ظاهرة الهجرة غير الشرعية: مقاربة سلوكية .. بقلم: د. خالد محمد فرح


Khaldoon90@hotmail.com

ظلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية من بلدان النصف الجنوبي  للكرة الأرضية ، الفقيرة والمبوءة بشتى صنوف الكوارث الطبيعية ، والنزاعات السياسية ،والحروب ، والاضطرابات الأمنية ، إلى بلدان النصف الشمالي المستقرة سياسياً ، والمزدهرة اقتصادياً ، وخصوصاً من حيث توفر فرص العمل ذي العائد المجزي ، والمرفهة اجتماعيا ، لجهة توفر سائر المقومات المادية للرعاية والضمان الاجتماعي ، والخدمات الأساسية لجميع الأفراد القاطنين فيها ، ظلت تشكل هاجساً كبيراً بالنسبة لطوائف عديدة من الساسة والدبلوماسيين والأكاديميين والإعلاميين والباحثين في شتى أنحاء العالم ، عبر العقدين المنصرمين.

وقد طفق أولئك المهتمون بهذا الشأن يدرسون هذه الظاهرة بدقة ، ويحاولون تفسير الأسباب الكامنة من ورائها من مختلف الزوايا ووجهات النظر ، ويقترحون لها الحلول والمعالجات ما وسعهم ذلك.

ولم يقصِّر حتى الكتاب الساخرون ورسامو الكاريكاتور عن الإدلاء بدلوهم في هذا الموضوع ، إذ صوَّر بعضهم هذه الظاهرة على أنها تأتي من قبيل المعاملة بالمثل ، أو رد الزيارة بواسطة أولئك البائسين والمحرومين من سكان بلدان العالم الثالث ، إلى بلدان أوروبا التي سبق أن حشدت من قبل الجيوش بمئات الآلاف ، وأرسلتها على متون سفنها وبوارجها مدججة بأفتك أنواع الأسلحة إلى تلك البلدان ، وخصوصاً في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط ، فاستعمرتها عنوةً ، وانتبهت مواردها وخيراتها ، ابتداءً من القرن التاسع عشر ، وربما قبله ، كما هو الحال بالنسبة للاستعمار الإنجليزي للهند ، وللمستعمرات البرتغالية في إفريقيا على سبيل المثال.

فليس أقل من وجهة النظر الأخلاقية– بحسب هؤلاء – من أن تُحسن أوروبا والغرب عموماً استقبال أولئك الذين هاجروا ولجأوا إليها سلماً ، تكفيراً عما اقترفه جنودها الذين كانوا قد غزوا تلك البلدان عنفاً وحربا ، واستعمروها لعقود متطاولة من قبل. أو كما تدين تدان.

على أننا ما نزال نعجب – كما يعجب الكثيرون غيرنا – لسلوك آلاف الشباب من البلدان العالم الثالث ، الذين ما فتئوا يخوضون المخاطر الجمَّة ، غير آبهين –فيما يبدو – لما قد يتعرضون له من مهالك حقيقية ، في سبيل الوصول إلى الفردوس الأوروبي الموعود ، بل إنّ جل هؤلاء ، هم على علم بكل تأكيد بما يحدث ، أو حدث بالفعل ، ورأوه رأي العين من خلال شاشات التفزيون عبر نشراتها وتقاريرها الإخبارية المختلقة ،بالنسبة للمئات من الناس قبلهم ممن سلكوا ذات السبيل المخوف ، فكان مصيرهم أما الموت عطشاً في فلوات الصحراء الإفريقية الكبرى الرهيبة ، أو غرقاً في أمواج البحر الأنبيض المتوسط العاتية ، أو دهساً تحت إطارات الشاحنات العابرة لطرق المرور السريع الموصلة بين العواصم الأوروبية ، فكان حظهم هو شر الحالين من قول الشاعر العاشق في الأغنية الشعبية السودانية الشهيرة: ” القمر بوبا “:

روحي في دربك سايما

يا غرِقْ يا جيت حازِما

وبالطبع فإنَّ الهدف الذي يجازف من أجله الشاب هاهنا بحياته ، هو الظفر بالوصول إلى أوروبا والعيش والعمل فيها ، والتمتع بمهاجها وخيراتها.

ونعتقد أنّ حالة العوز واليأس والقنوط وانسداد الأفق ، التي تدفع آلاف الشباب من بلدان العالم الثالث نحو الهجرة إلى أوروبا بأي كيفية وبأي ثمن كان ، شبيهة – إلى حد كبير – بسلوك بعض قطعان الحيوانات البرية في بعض براري إفريقيا ، وذلك عندما تضطر إلى هجر مواطنها بالآلاف ومعها صغارها ، هرباً من الجفاف ونقص أو انعدام الماء والكلأ ، وإن اضطرها ذلك مثلاً ، إلى عبور بعض الأنهار سريعة الجريان ، والتي تغص مياهها وشواطئها عادةً بمختلف أنواع الضواري المفترسة ، كالتماسيح والأسود وغيرها ، حيث تهلك أعداد مقدرة من تلك القطعان بسبب تلك المهددات ، وكذلك بسبب الإرهاق من جراء طول الرحلة ، وخصوصاً على الصغار وكبار السن من تلك الحيوانات. ولكن السواد الأعظم من القطيع يضحي بتلك ” الخسائر ” كما يقال في لغة الجيش ، وذلك في سبيل الوصول إلى بقعة وفيرة المياه والكلأ ، تحفظ حياة الجم الغفير منه.

إنّ هذا السلوك الحيواني الجماعي ، الذي يجسد الرغبة الغريزية في البقاء وحفظ النوع من الانقراض ، معلوم وموثَّق ، ولا يندر أن يشاهد المرء نماذج منه من خلال بعض البرامج التلفزيونية الوثائقية ، وذلك على غرار مثل تلك التي تعرضها أحياناً ، قناة ” ناشيونال جيوغرافيك ” الفضائية وغيرها على سبيل المثال. فهل وصل حال بعض الناس في العالم إلى هذه المرحلة ؟

khaldoon90@hotmail.com

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً