بحصافة
i.imam@hotmail.co.uk
لم تعد بعض الصحف السودانية، تولي أمر الالتزام بالمصداقية المهنية، اهتماماً ملحوظاً وعنايةً خاصةً من خلال تغطيتها لبعض الأحداث والقضايا. وقد ظهر ذلك جليا في أكثر من واقعة إلى درجة أن ينتظر البعض يومين أو ثلاثة أيام، ليتأكد صدقية الخبر، وحقيقة المعلومة، إذا لم يتم نفيها من الجهات المعنية، ومن ثم بعد ذلك يتعاملون معها تعليقاً وتحليلاً ورأياً. وراعني أن قرأت لأكثر من كاتب أنه يستهل مقاله بأنه انتظر يومين أو ثلاثة أيام مترقباً لنفي خبر نُشر في الصحف، وهذا لعمرك اتجاه خطير في الصحافة السودانية، إذ يعني أن أخبارها قابلة للنفي، وكأنها مستقاة من مجالس المؤانسة، وما أكثرها هذه الأيام في بلادنا، والتي تكون أحاديث مرسلة أقرب إلى الشائعات، إن لم تكن هي الشائعات بعينها، حيث لا تدقيق ولا مراجعة ولا موازنة.
وأحسب أنه من الضروري بسط القول حول مسلمات ومباديء في الفكر الصحافي، من باب التذكير وليس التجهيل، وتصديقاً لقول الله تعالى: “وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”، أن الخبر مقدس بينما الرأي حر، بمعنى ضرورة الالتزام بروح الخبر وجوهره، في حين يمكن التوسع والتبسط في الرأي والإسهاب فيه. فمن هنا كان من الضروري أن تفرق الصحف بين الاثنين، وتميز بينهما، وتعمل على الفصل تماماً بين قدسية الخبر، والقدسية هنا مجازاً لتعظيم الأمر وخطورته، وحرية الرأي، والحرية هنا واقعاً وحقاً، في تناولها للأحداث والقضايا، وتحري الدقة في كتابتها، منشأةً من الصحيفة أو منسوبةً لمصادر. إذ أن الخبر موضوعي، والرأي ذاتي، شريطة أن يكون ذلك خارج الأعمدة الإخبارية التي من المفترض أن يكون عليها التزام الدقة والصحة في إيراد المعلومة في ثنايا الرأي. ولما كانت مهمة هذا الفصل بين الخبر والرأي ليست بمهمة يسيرة، كان لزاماً على قيادات الصحف مراجعة ضوابط التزام المهنية، والتقيد بمعايير كسب الصدقية، وذلك ببذل كثير عناء في التدقيق والمراجعة للتأكد من الكتمال عناصر الخبر وموازنة الموضوع من كافة جوانبه. والمراجعة المطلوبة من هذه القيادات الصحافية ليس المقصود منها تفادي مقص الرقيب القبلي، ولا خشية الوقوع في مواطن القذف والتشهير، ومن ثم مواجهة القضاء وغيره.
وأجمع خبراء الصحافة والإعلام في الغرب أن الصحافة الخبرية أكثر مشقةً وأعظم عنتاً من صحافة الرأي لكثرة متطلباتها وشدائد معاييرها، لأنها تحتاج إلى التدقيق والموازنة في تناول الأحداث والقضايا، وتكون ملمة بمحاذير الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن القومي والأمن الصحي، إذ أن أكثر مجالين ينبغي أن يتم تناولهما بحذر في وسائل الإعلام المختلفة هما القضايا والموضوعات المتعلقة بالأمن القومي لأن في ذلك خطر على الأمة، خاصةً عند اندلاع الحروب، وخير شاهد على ذلك ماحدث في العقود القليلة الماضية، للصحف البريطانية أثناء حرب الفوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين في ثمانينات القرن الماضي، إذ مُنعت الصحف من تغطية أخبار تلكم الحرب لأن مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء آنذاك استصدرت قراراً بالمنع من مجلس العموم البريطاني بحجية الحفاظ على الأمن القومي. وكذلك فعلل جورج بوش أثناء حرب العراق وأفغانستان بإصدار موافقة منع الصحف الأميركية من تغطية أخبار تلك الحرب من الكونغرس الأميركي بحجية الحفاظ على الأمن القومي.وكذلك ضرورة تناول الأخبار الطبية بقدر من الحذر، لما تمثله من أهمية على صحة المواطنين، وخشية إثارة الذعر والرعب بينهم، وما يشكله ذلك من تداعيات على أمن الوطن. وأحسب أن هذه المهمة لا تتم إلا بالتواصل مع عناصر الخبر كافة، بينما صحافة الرأي مثل صحيفة “الهارلدتربيون” التي تعتمد على المعلومة الصحيفة من مصادرها الأصلية، ومن ثم تناولها تعليقاً وتخليلاً ورأياً، مع ضرورة التزام المصداقية والتقيد بالمهنية في كليهما.
ولا ينكر أحد أن الصحافة الغربية في كثير من الأحايين تلتزم بالمعايير الموضوعية للمهنية الصحافية التزاماً كاملاً، إلا في بعض الحالات، لا سيما تلكم المتعلقة بإسرائيل واليهود، إذ أن الأخبار والآراء لم تكن منفصلة انفصالاً تاماً، بل يحدث في بعض الأحيان تداخل بينهما، نتيجة التحيز لقضايا معينة سواء في الأخبار أو الأعمدة الإخبارية. وحفلت الكثير من الصحف الأوروبية والأميركية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر بالدعاية النشطة والتغطية الخبرية المتحيزة إلى درجة أن عدداً من المؤرخين الغربيين وصفوا هذه الفترة بأنها العصر المظلم للصحافة الاميركية.
أخلص إلى أن مصداقية بعض الصحف السودانية اهتزت اهتزازاً قوياً، من جراء تناولها الإخباري لأحداث أم روابة وكرشولا وأم برمبيضة وغيرها، على الرغم من أنها لم تخفِ مصادرها التي ضللتها في الإخبار عن حدث معين أو أحداث معينة، ومن ثم أضاعت مصداقيتها تماماً من خلال تعليقاتها على تلكم الأخبار والأحداث، وأفرغت تحليلاتها من أية مضمون، وسخفت رأي كتابها حول الموضوع. والغريب أنه بعد أن تبين حقيقة الأمر من مصادر رسمية مشاركة في الأحداث، وعليمة بمُجرياتها، لم تنبر تلكم المصادر المُضلّلة بتقديم اعتذار لهذه الصحف والقراء معاً، ولم تعتذر تلك الصحف التي ضُللت، فأضلت قارءها الذي تأكد له بما لا يدع مجالاً للشك أن مصداقية تلك الصحف لا يتعدى صدقية مجالس المؤانسة المنتشرة في مدن العاصمة السودانية. وبدأ البعض يردد مقولة “كلام جرائد” للتأكيد على عدم صدقية الجرائد، مع العلم أن الجرائد تعتبر ركيزة مهمة من ركائز مصادر التوثيق للأحداث. فهكذا بوعي أوغير وعي عملت بعض الصحف على إضاعة المصداقية واستهوتها استدامة النفي، بحكم أن أخبارها قابلة للنفي في كثير من الأحايين. ولنعمل جميعاً باعتبارنا صحافيين يهمنا أمر الصخافة في هذا البلد، على إعادة ثقة القاريء في صحفنا الموجودة والقادمة بإذن الله تعالى، وذلك بالالتزام بالمهنية، والتأكيد على المصداقية، لتعود الخرطوم تقرأ، كماكان يُشاع عنها من قبل، ونضيف في قريب الأيام إلى ذلك بأنها تؤلف وتطبع أيضاً!
وأحسب أنه من الضروري أن يُراعي الصحافيون، بمختلف مدارسهم وتباين مشاربهم، الصدق والحق في تناولهم للأخبار. فالواجب المهني يحتم عليهم قول الحق، ومن قبل ذلك الواجب الديني، وأن يكونوا شهداء بالحق ولو على أنفسهم.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”.
وقول الشاعر محمد بن الحسين بن موسى الملقب بالشريف الرضي:
همو نقلوا عني الذي لم أفه به وما آفة الأخبار إلا رواتها
ص الرأي – جريدة “الأهرام اليوم” الخميس 16/5/2013
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم