ضرورات سد ذرائع الفساد .. بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين

 

الفساد هذه الظاهرة الاجتماعية تتداخل فيها عدة عناصر، الدولة بمؤسساتها وموظفيها، ثم تنتقل الى أفراد المجتمع مع تعدد المقاصد؛ فهدف المواطن تحقيق مصلحة بقضاء حاجته والموظف اشد جرماً لأنه يريد مقابل مادي نظير اداء عمله وواجباته التي تمليها عليها وظيفته، أو انه يحقق مكاسب ليست ذات اتصال مباشر مع الافراد من خلال الوظيفة وهذا يسمى الفساد الاداري رغم أن نهايته مادية، ويرتبط عادةً بقبول الرشوة بمخالفة قوانين العمل من أجل تمرير معاملات تخالف هذه القوانين، أو يحقق مصلحة لفرد، أو مجموعة من الأفراد، على حساب أفراد آخرين. ومن أهم مظاهر الفساد الإداري انتشار الواسطة كوسيلة لحصول الأشخاص على حقوق ليست لهم، تقديم المصلحة الشخصية على مصلحة العمل، التأخر في إنجاز المعاملات الخاصة بالأفراد، وتأجيل العمل عليه، والروتين والاجراءات البيروقراطية وتحكم موظف واحد في سلسلة من الاجراءات أو وجوده ضمن سلسة من المفسدين الذين يعملون بصورة جماعية؛ واسوق هنا قصة احد المغتربين الذى حضر الي السودان في اجازة قصيرة وكان لديه قطعة ارض لا يعرف موقعها او المربع التي تقع فيه، وذهب الى جهات الاختصاص لاستجلاء الامر وذكر انه خلال اسبوع كل موظف يذهب اليه يجعل كلتا يديه على رأسه اشارة الى صعوبة الامر وفي اليوم السابع وهو حائرا ناداه احد المسؤولين نحسبه على خير وقال له اراك منذ اسبوع هنا ما المشكلة وادخله الى مكتبه ثم ذكر له المشكلة الكبيرة التي وقع فيها وحى له القصة، وطلب المسؤول احد الدفاتر او السجلات ثم اعطاه ورقة صغيرة فيها طل المعلومات وقال حتى لم يكمل كوب الشاي؛ ومثل هذا القصص تصادفها في الأراضي في ادارة الكهرباء والمياه وكثير من الإدارات الخدمية ذات الارتباط المباشر مع الجمهور، ولو كانت هناك قاعدة بيانات فيما يخص الأراضي مثلاً يمكن الدخول اليها من خلال موقوع الادارة او الوزارة لما احتاج هذا الرجل للذهاب الى تلك الادارة ويرفع له سقف الصعوبة والاستحالة ليضطر الى دفع مبالغ للموظفين.
كذلك من آليات الفساد التي تعين عليه ترك كثير من الاجراءات لتقدير الموظف وغياب الوسائل الالكترونية سواءً في تقديرات الجمارك والضرائب او الزكاة أو المخالفات المرورية أو تلك المتعلقة بمخالفات الأسواق والطرق وغيرها؛ ايضا وجود حوافز من التحصيل وهو مدخل للفساد من جهتين؛ من جهة حجم التحصيل وفي هذه الحالة لن يهتم بالتحقق العادل، ومن جهة الضغط على المتحصل منه ليصل الى مبلغ اقل مع جزء صغير عبارة عن رشوة.
أما علاقة الموظف بالسلطة العليا يحكمها واجب وهمى تجاه هذه السلطة عززه ثقافة الامتثال لأوامر هذه السلطة التي يسندها المتنفذين ليس داخل هرم السلطة لكن داخل الحزب؛ حتى لو كانت هذه الاوامر تخالف القوانين والانظمة ولوائح العمل، وانزلاق السلطة التنفيذية في الفساد أدى الى تدني مستوى ثقة المواطنين في الانظمة والقوانين، وارتفعت ثقة المفسدين في أن العدالة لن تطالهم وهذا بالضرورة ادى الى ترسيخ مفهوم ان أي مكاسب من الفساد هي حق مكتسب، لذلك نلاحظ أن اصحاب السجلات البيضاء غير المفسدين ينسحبون من العمل العام في صمت وفي نفس الوقت نجد من يفكرون في الاستفادة من هذا الواقع يسعون بشتى الطرق الى اللحاق بركب المفسدين وكل ما كان حجم الفساد والقدرة على تغطيته ناجزة كان التسلق والوصول الى اعلى المراتب الوظيفية والتنظيمية.
من اهم آليات الفساد عدم وجود الرقابة او الخضوع لها ونلاحظ ذلك في شركات الحكومة التي تسرح وتمرح دون رقابة ودون الالتزام بتوجيهات ديوان المراجع العام او حتى تمكينه من اداء عمله الرقابي، وهذا احد مداخل الفساد واحد مداخل التأثير السالب على الاقتصاد، ويفوت علينا مدى تغلغل هذه الشركات الحكومية في سوق العملة وسيرها حافر بحافر مع تجار العملة؛ ايضاً السعي الى ايجاد تحالف قوى بين السلطة السياسية ورجال الاعمال ولا نقصد هنا رجال الاعمال المعروفين لكن رجال الاعمال الذين تم دفعهم وتقديم التسهيلات لهم ليبرز جيل جديد من الرأسمالية منذ عام 2000م تقريباً كان تحالف المال والسلطة هو لبنة نشاطهم والقوة المحركة له. ايضاً من اهم اسباب الفساد هو تغاضى السلطة عنه، والنفي الدائم له واعتباره اشارات من المعارضين لضرب التنظيم؛ لذلك كانت هناك حساسية مفرطة تجاه كلمة فساد وتجاهلها مما مكن من انتشار الفساد وكان المفسدين اعتبروا ان نفيه ايماءة بالموافقة عليه ومباركته.
الآن نأتي الى اهم مداخل الفساد الذى تحدثنا عنه في مقالات سابقة وهو مبدأ اجراء التسويات مع المفسدين؛ هذه التسويات تفتح باب الفساد واسعاً لعدم وجود العقاب مع التسوية والافلات من العقاب؛ ومن مداخل الفساد القرارات الادارية، ويحضرني هنا القرار الجمهوري الاخير رقم 675 لسنة 2018م والخاص بتحديد نسبة للنيابة العامة في الاموال العامة المستردة وهذا القرار وإن اريد به خيراً اره معيباً ويفتح باباً للفساد حيث يحمل في ثناياه معنيين الاول أن الفساد سوف يستمر ولن يتوقف لا محالة وسوف تستمر التسويات؛ المعنى الثاني هو فتحه باباً مستتراً لإمكانية الفساد من ناحية تخصيص ما نسبته 10 في المائة من الاموال المستردة لتحسين بيئة العمل ودعم تكافل أعضاء النيابة، والمشكلة أن هذه النسبة تحصل في مرحلة التحري والمحاكمة وهذا يفتح باب الشك في مدى انضباط عملية التحري والمحاكمة من ناحية الاستعجال والاهتمام بالمبالغ المحصلة سواء كان حققت العدالة او لم تحققها. أيضاً نسبة 20 في المائة الواردة في القرار جُعلت مفتوحة وغير محدد سواء لتحسين البيئة أو لتكافل اعضاء النيابة حيث يمكن ان يحدث تلاعب في النسب. اخيراً ما الداعي لتخصيص هذه النسبة من الاموال المستردة لأناس يؤدون وظائفهم.
إن اول فصول محاربة الفساد الناجحة سد باب الذرائع وقفل ابوابه؛ وإلا سوف يستمر مسلسل الفساد دون رادع.

الصيحة: 25/11/2018
omarmahjoub@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً