخاص ، لذا شهدنا في زمان قليل ، قيام مشاريع البترول الضخمة والمشاريع الزراعية والمائية والبنية التحتية ، من العدم ، وشهدنا انهيار بعضها السريع او عدم جدواه ،لأن المشاريع كانت خبط عشواء بلا رقيب فعلي مدرب وبلا وجيع في تنفيذه من القطاع الخاص لضعف المحاسبة بل عدم الخشية منها اذ أن حاميها ، شريكها.

– المشاريع الحكومية الاخرى والقروض الخارجية ، كانت ايضا عشة للفساد والافساد لاسباب غياب المؤسسية ، اذ انها تسلم كاملة لفرد ، وزير مثلا ،يفعل فيها ما يشاء وكيف يشاء ، اعتبارا من تخطيطها وتمويلها الخارجي وتنفيذها والحكم على جودتها ومطابقتها للمواصفات الى تسليمها في يوم افتتاحها ، صنما واقفا ومسنودا على منسأة سليمان ، وهي منخورة بدابة الارض من الفساد والمفسدين من الصفوف الثانية ومن الطوابير الخامسة ومن المتحوكمين ومن المتسلطين ، طالما ان الوزير سلمها وزغردت لها مهيرة ورقص على انغامها الراقصون ، وبعدها تترك لتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور ، لا رغيب حكومي ولا شعبي ولا راسمالي دام ان الرغيب الحكومي في دوامة توليد المشاريع على نفس هذه الشاكلة وما دام الرغيب الراسمالي يستلم قيمة عقده وما دام الرغيب الشعبي مطبق الصمت اما معارض مبتعد او امعة تابع يغض الطرف واما محيد او محايد .

– اغتني القطاع الخاص سريعا واغني على ظهره المطفف ، والمُفسَد ، المتعفف سابقا ايام كنا نلبس الخشن من الثياب مما نصنع وناكل القديد والصبر مما نزرع ،  وكانت هذه بوابات الفساد والمفسدة.

لوبيز لوبيز :-
 ظهرت لوبيات الفساد بين الخاص وبعض المتنفذين في الدولة ، ثم تأسد المتتفذون فظهر الفساد في البر والبحر وفي الداخل والخارج واغتنى المتنفذون وظهرت العمارات وقلعت عن الوجوه الخمارات ، وظهرت البدلات بدل السفاريات .

معالجات موضعية للاستثمار:-

ظهرت بعض المحاولات لضبط واصلاح الاستثمار  وجيء بالوزير الحصيف بعد ان سبق السيف العزل ووجد الاستثمار قد استولت عليه زمرة القطاع الخاص ووزرعت مكوناته للوبياتها الداخلية مع لوبيات الدولة، التجارة في قطاع لوبي مشترك والزراعة في قطاع لوبي مشترك وكذلك الصناعة والمنشآت والطرق فظهرت مواعين احتكار الاستثمار ، لا يستطيع وزير نظيف او موظف حكومي عفيف او مستثمر داخلي او خارجي ان يخترق اي من هذه المواعين لينفذ الى ايجاد مشروع نظيف لم توضع عليه ملكية تلك اللوبيات ، وقد جربنا نحن من الخارج (كل المستثمرين السودانيين بالخارج ) محاولات عشرات المرات لايجاد طريقة استثمار في السودان ولكن آمالنا واحلامنا تحطمت على صخرة اللوبيات المشتركة الخاصة من القطاع الخاص بقيادة (رجال ونساء الاعمال )، مع العامة من (متنفذي)، الدولة والذين يدفعون خراج وجزية وبرتيتة قيمة التواقيع والتصاديق لاصحاب الياقات البيضاء من المستوزرين الذين (اظن) انهم لابد وان يدفعوا ايضا جزية ماء وجوههم لمن فوقهم للحفاظ على ياقاتهم بيضاء وكروشهم مهترئة بالحرام.

هذا ما كنا نعرفه قبل سنين بسيطة بعدها قنعنا من السودان تجاريا واستثماريا ولم نقنع عنه وطنا وحبا يسقي مفاصل الرو وما حدث لنا كمستثمرين سودانيين بالخارج  حاولوا الاستثمار في السودان ، والمساهمة في حل مشاكل الوطن ، حصل للمستثمرين من الخارج الاجانب مثله وامر منه مليار مرة اعتبارا من اسامة بن لادن وجمعة الجمعة وصالح كامل والامير طلال وهايل سعيد ومئات من المستثمرين (الاسلاميين امثالهم)، ممن قابلنا وسمعنا شكواهم المريرة واكل اموالهم ومحاولاتهم النبيلة التي تتحطم بين سندان لوبي رجال الاعمال ، واللوبي الرسمي المتنفذ الذي يصدر التصاديق بالكومشن ويرمي المستثمر لأنياب رجال الاعمال أو يبيعه إسثتمارا وهما كماء بقيعة ، اذ فشل فهو سراب واذا نجح تكالب عليه بعض المتنفذين ايضا بالجزية والضريبة حتى يهرب ، وغالبا ما يكون من فوق هذا المتنفذ لا يدري أو يريد الا يدري .

ولكنا لا ندري الان ، وقد سمعنا بعض الاصوات الشعبية هنا وهناك تنادي بالاصلاح ومحاربة الفساد ، ورفع عقائر الطاهرين من اعضاء الحكومة بالحق والإشارة للفساد الذي عم الامكنة والازمنة وما نسمع من راس الدولة من قيام جهة تضبط هذا الفساد لا ندري هل سيتم ضبط الفساد فعلا ام لا ،ولكي يضبط الفساد لا بد من وضع متطلباته الاولية موضع التنفيذ وهي :-

–  ايجاد جسم رقابي شعبي محايد واع امين لا يخاف في الحق لومة لائم ولا يتبع للدولة  ولا يكن ضدها ايضا ليعوق مسيرتها ولا يخضع لمن يخدع للدولة كالنيابة العامة ، وانا ادعو الدولة للاستفادة من تجربة جنوب افريقيا في هذا الجسم ، النائب العام ، المحايد public prosecutor  تكون له صلاحياته الدستورية المناسبة التي تميل لمصلحة الدولة والوطن وليس للحكومة ، ولمصلحة الشعب والحكومية ، ووسيط بينهما محافظ على حق الشعب ومصالح الوطن.

– انشاء هياكل المؤسسية الدستورية الافقية والراسية (الهرمية) في ادارة الدولة والخدمة العامة ، وخلق اجواء عم مترابط ومتكامل بين مفاصل الدولة Enterlinked and integrated teamworking methodd  ، في ادائه ودوره وتأديته ومحاسبته ، إذ أننا  الان نفتقد  هذه المؤسسية ، انما يدار دولاب الدولة باوامر عليا من راس الدولة والمتنفذين ، بعده ، حيث ان رئاسة الدولة كهيئة ، دولة لوحدها ، والوزير دولة لوحده،  والغفير دولة لوحده ، والمنظمات الفئوية دول داخل دولة والاحزاب دول منفصلة والايدولوجيا وتطبيقاتها دول داخل دولة ، وكل زول شايت براه .

– اعمال الشفافية ، قولا وقبولا وتنفيذا، وهي تتطلب حرية في التعبير وصدقا مع النفس من الطرفين وتوفيرا وتطبقيا ان لم يك لحقوق الله فللحقوق المدنية والانسانية.-

– فكفكت اللوبيات الاقتصادية والحمائية مهما كان الثمن.

–  ايجاد جسم رقابي للاستثمار تكون مرجعيته النائب العام (الشعبي)، انا مُصّر على كلمة شعبي هذه ، لأن النائب العام في كل العالم (يقدم خدمة ) القضاء ويوفره ويوجهه لخدمة الشعب والوطن ثم الحكومة وليس الحكومة فقط ، والبوليس والامن خدمة للوطن والشعب ، ونعم ، حفاظا على الدولة وهيبتها ، والحكومة متى ما كانت لها هيبة فان سقطت هذه الهيبة وقل اداها وصارت كالدجاجة تأكل جناها ، من المفترض ان تتجه خدمة النائب العانة الامن والبوليس والجيش لصالح شعوب الدول وليس كسرا لها.

الايدولوجيا والتوجه :-

العداء الداخلي والخارجي :-
بعد ان ظهر الوجه الحقيقي للثورة حدثت مباشرة مفاصلات و شقاق  وعداء داخلي واضح وسريع   بينها وبين الاحزاب الاخرى بما فيها حزب مؤسس واساس ،  ثم أنها عندما تكشفت اسرارها وسرائرها ، ووجهها الحقيقي ، تم عليها اطباق العداء من الخارج والمقاطعات الاقتصادية والشقاق السياسي والتدخل الخارجي الذي ادي حين ضعفت الدولة ، الى تحقيق الخطة (أ) وتنفيذها باقتطاع الجنوب وسلب اهم مورد لها هو البترول ، ثم بدأت الخطة (ب) بعد اسبوع واحد من تحقيق الخطة (أ)، في قطع  جنوب كردفان والنيل الازرق وبعدها دارفور ، في الخطة (ج)، ولكن قراءتنا الأشياء تقول ان الخطة (ج) ربما تسبق (ب) قريبا لا قدر الله.

الايدولوجيات في السودان هي الموجه الحقيقي للدولة ، وهي الحرب بين  المتأدلجين يمينا ويسارا  على حساب الشعب والدولة ، والحرب بينهما سجال في حال ادارة الدولة او تفتييت بعضهما البعض وكل ذلك ليس في مصلحة الجميع ، وليس في مصلحة الوطن ولابد من ايجاد حل وسط ، يتعايش فيه المتأدلجون تعايش مصلحة كتعايش القط والفأر في حال مصغبة الاول وشبع الثاني ، ولمصلحة الوطن .

الديمقراطية في الميزان  :

لا ينفع ان تحكمنا ديمقراطية ، ولا جيش ، ولا طائفية والحل في الاسلامية النزيهة، والاسلامية الحالية مسروقة ببعض المتنفذين ومعهم الفاسدين ومخترقة بالطوابير الخامسة ومنهارة بالفساد والحروب الداخلية والخارجية ،،وستصل لطريق مسدود مهما عملت من حلول موضعية ، للاسباب التي ذكرناها انفا وما خفي الله وحده ثم اولى الامر ادري به ، والمؤمنين بالديمقراطية الذين يتخذونها  ايضا دينا وديدنا ، لهم اثر كبير في تفتيت البلاد، والديمقراطية السليمة الحقة ليست لمثل هذه الثورة ولا توجهها حيث انها لم ترض لامثالها في الجزائر وفي تونس وفي مصر .

كيف تعذر الحكومة نفسها في هذا:-

كل المعوقات القاتلة والاوجاع المذكورة اعلاه تعذر الحكومة فيها نفسها للاسباب التالية :

– انقاذ البلاد من الحال قبيل الثورة.
–  تامين الدولة من الداخل وهجمة الخارج.

– حماية التوجه.
–  النهوض بالبلاد تنمويا وبين هذا وذاك حصل هذا الفساد العظيم الذي غزته الدولة نفسها من حيث تدري ولا تدري ومن حيث تريد او لا تريد احيانا بعين الرضا عن العيوب كليلة واحيانا بعين السخط والخوف من الاخر التي تولد التمكين والكنكشة وتتغاضى عن الفساد في سبيل ايجاد حل مناسب او مزيدا من العمر.

وستتواصل عوامل التعرية والتفتييت والتمزيق مما ذكرنا وما لا يتسع المكان والزمان لذكره ، بيد ان الفوارق الايدولوجية كبيرة وعظيمة بعظمة ابتلاء السودان.

فيل الفساد السوداني نشعر بوطء قدميه على رؤسنا وبطوننا وهدم بلادنا … ونحسه ولكنا لا نراه … فقط نرى ظله … وان طعنا في ذلك الظل فالويل لنا ان لم نأت بقميص يوسف وعليه دمه.

ابك يا وطني الحبيب !

٢٠١٥/٦/٥

rafeibashir@gmail.com
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً