طاهر عمر
دفعتني ملاحظة لكتابة هذا المقال، وهي أن المثقف التقليدي السوداني، عندما يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية، تغيب عن أفقه ظاهرة المجتمع البشري.
وظاهرة المجتمع البشري كانت الشغل الشاغل للفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين التاريخيين والاقتصاديين. فمثلاً، كان آدم سميث فيلسوفَ أخلاقٍ قبل أن يكون اقتصادياً، لذلك يرى كثير من دارسي أفكاره أنه قد قدم فكراً عميقاً جداً في كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية يفوق ما قدمه في كتابه ثروة الأمم.
وفي ظن كثيرين أن آدم سميث، في نظرية المشاعر الأخلاقية، كان منشغلاً بظاهرة المجتمع البشري، وأن انشغاله بهذه الظاهرة هو ما دفعه إلى التفكير في مجد العقلانية وإبداع العقل البشري بعيداً عن فكرة الإرادة الإلهية.
فعند آدم سميث، إن الفرد بالضرورة أخلاقي وعقلاني، ولا يحتاج إلى شرائع دينية ولا إلى مهماز رجال الدين لكي يبني مجتمعاً متوازناً.
ومن هنا كانت أفكار آدم سميث، كفيلسوف أخلاق، تقوم على أن الفرد الاجتماعي، على الدوام، عقلاني وأخلاقي، ولا يحتاج إلى شرائع دينية لكي تنظم له مجتمعه من خارجه.
بل يرى أن المجتمع، بفعله الإنساني التلقائي العفوي، قادر على أن يكون عقلانياً وأخلاقياً، في مجتمع تفسره معادلة الحرية والعدالة.
أفكار آدم سميث، عندما وصلت إلى عمانويل كانط، قرأها بشغف كبير، وقرأ معها أفكار ديفيد هيوم. وحينها قال عمانويل كانط مقولته المشهورة، وهي أن أفكار كلٍّ من ديفيد هيوم وآدم سميث قد أيقظته من سباته الدوغمائي العميق. كان عمانويل كانط، قبل اطلاعه على أفكار كل من ديفيد هيوم وآدم سميث، في سبات دوغمائي عميق، كنوم النخب السودانية الدوغمائي العميق الآن. ومنذ ذلك الحين انقلبت أفكار كانط، وخرج من سباته الدوغمائي العميق، وأصبح يفكر في فكرة النزعة الإنسانية وبناء مجتمع إنساني في حدود قدرة العقل البشري، بعيداً عن شطحات رجال الدين وتعلقهم بالإرادة الإلهية.
يعني يمكننا القول إن عمانويل كانط، بعد اطلاعه على أفكار ديفيد هيوم وآدم سميث، أصبح باستطاعته التضحية بهويته الدينية. وهذا لا يعني الإلحاد، بل إن الدين أصبح شأناً فردياً، وفي حدود قدرة العقل البشري، في جهود كانط الفكرية، وخاصة في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل». وبالمناسبة، ففي أنثروبولوجيا كانط نجد أنه لأول مرة يفك ارتباط الأنثروبولوجيا باللاهوت، كما فك آدم سميث ارتباط الاقتصاد بكل من الفلسفة والدين.
وبالتالي، من فكر كانط وآدم سميث ينفتح الطريق لفك ارتباط الدولة بالدين. أو بمعنى آخر، يمكننا فصل الدين عن الدولة، كما فصل آدم سميث الاقتصاد عن كل من الفلسفة والدين، وكما فصل كانط الأنثروبولوجيا عن اللاهوت.
وهنا وجب التنبيه للقارئ المحترم إلى أنني جئت بآدم سميث كفيلسوف أخلاق، وليس كاقتصادي، حتى لا يستعجل الشيوعي السوداني، وهو تحت تأثير نسخته الشيوعية السودانية المتكلسة، ويسرد لنا ما حفظه من نقد لفكر آدم سميث.
