صراع المناهج تبين عدم المنهجية

 


 

 


بدأ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مشواره السياسي بعد تكليفه برأسة مجلس الوزراء باعتباره خبيرا اقتصاديا، اشتغل في عدد من المنظمات العالمية التابعة للأمم المتحدة، و تفأل الناس خيرا، و كان الاعتقاد أن الرجل لديه تصور للمشكلة الاقتصادية السودانية، و أتضح أن الرجل لا يملك أي تصور، و الدلالة أن المشكلة الاقتصادية تتعمق يوما بعد يوم، و في جانب أخر؛ للأسف أن رئيس الوزراء بدأ التعين في الوظائف القيادية للخدمة المدنية متجاوزا شعار الثورة " حرية سلام و عدالة" عندما حرم العديد من الخبرات السودانية أن تنافس في هذه الوظائف، و اعتمد علي الترشيح في الوظائف علي مجموعة من أصدقائه الذين عينهم في مكتبه بالمجلس. و كان الأفضل أن تفتح الوظائف لأبناء الشعب بالمعايير المطلوبة للوظيفة، لكنه تجاهل ذلك تماما، مما أضطرت عدد من الأحزاب داخل تحالف قوى الحرية و التغيير أن تصدر بيانات و تعليقات بعدم تسيس الخدمة المدنية. و هذا الخطأ لابد أن يؤثر في مراحل لاحقة.
بالأمس أصدر رئيس الوزراء أيضا قرار في قضية المناهج، حيث جمد العمل بالمقترحات المطروحة حاليا من إدارة المركز القومي للمناهج و البحث التربوي، و التي كانت قد أثارت جدلا كبيرا في المجتمع. ثم وجه بتكوين لجنة قومية تضم التربويين و العلماء و المتخصصين و تمثل كافة أطياف الآراء و التوجهات في المجتمع لتعمل على إعداد المناهج الجديدة حسب الأسس العلمية في إعداد المناهج و تراعي التنوع الثقافي و الديني و الحضاري و التاريخي" قرار حمدوك يؤكد ضعفه الإداري و السياسي. هذا القرار بين ضعف حمدوك الإداري، و كان عليه أن يتبع الوائح و قوانين الخدمة العامة، أن يطلب من وزير التربية و التعليم معالجة القضية باعتباره الوزير المسؤول الذي يتبع له المركز القومي للمناهج، و إذا عجز يجب عليه أن يسمع مباشرة من مدير المركز. ثم يكون اللجنة التي كونها و أن تكون لجنة فنية من خبراء و مختصين بالمناهج لمراجعة المناهج بشكل علمي و توضيح إذا كان هناك أخطاء أو دس لأفكار شخصية أو حزبية في المناهج. و لابد من التفريق بين شيئين هوية الشخص السياسية و عقيدته و هذا حق يكفله له القانون، و حق المواطنة الذي يكفل له أن يتبوأ أي وظيفة قيادية في الدولة. على أن لا تؤثر الأولى علي الثانية. أن ضعف حمدوك السياسي هو محاولة إرضاء فريق على أخر في قضية تحتاج لروية و تأخذ منحي فني مهني أكثر من إرضاءات سياسية، و هتاف بعض الشيوخ سوف تتواصل بطرق شتى بهدف أجهاض عملية التغيير.
هناك خلط ظاهر في الشارع تماما، البعض لا يعرف أن يفصل بين الدكتور عمر القراي ذو التوجه السياسي الجمهوري الذي يختلف معه في توجهه العقدي، و بين القراي المواطن مدير المركز القومي للمناهج الذي يتبوأ وظيفة كفلها له الحق الدستوري باعتباره مواطن مؤهل للوظيفة. أن محاسبة الرجل على أنتمائه غير وارد في مشكلة المناهج إلا إذا عجز هو أن يفصل بين الانتماء و الوظيفة، و الدولة يجب أن تبت في القضية إذا شعرت أن الانتماء يؤثر علي الأداء في الوظيفة. باعتبار أن الوظيفة خدمة مدنية يجب أن تكون بعيدة تماما عن العمل السياسي، لكن هناك خلط. عندما تسأل الشخص عن الأشياء التي أدخلها القراي باعتباره منتميا للحزب الجمهوري لا تجد إجابات مقنعة، تتركز الإجابات بأن الرجل خفض سور القرآن للحفظ في المراحل الأولى للتعليم، و طبع في الكتاب صورة مايكل انجلو المتعلقة بدرس عصر النهضة. حيث تحولت القضية من قضية فنية تنظر من قبل الفنيين التربويين إلي قضية سياسية يحاكم فيها الفكر. و هذا الخلط ليس غباء بل هو مقصود، و حتى البكاء على منابر المساجد نفسه هو إدخال الدراما في التأثير العاطفي للناس في قضية سياسية يراد منها أن لا يستخدم الناس عقولهم و النظر بوعي في القضية.
أن خطأ الدكتور القراي. كان يجب عليه أن يتوقع هذه الحملة ضده، حيث كانت هناك اعتراضات كثيرة عليه من قبل عدد من القوى السياسية، ليس الإسلاميين وحدهم، بل هناك أيضا قوى سياسية داخل قوى الحرية و التغيير. و كان عليه أن يلزم جانب المهنية لأقصى حد. و بعد المقابلات الأولى التي أجرت معه في عدد من القنوات السودانية، و وضح فيها أن المناهج سوف يتم تغييرها من قبل فنيين و تربويين و طالب فيها من الأباء و الأمهات أن يقدموا مقترحاتهم، كان عليه أن يقلل الظهور الإعلامي الفردي، و أن يتيح لرؤساء هذه اللجان الفنية الفرص في أن يقدموا المقترحات المقدمة لتغيير المناهج. لكي يؤكد أن المناهج سوف يتم تغييرها من قبل مختصين، و ليس هناك أي فرصة لتدخل الانتماء السياسي و الفكري للشخص، لكن القراي نفسه أعتبرها معركته يجب أن يخوضها. و كان عليه أن يفرق بين منابر الفكر و المقابلات التي تجرى معه مهنيا، لآن اللغة نفسها تفصل بينهما.
فالمعركة أيضا لها جذورها السياسية، حيث أن القراي كان كاتبا راتبا في القضايا السياسة، و كانت له الانتقادات مستمرة لبعض قيادات الأحزاب، و قيادات لتيارات سياسية، الأمر الذي لا يستبعد هي دوافع لتصفية حسابات سياسية، لذلك كان الخلط مقصودا أن يقدم الدكتور القراي ذو التوجه الجمهوري علي القراي الخبير في المناهج، و خاصة الأولي تساعد علي التعبئة و تشكيل الرأى العام لأنها تؤسس على العواطف للعامة، مما يؤكد أن قضية الوعي الجماهيري تحتاج لعمل دؤوب. و نسأل الله حسن البصيرة.

zainsalih@hotmail.com

 

آراء