ظاهرة “المثقف الحربائي”: تحليل منهجي لأسباب الظاهرة ودورها المُخَرِّب

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم

تعريف : هي ظاهرة سالبة، تسود في قطاع من المثقفين “بالمعنى الإجرائي”، وبالأصح: مُدَّعي الثقافة؛ يضم كتّابًا وإعلاميين وصحفيين… لا يتخذون موقفًا نظريًا محددًا “مبدئيًا” من القضايا الوطنية والقومية، ناهيك عن أن يكون لهم مشروع فكري محدد، بصرف النظر عن مضمون هذه المواقف النظرية. فهم يغيّرون مواقفهم طبقًا لمعيار المصلحة الشخصية، وليس طبقًا لمعيار الصواب والخطأ، أو الحق والباطل.

ادّعياء ثقافة وليسوا مثقفين حقيقيين:هذه الظاهرة تسود بين المثقفين بالمفهوم الإجرائي “الأكاديمى”، بمعنى: من تلقّى العلم في مؤسساته التعليمية المتخصصة، لكنه لا يربط هذه المعرفة العلمية بقضايا مجتمعه. فهم ليسوا مثقفين حقيقيين؛ لأن وظيفة المثقف هي ربط المعرفة العلمية بقضايا الواقع “الوطني والقومي…”، والإجتهاد في وضع حلول “نظرية” لها، بصرف النظر عن نسبة الصواب أو الخطأ فيها.

سلعة فى سوق النخاسة الفكرية: فهذا القطاع من المثقفين ” بالمعنى الإجرائي “، الذين تسود فيهم هذه الظاهرة السالبة، يبيعون أقلامهم وأفكارهم وعقولهم وآراءهم في سوق النخاسة الفكرية، ويمارسون نوعًا من أنواع الدعارة الفكرية، التي قد يفوق ضررها على المجتمع – في بعض الأحيان – ضرر الدعارة الجسدية؛ فالفتنة “المعنوية” أشد من القتل “الحسي”.

تحليل إجتماعي : هذا القطاع من المثقفين” بالمعنى الإجرائي” يشمل العناصر الإجتماعية التالية:

  • ذوى المستوى الأكاديمي الضعيف. او الذين التحقوا بمؤسسات أكاديمية، لكن بغير طرقها المعتمدة، او ليس طبقًا لإمكاناتهم الحقيقية.
  • المفتقدون لأي مواهب فكرية.
  • الذين يفتقرون إلى أي مشروع فكري.
  • بعض المعارضين ليس استنادا الى مبدأ ، بل يريدون الحصول على ثمن لمعارضتهم.
  • المدافعون عن أي نظام يكونون جزءًا منه، أو مستفيدين منه، أو يرجون ذلك، والذين يتحولون إلى معارضين له ، بمجرد ألّا يصبحوا كذلك.
  • الذين قدّموا مصالحهم الشخصية على ثوابت الأمة “الوطنية والقومية والدينية…”، فقبلوا أن يصبحوا مجرد أدوات للمخططات التي تستهدف الأمة وشعوبها، مثل: “مشروع الشرق الأوسط الجديد: الإمبريالي – الصهيوني”.

تعبير عن المظاهر السلبية الثقافية: وهذا القطاع من المثقفين ” بالمعنى الإجرائي ” هو أوضح تعبير عن المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي تسود بين مثقفي ومتعلمي الأمة؛ فتوجد في مجموعهم إن لم توجد في جميعهم. وهي إفراز امتداد الحياة في ظل تخلف النمو الحضاري لشعوبها، وفي ذات الوقت فإنها أحد أسباب استمراره؛ لأنها تفتك بمقدرة المثقفين، الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات – معرفيًا، وليس بالضرورة تنفيذيًا- ومن أهم هذه المظاهر السلبية:

  • الفردية “الأنانية” بأشكالها المختلفة: كالانعزال “الفكري” عن قضايا الجماهير.أو التفاعل الإجتماعي السلبي معها، ومن مظاهره: الاستعلاء عليها، والبيروقراطية.
  • تجاوز المثقف لدوره التنويري، ومحاولته فرض وصايته على الشعب..
  • الدوران في الحلقة المفرغة “التغريب والجمود”، ومن ثم التقاء تياري الجمود والتغريب، في تكريس الفهم الخاطئ للدين.
  • النخبوية” شلل تسعى لمصالح خاصة” بدلًا من الطليعية” القيادة ‘ المعرفية ‘ للتطور الإجتماعى لمجتمعاتهم -.
  • النفاق السياسي.
  • ضمور الدور التقويمي “النقدي” للمثقف في علاقته بالسلطة، وإتخاذه موقف القبول المطلق “في حال كونه جزءًا من السلطة”، أو موقف الرفض المطلق “في حال كونه ليس جزءًا منها”.
  • الخلط و عدم التمييز بين النظام السياسى ” الحكومه” والدولة، فالاخيره اشمل من الاولى، فى أحد اركانها” بالاضافه إلى الأرض والشعب والاعتراف الدولى. فالدولة ومؤسساتها ملك للشعب، وليس لنظام سياسى معين، والشعب ثابت, بينما الانظمه السياسة متغيره.

أحد فئات الرأسمالية العشوائية : وهذا القطاع من المثقفين ” بالمعنى الإجرائي ” هو أحد الفئات الإجتماعية المكوِّنة للرأسمالية العربية المعاصرة ، التي تشكّلت نتيجة محاولات تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي “المادي – الربوي – اللاإنساني”، على شعوب الأمة ، منذ العقد السابع من القرن الماضي، تحت شعارات مثل: (الانفتاح – الإصلاح – التحرير الاقتصادي / الخصخصة / رفع – أو ترشيد – الدعم). وقد اتصفت هذه الرأسمالية بخصائص معينة – تميّز ايضا هذا القطاع من المثقفين” بالمعنى الإجرائي”، وهذه الخصائص هي:

التشوه الحضارى: الناتج عن التناقض بين الرأسمالية ،والقيم الدينية والحضارية للأمة.

تكريس التخلف الإقتصادي: الإستفادة من إستمرار التخلف، ونهب الموارد. وليس السعى لتحقيق تنمية شاملة.

تكريس التبعية: فهي مرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي، وتعمل كوسيط تابع له.

معارضة التقدم الاجتماعي: لم تعد الراسمالية تقود التقدم – كما هو الحال في الرأسمالية الأوروبية المبكرة – بل اصبحت تستفيد من الواقع القائم.

العشوائية: غياب التخطيط العلمي، وضعف التنظيم الإقتصادي.

الطفيلية : فئات تسعى للسيطرة على الموارد، دون إنتاج فعلي .

التخلف الإجتماعى : تتشكّل داخل بيئات إجتماعية، ناتجة عن تخلف النمو الاجتماعي” ذات طابع عشائرى أو قبلى”..

sabri.m.khalil@gmail.com

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الفكر السياسى الناصري: مراجعات تجديدية تأصيلية

د. صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطومSabri.m.khalil@gmail.com تمهيد: تهدف هذه الدراسة إلى …