وليس الشيوعي السوداني وحده المستعجل على نقد الرأسمالية، بل أغلب المثقفين التقليديين السودانيين، وهم في سباتهم الدوغمائي العميق، وقد أصبحوا عاجزين عن التضحية بهويتهم الدينية. فمثلاً، أمارتيا سن، في كتابه «التنمية حرية»، يتفق مع أفكار آدم سميث في تحرير مفهوم حرية الإنسان من القيود العقائدية واللاهوتية، وأن يُبنى المجتمع الإنساني على فكر النزعة الإنسانية، بعيداً عن أفكار رجال الدين وفكرة الإرادة الإلهية.
فالحرية عند أمارتيا سن لا تُفهم في سياق روحي أو فلسفي غيبي، بل تُفهم من خلال النزعة الإنسانية، أو في حدود قدرة العقل البشري، وفقاً لتجربة الإنسان وضمير الوجود.
ومن هنا، عندما نتحدث عن أنثروبولوجيا كانط، فإننا نتحدث تلقائياً عن أنثروبولوجيا الليبرالية، وفيها يصبح الفرد الاجتماعي عقلانياً وأخلاقياً، ولا يحتاج أن يكون تابعاً للمرشد الكيزاني، ولا تابعاً للختمية، كما لا يكون خاضعاً لإمام الأنصار، ولا يحتاج أصلاً إلى إمام، ولا تفكر بدلاً عنه اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.
وعليه، تصبح محاولة النخب السودانية تحقيق ديمقراطية ليبرالية بأحزاب الطائفية السودانية، أي تحقيق ديمقراطية عبر طائفة الأنصار وطائفة الختمية، مستحيلة؛ لأن الأحزاب الطائفية في السودان هي تجسيد للفكر الديني الذي جاءت فلسفة آدم سميث وفلسفة عمانويل كانط لكي تقدما بدلاً عنه الفكر الليبرالي، أي تقدما بدلاً عنه العقلانية والنزعة الإنسانية.
لذلك، عندما تتحدث النخب السودانية عن أن محاولات التحول الديمقراطي الفاشلة في السودان منذ أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وأخيراً في ثورة ديسمبر، كان فشلها حتمياً؛ لأنها كانت محاولات أحزاب دينية تقليدية لتحقيق هدف لا يمكن أن يتحقق إلا في غيابها هي كأحزاب دينية، جاءت فلسفة كانط وفلسفة آدم سميث لإبعادها، أي لتفتح الطريق للعقلانية.
لذلك، فإن حديث الدكتور عبد الله علي إبراهيم عن تجربة ليبرالية في السودان عبر أحزاب الطائفية يدل على أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم لا يعرف أن شرط الفكر الليبرالي وتحقيق الديمقراطية الليبرالية هو إبعاد الفكر الديني، أي إبعاد أحزاب الطائفية من المشهد السياسي؛ لأن تحقيق الديمقراطية الليبرالية هو تحقيق للنزعة الإنسانية وتجسيد للعقلانية والأخلاق التي تجعلك تبتعد عن تبعية رجال الدين، وتبتعد عن الإمام والختم والمرشد، لأنك لست في حاجة لمن يفكر بدلاً عنك، كما يقول كانط في إجابته عن سؤال:(ما التنوير”؟).
لهذه الأسباب مجتمعة، جاءت مقالاتي في نقدها لكل من كمال الجزولي والحاج وراق في انضمامهما إلى لجنة تريد تخليد فكر الإمام الصادق المهدي، وهو أقرب لرجل الدين منه إلى السياسي، ويعد من الأشخاص الذين قاوموا أفكار الحداثة بوقوفه بجانب البنى الثقافية التقليدية المقاومة للحداثة والمعادية للتنوير في السودان.
وأعدت الكرّة في نقدي للدكتور إبراهيم البدوي عندما أعاد أوهام الأتباع في اعتقاده أن فكر الصادق المهدي يمكن أن يكون مخرجاً من الأزمة السياسية، بل قلنا له إن فكر الصادق المهدي هو سبب الأزمة؛ لأن الصادق المهدي أقرب لرجل الدين منه إلى السياسي المعاصر الذي يؤمن بفصل الدين عن الدولة.
وعليه، يمكننا أن نعد حديث الدكتور عبد الله علي إبراهيم في نقده لمنصور خالد، وحديثه عن تجربة ليبرالية عبر أحزاب الطائفية في السودان، دليلاً قاطعاً على أن عبد الله علي إبراهيم لا يدرك أن إبعاد أفكار الإمام والختم والمرشد الكيزاني، وإبعاد أحزابهم الدينية، هو الشرط الذي لا تقوم بغيره تجربة ليبرالية في السودان، كما لاحظناها في أفكار كل من آدم سميث وعمانويل كانط، وقد ذكرتها في أعلى المقال.
ولكي نوضح صحة ذلك، لا بد من ذكر أفكار بعض المثقفين من المحيط العربي، أمثال عبد الله العروي في مشروعه النقدي.
فعبد الله العروي لا يعاني من حالة الاضطراب التي يعاني منها الدكتور عبد الله علي إبراهيم، والتي تتضح في خلطه للمفاهيم. فعندما يتحدث عبد الله العروي عن الحداثة والليبرالية، لا يعاني، كما يعاني الدكتور عبد الله علي إبراهيم، من توفيقه الكاذب وترقيعه البائن الذي يجعله يظن بأننا يمكننا تحقيق ديمقراطية ليبرالية بفكر أحزاب الطائفية.
وبالمناسبة، فإن اضطراب الدكتور عبد الله علي إبراهيم البائن في كتاباته ناتج من ضعفه وعدم مقدرته على إدراك أن هناك خطوط تماس بين العلوم الإنسانية، وخاصة في مثلث الفلسفة وعلم الاجتماع والفلسفة السياسية.
وحتى اللحظة، فإن مقالاته الأخيرة وإصراره على نقد الدكتور منصور خالد تؤكد أن عبد الله علي إبراهيم غير مدرك بأن فلسفة التاريخ الحديثة ترتكز على فكر النيوكانطية، وقد تجلت في علم اجتماع ماكس فيبر، كما تجلت في فكر ماكس فيبر في كتاب «الاقتصاد والمجتمع»، وفي حديثه عن العقلانية كمعطى ناتج من تمحيصه للنظريات الاقتصادية وفهمه لتاريخ الفكر الاقتصادي.
وعليه، يمكننا أن نقول بارتياح: عندما يتحدث عبد الله العروي عن الليبرالية والحداثة نجده يقف كتفاً بكتف مع كل من عالم الاجتماع الفلسطيني هشام شرابي وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي في فهمهم لظاهرة المجتمع البشري التي تحدثنا عنها في عنوان المقال. وفهمهم لها لا يختلف عن فهم آدم سميث وعمانويل كانط لظاهرة المجتمع البشري، وطرحهم لفكرة العقلانية والأخلاق كفعل إنساني وفعل اجتماعي عفوي وتلقائي في تحقيقه لمعادلة الحرية والعدالة.
والمضحك المحزن أن عبد الله علي إبراهيم، في كتاباته عن مفهوم الدولة الحديثة عند ماكس فيبر، يفضح نفسه بشكل واضح لكل باحث محترم، ويظن الدكتور عبد الله علي إبراهيم، وهو مخطئ، أن الدولة الحديثة عند ماكس فيبر يمكن أن تكون تحت قيادة عسكرية أو شيوعية شمولية أو ملكية تقليدية أو تحت قيادة الإسلاميين، ولم يخطر بباله أن مفهوم الدولة الحديثة عند ماكس فيبر هو الجمهورية التي تحقق قيم الجمهورية عبر فصل الدين عن الدولة، وهي نتاج حديث ماكس فيبر عن زوال سحر العالم، حيث لم يعد للدين أي دور بنيوي على صعد السياسة والاجتماع والاقتصاد. فبأي حق يتحدث الدكتور عبد الله علي إبراهيم، بعد كل ما ذكرناه، عن مفهوم الدولة الحديثة عند ماكس فيبر وعن محاولة تحقيق ديمقراطية ليبرالية بأحزاب دينية في السودان؟
الفرق كبير، والبون شاسع، بين الدكتور عبد الله علي إبراهيم وبين كل من عبد الله العروي وهشام شرابي وعلي الوردي. فهؤلاء، عندما يتحدثون عن الحداثة والديمقراطية الليبرالية، لا يتلجلجون في مسألة فصل الدين عن الدولة كما يتلجلج الدكتور عبد الله علي إبراهيم ومن لف لفه من النخب السودانية التي أدمنت الفشل.
لذلك يمكننا القول إن الفرق بين الدكتور عبد الله علي إبراهيم وبين كل من عبد الله العروي وهشام شرابي وعلي الوردي سببه أن الثلاثة على إدراك عالٍ بالنقد التاريخي والأنثروبولوجيا التاريخية، فسهلت عليهم الخروج من التاريخ اللاهوتي الدائري الذي غرق فيه عبد الله علي إبراهيم، وضاع عليه السبيل المؤدي إلى التاريخ الأفقي الذي يفتح على الزمان الوجودي. ومن يريد أن يعرف كيف غرق عبد الله علي إبراهيم في التاريخ اللاهوتي، فليقرأ له كتابه «الصراع بين المهدي والعلماء»، ثم يقارنه بأفكار عبد الله العروي أو هشام شرابي أو علي الوردي.
أما الدكتور النور حمد، فقصته قصة أخرى مع الديمقراطية الليبرالية وقيم الجمهورية. فالنور حمد له جرأة عجيبة في القول على عواهنه. إذ يرى أن الديمقراطية ليست شرطاً للرفاه، وبالتالي لا يهمه أن تكون هناك ديمقراطية. وهذا، في رأيي، دليل على أنه لم يفهم أصلاً ظاهرة المجتمع البشري التي تحدث عنها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيون التاريخيون، ووصلوا فيها إلى رأي مفاده أن الديمقراطية هي زهرة قيم الجمهورية.
وهذا ليس رأي الدكتور النور حمد وحده، بل هو شأن أغلب النخب السودانية، ولذلك فشلوا، على مدى سبعة عقود، في إنجاز تحول ديمقراطي في السودان. فالدكتور النور حمد منبهر بالتقدم الاقتصادي للصين، وناسٍ أنها لم تصل إلى هذا المستوى العالي من الإنتاجية إلا بعد إدخالها لنمط الإنتاج الرأسمالي عام 1978. ويغيب عن أفقه أن الصين، على المدى البعيد، ووفقاً لنجاح نمط الإنتاج الرأسمالي فيها، سوف تمر بمرحلة تحول نحو الديمقراطية كتحول سياسي يواكب نجاحها الاقتصادي؛ لأن نمط الإنتاج الرأسمالي في الصين ذو علاقة طردية مع الديمقراطية. فلماذا غاب هذا البعد الفكري عن أفق الدكتور النور حمد؟
غاب عنه، كما غاب عن أفق الدكتور عبد الله علي إبراهيم، بسبب ضعف مناهج أغلب النخب السودانية على العموم. ولو تذكر الدكتور النور حمد أن الاتحاد السوفيتي كان في حالة تقدم تفوق تقدم الصين، إلا أنه تفكك وانهار تحت ثقل النظم الشمولية، وأنه تبدد بسبب غياب الحرية التي تقدمها النظم الليبرالية الديمقراطية، لما قال قوله على عواهنه.
ما فات على الدكتور النور حمد في قوله إن الديمقراطية ليست شرطاً، لم يفت على ريموند أرون، كفيلسوف وعالم اجتماع واقتصادي، الذي رأى أن الديمقراطية شرط مهم عندما قارن بين الاتحاد السوفيتي كقوة صناعية دكتاتورية وبين الدول الليبرالية في الغرب. وقد تنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي لأن الحرية والديمقراطية ليستا من هموم الشيوعيين. وهذا هو الفرق بين الدكتور النور حمد، الذي لا تعني له الديمقراطية والحرية شيئاً أمام الازدهار المادي، وبين ريموند أرون.
لقد قدم ريموند أرون أفكاره ومقارنته للاتحاد السوفيتي بوصفه مجتمعاً صناعياً، مثله مثل المجتمع الصناعي في الغرب، إلا أن غياب الديمقراطية والحرية سيكون سبباً مهماً في سقوطه. وهذا ما نريد أن نوضحه للدكتور النور حمد: أن كتابات ريموند أرون تبين أن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية تسير نحو قيم الجمهورية التي لا تحققها إلا الديمقراطية الليبرالية كما في الغرب، ولا يحققها الاتحاد السوفيتي، رغم كونه مجتمعاً صناعياً، لأنه ظل شمولياً تحكمه دكتاتورية بغيضة.
وكتاب ريموند أرون، للأسف الشديد، ليس لأفكاره أثر يُذكر في مكتبتنا السودانية. لذلك نجد كثيراً من المثقفين التقليديين السودانيين يتحدثون عن الصين كمنافس للغرب اليوم، متناسين أن نجاح الصين كان بسبب إدخالها لنمط الإنتاج الرأسمالي سوف يضع الصين، على المدى البعيد، أمام تحدي التحول نحو الديمقراطية؛ لأنه على الدوام توجد علاقة طردية بين الرأسمالية والديمقراطية، وعلاقة عكسية بين الشيوعية والديمقراطية.
وللتوضيح أكثر، ولإبراز الفرق بين الدكتور النور حمد وريموند أرون، فإن الأخير جعل الديمقراطية الليبرالية شرطاً وأفقاً لا يمكن تجاوزه، وهو يختلف عن الدكتور النور حمد في هذا التصور. ويعود اختلافه عنه إلى أن ريموند أرون، منذ عام 1930، كان مهتماً بالكساد الاقتصادي العظيم، وللمصادفة، تزامن ذلك مع اهتمام جون ماينارد كينز بالكساد نفسه.
ركز ريموند أرون على الفلسفة السياسية، بينما ركز كينز على الفلسفة الاقتصادية، وقد وصلا إلى فكرة التدخل الحكومي ومفهوم الدولة الحديثة في ظل قيم الجمهورية، وهي قيم لا تتحقق بغير الفكر الليبرالي بشقيه السياسي والاقتصادي. ومنذ ذلك الحين، فارق ريموند أرون أفكار الوضعية المنطقية التي كانت مسيطرة على أفق النخب الفرنسية، والتي كانت تتجسد في بعض امتدادات الفكر الماركسي وأوجست كونت.
وقد جاء ريموند أرون بفلسفة تاريخ حديثة لتحل محل تاريخ الفلسفة التقليدي، معتمداً على علم اجتماع ماكس فيبر كبديل لحتمية ماركس ويقينياته ووثوقيته. ومنذ ذلك الحين أصبح علم الاجتماع بعداً معرفياً في صميم ديالكتيك ريموند أرون، ومن خلاله وصل إلى فكرة أن عالم ومجتمع ما بعد الثورة الصناعية لا يمكن أن تسوقه يقينيات ماركس، لأنه أصبح عالماً منفتحاً على الشك، لا على يقين ماركس ذي الطابع اللاهوتي.
ومجتمع ما بعد الثورة الصناعية تتشابك فيه مشاكله المتجددة وتمسك بتلابيب بعضها البعض، ومن هنا خرج ريموند أرون بفكرة القرار والاختيار، وبناءً على ذلك اختار أفكار ماكس فيبر ودلتاي وهوسرل وجورج زيمل، وأبعد الماركسية عن مركز تحليله. ولذلك سُمّي في فرنسا بـ”الفيلسوف الذي لم ينخدع بماركسية ماركس”.
taheromer86@yahoo.com
