Sudanile-Logo-SQ

عادل القصاص… لهذا الصمت صليل غيابك

hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في ثمانينيات القرن الماضي، كان المشهد الثقافي السوداني يغلي بتحولات كبرى؛ وبينما كان الجميع ينشدون التغيير في الشوارع، كان هناك “مختبر سري” يُدار بصمت في أروقة الصفحات الثقافية، يقوده جيلٌ لم يشأ أن يكتب الحياة كما يراها، بل كما يرتجف بها الوجدان. في قلب هذا المختبر، برز عادل القصاص، ليس كقاصٍ عابر، بل كصاحب مِبضع لغوي أعاد رسم تضاريس القصة القصيرة السودانية، مخرجاً إياها من فخاخ المباشرة إلى رحابة الرمز والتشريح الوجودي.
وعلى المستوى الشخصي، لا أزال أستعيد تلك اللحظة الفارقة التي شكلت وعيي بجماليات السرد الحديث؛ كانت لحظة “الاصطدام” الأول عبر صفحات مجلة “حروف”، تلك الدرة التي كانت تصدر عن دار جامعة الخرطوم للنشر. قرأت له نصاً لم يكن يشبه أي شيء مما ألفناه؛ نصاً يرتطم بالروح ويخلخل طمأنينة القارئ التقليدي، ويفتح نوافذ على عوالم مدهشة وغامضة. كان القصاص حينها، رفقة مجايليه من سدنة الحداثة ورفاق الحرف مثل عيسى الحلو، ومبارك الصادق، وبشرى الفاضل، يرفعون سقف التوقعات من الكلمة، محولين القصة من “مجرد حكاية” إلى “كيان وجودي” مكتمل الأركان.
لقد كان القصاص صوتاً ريادياً وفارقاً في منابرنا الثقافية العظيمة؛ من صحف “السياسة” إلى “الأيام”، ومن “الخرطوم” إلى مجلة “حروف”. وفي هذه المنصات، تشكلت ملامح تجربته التي اتسمت بـ “الانسياب الوعر”، حيث تتدفق الجملة بنعومة فائقة لكنها تحمل في أحشائها أسئلة الكينونة القاسية. وتتجلى ذروة هذه التجربة في نصه الأيقوني “عفواً كنتُ أمارس فيكِ العشق”، العنوان الذي لم يكن مجرد عتبة لنص، بل كان بياناً شعرياً وسردياً صادماً ومختلفاً. هنا يقتحم القصاص “تابو” الجسد لا برغبة الفضول، بل بوعي “مورافي” (نسبة إلى الإيطالي ألبرتو مورافيا) يشرح عبره علاقة الإنسان بالسأم والاغتراب؛ فالجسد عند القصاص هو الملجأ الأخير، والعشق عنده فعل مقاومة ضد وطن يضيق، وزمن يتآكل.
أما في قصته المشهورة جداً “ذات صباح.. ذات مساء سادس أخضر”، فيبرهن لنا القصاص على أنه معماري القصة السودانية الحديثة بامتياز. فمن خلال حكاية “النقاش” الذي يطلي بفرشته الجدران ويرقب من أعلى سلّمه الحركات القلقة للجسد الأنثوي المار في باحات الحوش، وانغماسه في كيمياء الشد والجذب والإغواء، وانكسارات وخيبات التواصل الجسدي؛ يترك لنا القصاص هناك بصمته الأبدية في فن القصة السودانية في ذاك النص الفارق. وفي قصته “صفاء.. لهذا الصمت صليل غيابك”، لا يكتب عن الغياب كفقدان عابر، بل يحوله إلى “صليل”؛ ذلك الصوت الحاد الذي يثقب ذاكرة القارئ ويتركه في مواجهة عارية مع شخوصه المأزومة والباحثة عن خلاص في تفاصيل اليومي والعابر.
لقد تميز عادل القصاص عن السائد برفضه للغة “الوسطى” والحياد البارد؛ كان ينحت مفرداته نحتاً، ويجعل من الجنس ثيمة معرفية تستكشف أغوار النفس البشرية بعيداً عن الابتذال التقليدي. لقد منح جيل الثمانينيات “أنياباً جمالية”، وجعل من القصة السودانية الحديثة جنساً أدبياً قادراً على مضاهاة السرد العالمي في تعقيده وتفرده. سيظل القصاص هو الكاتب الذي علمنا أن الكتابة، في أسمى تجلياتها، هي تمرين شاق ومستمر على ممارسة العشق في وجه الغياب، وأن الصمت حين يكتبه مبدع مثله، يصبح صوتاً يملأ الآفاق صليلاً وحنيناً.

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

الهوية السودانية وذاكرة الكتابة

hishamissa.issa50@gmail.com​بقلم: هشام الحلو​ليس أقسى على المرء من أن يقف أمام أطلال ذاكرته؛ تلك التي ظن …