عادل شرفي كما عرفته … ضد أحاديث الإفك

 


 

 

 

اندهشت للحملة التي شنتها بعض الجهات ضد الزميل السفير عادل شرفي وهي حملة غير مؤسسة وضعيفة الأكاذيب وسيئة الإخراج . وأنا أقرأ سيل الأكاذيب البائسة همست لنفسي " إن حراس النظام القديم اختاروا جبلاً أشم ليرموه بأسهم من قش ،وبيتاً لا تزال تدوي بين جنباته طبول مقاتلي الأنصار وهم يدكون حصون الاستعمار " . لقد طاشت أسهم الاسلاميين هذه المرة وهم يختارون وطنياً شهماً ودبلوماسياً صوفياً وشهيداً يمشي بين الأحياء وأسرة فرعها في الخرطوم وأصلها في كرري وأم دبيكرات " أسرة أل أحمد شرفي " .


عادل شرفي وآل شرفي كما عرفتهم
إلتقيت أخي وزميلي عادل شرفي أول مرة في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة الخرطوم في عام 1984حيث كنا نعد دراسات عليا في المعهد وشاء ت المقادير الطيبة أن نلتقي مرة أخرى في وزارة الخارجية التي دخلناها معاً في عام 1985 . جئت من أسرة عمالية بسيطة مثقلة بأعباء النضال الوطني مثلها ومثل معظم الأسر في مدينة عطبرة أم المدن .وجاء عادل شرفي من أسرةوطنية عريقة زاوجت بين النضال الوطني والعلم والإدارة ، وهو أيضاً أبن المحافظ حسين شرفي الذي أدار المحافظة التي ولدت فيها آنذاك " المديرية الشمالية" بإقتدار وشرف وأمانة حتى أطلقت مئات الأسر في ذلك الإقليم الشاسع إسمه على أطفالها وأقام الناس حديقة جميلة حملت اسمه في دامر المجذوب مركز نشاطه عليه الرحمة. كانت الحركة الديمقراطية في ذلك العام 1985 تستعد لخوض معركتها الأخيرة ضد الديكتاتورية الثانية ، تركت عطبرة وحركة الإعتقالات تكاد تشلها ، حركة دائبة في كل الوطن من أجل الخلاص . في رحاب الوطن وفي بحر همومه التقيت عادل شرفي وإندهشت في البداية لإكتشف ثورياً من طراز فريد ، ثورياً أنيقاً ومنعماً وجسوراً .


ابن المحافظ وروح الأنصار أو روح جيفارا لا فرق.
في تلك المرحلة العمرية كنا متحمسين لاسقاط الدكتاتورية العسكرية الثانية التي وضعت في آواخر أيامها قناعاً إسلامياً كاذباً ، وكنت إلتقي عادل شرفي من غير ميعاد في وسط الجموع يردد شعاره المحبوب "عاش نضال الشعب السوداني" ، وكنت أمازحه وأنا أمسك بربطة عنقه الأنيقة" يا زعيم إذا فشلت الحركة الجماهيرية في إسقاط النظام قد لا تحتاج إلى هذه الكرفتة" فيطلق ضحكته المتميزة تلك ويقول " سيفتح الله باباً جديداً " وسقط النظام في السادس من إبريل وأحتفظ الدبلوماسي الشاب بربطة عنقه . وليبدأ السودان مرحلة جديدة من تاريخه .
تم نقلنا في كشف واحد في عام 1987 شرفي إلى الدوحة وشخصي إلى ابوظبي وسرعان ما اندمج شرفي في مجتمع الدوحة وأصبح نجماً محبوباً هاشاً باشاً يخدم شعبه الذي أحبه في إخلاص منافحاً عن الديمقراطية الي إرتضاها شعبنا في ذلك الزمن . بعد ساعات قليلة من إنقلاب الجبهة القومية الاسلامية اتصل بي شرفي وقد بدى حزيناً لكنه متوثب وقال لي " هذا إنفلاب الحركة الاسلامية " قلت له نعم ، وأضاف ماذا سنفعل ؟ تدارسنا الأمر وقد رأيت يومذاك أن نقدم إستقالتنا وننضم للقوى التي ستقاوم النظام الجديد وكان هو أكثر حكمةإذ أشار إلى أهمية أن نبقى في مواقعنا للدفاع عن شعبنا ومساعدة قوى المعارضة متى ما إحتاجت لنا . وبعد فترة قصيرة أنشأنا التجمع الوطني الديمقراطي للدبلوماسيين السودانيين واخترنا السكرتير الثاني عادل شرفي رئيساً له وشخصي سكرتيراً عام لهذا الجسم الجديد وتواصلنا مع بقية الزملاء وتم الإعلان عن هذا الجسم في مكتب المحامي المناضل الإنسان عمر صديق في أبوظبي بحضور ممثلين عن حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب البعث العربي الإشتراكي. لقد أسهم هذا التنظيم الذي مر على تأسيسه 30 عاماً بقيادة الزميل عادل شرفي في كشف وتعرية النظام وقدم مساهمات معروفة للمعارضة السودانية وحمل رسائل المعارضة للدول والمنظمات وأصدر عدداً كبيراً من البيانات وهذه قصة طويلة ستصدر في كتاب تحت عنوان " لمحات من نضالات القوى الوطنية والديمقراطية وسط الدبلوماسيين السودانيين يونيو 89- سبتمبر 2019 ". بعد نقلنا تعسفياً قبل إكمال فترة عملنا في عام 1990 عدنا معاً إلى الخرطوم وواصلنا نشاطنا المعارض في الخرطوم وسط ظروف صعبة وكان واضحاً أن العمل الدبلوماسي والتنظيمي في وسط أجواء الهوس الديني والفصل وسياسات الإحلال والإبدال والتمكين وما أطالف عليه بالدبلوماسية الرسالية كان شديد الصعوبة . سافرت أنا الى الصين للدراسة وسافر عادل إلى المعهد الدبلوماسي في نيروبي . عاد الزميل عادل شرفي إلى الخارجية من نيروبي ليجد في إنتظاره تقريراً مغرضاً من جهاز الأمن حمل إتهامات لا أساس لها من الصحة ليبدأ عقد كامل من التضييق والأذي والملاحقة والعقوبات التي شملت عدم النقل للعمل في سفارات السودان في الخارج والتخطي في الترقيات وقد إستمر هذا الوضع لأكثر من عقد من الزمن . وهكذا واصلت أجهزة الحركة الإسلامية بكل آلياتها وجيشها ومنتسبيها تطارد هذا الدبلوماسي من إدارة إلى إدارة ومن سفارة إلى سفارة وهو في عناده الوطني لا يتزحزح ينافحهم الحجة بالحجة شاهراً صوته وضحكته الساخرة يلملم ألمه وحزنه وربطة عنقه الأنيقة في صبر وجلد ورباطة جأش نادرة .وكان ما يحيرني بأنه لايحمل حقداً على جلاديه ومطارديه ثابتاً في متاريس المقاومة يلقاهم باسماً وضاحكاً معلناً عن موقفه من نظامهم وسلوكهم عابراً لنهر أحزانه الخاصة ، وكنت اتعجب من هذا السلوك فيطلق ضحكته النقية تلك قائلاً " مساكين بعضهم مخدوع ومعظمهم لصوص " .
واجه شرفي وزرائهم ومدرائهم ومنتسبيهم في وزارة الخارجية ورفض من موقعه كمسؤول في إدارة شرق أوربا استضافة الجماعات الاسلامية المعارضة للحكومة المركزية في روسيا معرباً عن إعتراضه على تعريض الأمن القومي للبلاد للخطر والدخول في عداء قوى كبرى مثل روسيا دون أسباب وجيهة ، وأطلق على هذا السلوك " طفوله إسلامية فطيرة " على قرار طفولة يسارية .


لا مساومة لا إستسلام
تدهورت أحواله الإقتصادية ومرت عشرات من قوائم النقل والترقيات لتتخطاه. لقد كانت معركة كسر إرادة بين مؤسسة كاملة ودبلوماسي أعزل لا يحمل سوى قلمه وارادته وإيمانه بأن القيد سينكسر حتماً "هذه إرادة السماء ومشية التاريخ "، هكذا كان يردد .


عادل شرفي المستنير والتدين اللطيف
قد يخدعك منظر عادل شرفي الغربي الأنيق وشعر رأسه الكثيف ونظارته ، لا يعطيك مظهره وحواراته المستنيرة عن الديمقراطية والدولة المدينة وحقوق الشعوب السودانية شعور بتدين صاحبه وقد حسبته كذلك حينما خالطته لأول مرة ، إلى أن سكنت معه في منزله لعام كامل حيث كان يستيقظ مع آذان الفجر ليؤدي فريضته ويظل يقرأ الأدعية ويرتل بعض من القرآن الكريم حتى ساعة توجهنا معاً إلى وزارة الخارجية وقد رأيته هكذا لعام كامل مدة سكني معه لكنه كان يرفض أن يؤدي صلاة الظهر في مسجد وزارة الخارجية حيث يتدافع الكثير من الدبلوماسيين للصلاة خلف وزيرهم ، وكنت أساله لماذا لا تؤدي الفريضة جماعة في مسجد الوزارة فيقول لي الصلاة لله وليس للوزير ، ثم يضع سجادته على أرضية مكتبه ليصلي ولا يزال يمارس عبادته .


دبلوماسية التصفية الجسدية الرسالية
قضى شرفي في معظم الاحوال فترات عمل قصيرة في السفارات التي عمل بها وكان في كل تلك البعثات قريب من شعبه حيث فتح بيته لكل السودانيين معارضين وغير معارضين وتحمل أيضاً الأذي إلا أن الأذى الذي كاد أن يتحمله في يوغندا كان فوق الإحتمال . كانت تلك محطته الأخيرةوآخر فصول الصراع المكشوف بين هذا الدبلوماسي الصبور وخارجية الحركة الإسلامية وهي قصة سردها شرفي في توضيحه الموسوم " بأحاديث الإفك في وزارة الخارجية " ويمكن الرجوع لهذا المقال الرصين . على كل تتلخص قصة يوغندا بأن شرفي السفير حينذاك إكتشف مخططاً إجرامياً لتصفية قيادات المقاومة المسلحة في يوغندا وبالتحديد المناضلين جبريل إبراهيم وعبدالواحد محمد نور . من موقعه كسفير في تلك العاصمة رفض هذا العمل وطلب إيقافه فوراً ولما مضت أجهزة الحركة الإسلامية في خطتها كشفها السفير شرفي وأبلغ قادة هذه الحركات وحمل أسرته وترك لهم سفارتهم ورحل الى لندن باحثاً عن مكان آمن وهو يعرف إن حياته أيضاُ قد أصبحت في خطر عظيم .


مشكلة الحركة الإسلامية مع الأسر الراسخة في العلم والوطنية والثروة !
من المعروف في سودان ما قبل إجتياح خفافيش الحركة الإسلامية في يونيو 1989 للسودان ومحاولات تمزيقه وهندسة العلاقات الإجتماعية والإقتصادية وتفكيك أسس المجتمع ، كانت هناك أسر معروفة بوطنيتها وعطائها في مجالات الإقتصاد والسياسة والإدارة والتعليم منتشرة في جميع أنحاء السودان مسلمين ومسيحيين ، والمعروف أيضاً بأن الحركة الإسلامية بعد إستيلائها على البلاد إستهدفت هذه الأسر في حالة مرضية نادرة ، إستهدفتها في مالها وسمعتها وسطت على تجارتها ومراكز سلطتها واستهدفت مكانتها الاجتماعية وسعت إلى خلق طبقة جديدة من الاسلاميين الطفيليين لتحل محلهم وإغتنوا بنشاط طفيلي مضر قائم على الفساد ونهب الموارد وشراء الذمم . وها هو قائدهم الطاغية المخلوع في مشهده العبثي يكشف عن نذالته وضحالته وحقارته وتلقيه للرشاوي من العدو والصديق في تذلل ومسكنة مخيفة . كانت أسرة حسين شرفي من ضمن هذه الأسر التي لم تقبل أن تكون جزء من جريمة الإسلاميين ضد بلد قدم من أجله جدهم أحمد شرفي الغالي والرخيص دفاعاً عن سيادته وكرامته . لقد استشهد كل أبناء أحمد شرفي الجد الاكبر لعادل شرفي في معركة أمدبيكرات وهم يواجهون القوى الإستعمارية بصدور عارية بينما مات عدد منهم في الأسر . من صلب هذا المحارب العظيم جاء حسين شرفي والد عادل شرفي أعظم إداريي السودان وأكثرهم همة وأمانة عليه الرحمة . المحافظ الذي كان يقود سيارته لوحده دون ضجيج ولا تهليل ولا تكبير ليتفقد القرى والجداول والمدارس والأسر . وقد جاء عادل من هذا البيت الكبير الذي زاوج بين العلم والتراث والإستنارة . إن معاداة الاسلاميين للأسر الكبيرة في السودان ظاهرة تستحق أن ينكب عليها علماء النفس بالدراسة والتشخيص .

المكتب السري للحركة الإسلامية وإشاعات الدفاع عن التمكين
في تقديري لا يمكن أن نفهم الحملة التي تعرض لها الزميل عادل شرفي إلا في إطار الحملة المنظمة التي يقودها المكتب السري للحركة الاسلامية الذي أسس حديثاً للقيام بمهمة واحدة لا غير وهو بث الإشاعات واستهداف الوطنيين والديمقراطيين ونشر موجة جديدة من الترويع والارهاب ضد المناضلين ورواد التغيير لوضع العراقيل أمام الثورة وناشطيها وتعطيل تفكيك دولة الحركة الإسلامية ما تيسر ذلك . إذن هي معركة طويلة لا يقف إستهدافها عند الزميل شرفي ولا مناضلي قوى الحرية والتغيير فقبل دقائق من إختتام هذا المقال لاحظت في وسائل التواصل الاجتماعي حملة مشابهة على الزميلة أسماء محمد عبدالله المرشحة كأول وزيرة خارجية في تأريخ السودان بل ورئيس الوزراء الجديد حمدوك نفسه ولن تقف الحملة عند هذه الحد . سيواصل شعبنا تقدمه نحو الديمقراطية والدولة المدنية وسيواصل مكتب الاشاعات الاسلامي أحاديث الإفك .

د. جعفر كرار أحمد
الصين – بكين
5 /9/2019


eastofahmed60@yahoo.com

 

آراء