عبد المنعم عجب الفَيا
الأصل في اللغة العربية، انه اذا اردت أن تصف شيئا ما انه مخلوق أو موجود قبلا ولم يوجد بفعل الإنسان أو تدخله، تقول عنه :طبيعي أو فطري، نسبة إلى طبيعة وفطرة.
وأما اذا اردت ان تصف شيئا صنعه الإنسان صنعا وصناعة، فإنك تنسب هذا الشيء المصنوع إلى الصناعة فتقول عنه صناعي، كقولك: زراعي وتجاري ونحوها.
ولكن اذا استطاع الإنسان أن يصنع شيئا شبيها بالقمر الطبيعي أو أوجد آلة لها ذكاء شبيه بذكاء الإنسان، فهل سيغير ذلك في الأمر شيئا؟
هل ننسب هذا القمر وهذا الذكاء الي الصناعة، ونقول قمر صناعي وذكاء صناعي، ام الصحيح ان نقول قمر اصطناعي و ذكاء اصطناعي ولماذا؟
هذا السؤال لم يكن مطروحا في اللغة العربية قبل سنة ١٩٦٨ إذ كان ينسب كل ما له علاقة بالصناعة والصنع والتصنيع الي الصناعة فيقال صناعي.
ولكن في العام ١٩٦٨ ادخل مجمع اللغة العربية بالقاهرة لأول مرة تفريقا بين صناعي واصطناعي، حيث أكد المجمع في البدء ان “صناعي” هي النسبة القياسية الصحيحة إلى “صناعة”. وتُستعمل لكل ما له علاقة بالصناعة: “إنتاج صناعي، منطقة صناعية، ثورة صناعية، تعليم صناعي”. واما “اصطناعي” من الفعل “اصطنع” فتستعمل للدلالة على الشيء اذا اتخذ بالتكلف والحيلة أو تقليدا ومحاكاة للشيء الطبيعي مثل: قمر اصطناعي، حرير اصطناعي، قلب اصطناعي، تنفس اصطناعي”.
وقد علل مجمع اللغة العربية بالقاهرة قراره هذا بالقول: إن “اصطنع” فيها معنى التكلف والمعالجة والاتخاذ، فصارت أدل على الشيء المُتكلَّف المصنوع تقليداً للطبيعي. أما “صنع” فهي أعم.
غير ان مجمع اللغة العربية بدمشق، كان له رأي آخر معارض، وهو قوله: الأصل هو “صناعي” في في كل الأحوال، لأنها النسبة القياسية الصحيحة إلى “صناعة”. ولا حاجة إلى “اصطناعي” إلا عند الضرورة لرفع اللبس، والاولى الاقتصار على صناعي فيقال: حرير صناعي، قلب صناعي”. ولكنه اضاف انه يجوز النسبة الي صنع فيقال صنعي.
وعلل المجمع رفضه إدخال اصطناعي بالقول: “منعا من التزيد في اللغة بغير مصوغ، والتزاما بالقياس. وان السياق كاف للتفريق”.
وعند ظهور الذكاء المصنوع أكد مجمع القاهرة قراره السابق في شان نسبة هذا الذكاء الي الفعل اصطنع والقول في وصفه انه : “ذكاء اصطناعي”.
وأما مجمع دمشق ففضل نسبة هذا الذكاء الي المصدر صنع بالضم وقال في وصفه انه: ” ذكاء صنعي”.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما الضرورة اللغوية التي حملت مجامع اللغة العربية على التدخل؟ هل كانت توجد مشكلة تعبيرية في اللغة العربية تستدعي البحث عن حل؟ هل القول: قمر صناعي ومطر صناعي وطرف صناعي وذكاء صناعي، يثير لبسا في المعنى يجعل السامع يخطئ قصد المتكلم، فيفهم شيئا مختلفا عن كون هذا القمر أو المطر أو الذكاء مصنوعا صناعة وانه غير طبيعي. الإجابة قطعا بالنفي. فكل صناعة اي صناعة هي اتخاذ ومعالجة لشيء ما أو هي تكلف ومحاكاة للطبيعة وتقليد لها.
لما كان ذلك فما الدافع الي تدخل مجامع اللغة لاقحام كلمتي اصطناعي وصنعي بديلا لكلمة صناعي؟
الدافع الحقيقي في رأينا غير مصرح به، وهو مجاراة اللغات الافرنجية في استعمال أكثر من لفظ لوصف الاشياء المصنوعة غير الطبيعية. فاللغة الإنجليزية على سبيل المثال تستخدم لفظين لوصف الأشياء المصنوعة صناعة وصنعا وهما كلمة Industurial وكلمة artificail حيث يطلق على الذكاء المصنوع في الإنجليزية عبارة:
artificail intellegence
وقول مجمع اللغة العربية بالقاهرة: “اصطنع” فيها معنى التكلف والمعالجة والاتخاذ، فصارت أدل على الشيء المُتكلَّف المصنوع تقليداً للطبيعي”. ما هو إلا ترجمة لمعنى كلمة artificail الإنجليزية.
غير ان هذا المعنى ليس هو المعنى الوحيد لكلمة artificail وإنما لها معنى آخر هو مصطنع fake اي مزيف وغير حقيقي. وهنا نجد أنفسنا باستخدام “اصطناعي” امام لبس في المعنى بين الصناعة الصحيحة والتزييف.
وكذلك اصرار مجمع دمشق علي استعمال” صنعي” بديلا عن صناعي في قوله ذكاء صنعي، ما هو إلا مجاراة للغات الأجنبية.
وأما العربية فلا تعرف هذا التفريق، والفعل “صنع” ومشتقاته يعبر عن كل ما يصنعه الإنسان سواء كان تقليدا للشيء الطبيعي أو كان غير ذلك.
ومن المعلوم في علم اللغة ان لكل لغة شخصيتها ونظامها الداخلي ومنطقها الخاص بها الذي يميزها عن غيرها من اللغات. ولذلك لا يجوز ان نتخذ نظام لغة ما، مقياسا لنظام لغة أخرى، والا انتهكنا خصوصية هذه اللغة، وقوضنا نسقها الداخلي واحدثنا اضطرابا في منطقها ونظامها.
في اللغة العربية لا فرق بين الفعل “صنع” والفعل “اصطنع” في الدلالة (الإيجابية) على الصنع والصناعة ايا كانت هذه الصناعة. واصطنع في قوله سبحانه وتعالى: “واصطنعتك لنفسي” اصطنعتك هنا تفيد التوكيد والمبالغة في خصوصية الصنع والاتخاذ. يقول الزمخشري في (الكشاف) في تفسير هذه الاية:” الاصطناع هنا هو افتعال من”الصنع” يقال اصطنع الأمير لنفسه فلانا”، اي اجتباه واصطفاه واتخذه محل ثقته. وقد ورد الفعل من غير صيغة الافتعال في قوله تعالى: “ولتصنع على عيني”.
الأمر الآخر هو ان الاصطناع في أصل اللغة له ثلاث معان. الأول من المصدر صنيع وصنيعة بمعنى الإحسان وعمل الخير. والثاني الطلب من شخص ان يصنع لك شيئا يقال اصطنع له خاتما اي صنع له، وعقد الاستصناع معروف في الفقه الإسلامي.
والمعنى الثالث وهو سلبي، ومصدره التصنع وهو الزيف والاختلاق. يقال ابتسامة مصطنعة، وضحكة مصطنعة، وهو يتصنع الضحك. اصطناع الضحك، واصطناع المرض والحياء. يقال المريض يتصنع المرض فهو متصنع.
وهذا المعنى السلبي هو ما تعطيه أيضا كلمة artificail في اللغة الإنجليزية على سبيل المثال.
وكل هذه المعاني وردت بمعجم لسان العرب تحت مادة صنع حيث يقول: “والاصطِناع: افتِعالٌ من الصنِيعة وهي العَطِيّةُ والإحسان. وفي الحديث: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تُوقِدُوا بليل ناراً، ثم قال: اوْقِدوا واصْطَنِعُوا فإِنه لن يُدرِك قوم بعدكم مُدَّكم ولا صاعَكُم؛. قوله اصطَنِعوا أَي اتَّخِذوا صَنِيعاً يعني طَعاماً تُنْفِقُونه في سبيل الله. ويقال: اصطنَعَ فلان خاتماً إِذا سأَل رجلا أَن يَصْنَع له خاتماً. كما تقول اكتَتَبَ أَي أَمَر أَن يُكْتَبَ له، والطاءُ بدل من تاء الافتعال لأجل الصاد. واسْتَصْنَعَ الشيءَ: دَعا إِلى صُنْعِه. واصْطِناعُ الحَياءِ: إِظْهارُ الحَياءِ وَهُوَ مُنْعَدِمُهُ”. انتهى.
الخلاصة :
نخلص مما تقدم إلى أن الأصل في العربية ان ينسب إلى صناعة فيقال “صناعي” ويشمل كل ما له صلة بالصناعة دونما تمييز. والصحيح هو القول: قمر صناعي وقلب صناعي وذكاء صناعي وطرف صناعي ونحوها.
وأما “اصطناعي” و”صنعي” فهي مولدة توليدا لا ضرورة له سوى الرغبة في مجارة اللغات الأجنبية. فالأولى تخالف القياس اللغوي وتخلق لبسا لغويا في المعنى بين الصناعة الصحيحة والتزييف. والثانية، وان لم تخالف القياس، الا انها غير مسموعة وليست متواترة في الاستعمال، وفوق ذلك بها ثقل يجعلها غير مستساغة.
عبد المنعم عجب الفَيا
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم