بقلم: أمين الجاك عامر / محامٍ
لسنواتٍ طويلة ظلّ طريق مدني–الخرطوم مصدر قلقٍ دائمٍ لمستخدميه،وطريقًا ارتبط في أذهان الناس بالحوادث المؤلمة والخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات.ومؤخرًا أعادت إلينا الوسائط مشهدًا مروعًا لحادثٍ بين بصٍّ سفري وحافلة ركاب،وقع خارج الأسفلت وفي مسار البص، وأسفر عن وفياتٍ وإصاباتٍ في الحال،وسط عجزٍ من المسعفين عن إخراج المصابين، بسبب شدة الارتطام وتداخل المركبتين بصورة مأساوية.
إننا، إذ نترحم على أرواح الضحايا، ونسأل الشفاء العاجل للمصابين، نُجدّد التنبيه إلى خطورة هذا الطريق الحيوي، الذي لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجات الجزئية. فطريق مدني–الخرطوم ليس مجرد طريق عادي،بل شريان اقتصادي وبشري يربط بين العاصمة وواحدة من أهم مدن السودان،ويخدم آلاف المواطنين يوميًا.
وفي ظل الظروف الراهنة، التي قد تعجز فيها الدولة عن توفير التمويل الكافي للصيانة الشاملة أو إكمال مشروع الازدواج،يبرز خيار عاجل وعملي وواقعي يتمثل في إعادة طرح المشروع وفق نظام البوت (BOT).هذا النظام، القائم على أن تتولى شركة أو تحالف استثماري تمويل وبناء وتشغيل المشروع لفترة زمنية محددة، ثم تعود ملكيته للدولة، يُعد من أنجح النماذج عالميًا في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى دون تحميل الخزينة العامة أعباءً فورية.
لقد بدأ بالفعل مشروع تحويل الطريق إلى مسارين في عهد والي الجزيرة الأسبق، المرحوم محمد طاهر إيلا، عليه الرحمة، إلا أنه توقف عند الكيلو العشرين من أصل نحو مائة وستين كيلومترًا، وهو ما جعل الطريق في وضعٍ غير متوازن بين أجزاء مطوّرة وأخرى مهملة، مما يزيد من خطورته.
إن استكمال هذا المشروع، وتحويل الطريق إلى مسارين مزدوجين، لم يعد ترفًا، بل ضرورة قصوى لحماية الأرواح وتقليل الحوادث المرورية. كما أن تطوير الطريق سيسهم في تخفيف الضغط السكاني على العاصمة،عبر إتاحة خيار السكن خارجها والتنقل اليومي الآمن، وهو ما ينعكس إيجابًا على التخطيط العمراني والاقتصادي.
إن الدعوة اليوم موجّهة إلى الدولة وحكومة الأمل، بأن تتحلّى بالشجاعة الكافية لفتح هذا الملف،وأن ترفع يدها جزئيًا عن تمويل مثل هذه المشاريع عالية التكلفة، وتفسح المجال للقطاع الخاص الوطني والعالمي للدخول عبر شراكات واضحة وشفافة بنظام البوت.
فالمواطن الذي يدفع اليوم رسوم عبور على طريقٍ وعرٍ غير مكتمل، من حقه أن يرى أثر ما يدفعه في بنيةٍ تحتية آمنة وحديثة، وفق أعلى المعايير العالمية.
لقد آن الأوان أن ننتقل من مرحلة الأسف على الحوادث إلى مرحلة الفعل والتخطيط والتنفيذ؛
فإما أن نظل نعدّ الضحايا… أو نبدأ في صناعة الحياة
aminoo.1961@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم