عامل المكون العسكري في مسار ثورة ديسمبر المجيدة .. ما بين قناعات الدور السياسي والاقتصادي وحق الوصاية  .. بقلم: د.  شمس الدين خيال

علي أرضية وثيقتي “الإعلان الدستوري” و”الإعلان السياسي” الذي يخص هياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، والتي وقع عليها في أغسطس 2019، كل من المجلس العسكري (المحلول) وقوى “إعلان الحرية والتغيير” تم إختيار د. عبدالله حمدوك من قبل قوى الحرية والتغيير وقبول المكون العسكري له، ليتولى قيادة الفترة الانتقالية كرئيسآً للوزراء.  بموجب الوثيقة الدستورية تم التوافق علي قيام “مجلس سيادي” بمهام تشريفية لمدة فترة 39 شهراً، مكون من خمسة عسكريين وخمسة مدنين تختارهم قوي الحرية والتغيير، إضافة ً لعضو مدني يختار بتوافق المكونين، وعلي أن يتولي المكون العسكري رئاسة المجلس لمدة 21  شهراً، والمكون المدني 18 شهراً. وبموجب الإعلان السياسي تم التوافق علي إيلاء كل من وزارة الدفاع والداخلية للمكون العسكري، وعلي أن يشرع المكون العسكري في وضع الترتيبات الأزمة لبناء “جيش قومي موحد”، حسب ما هو مضم في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية.
وعلل المكون المدني التوافق علي الشراكة مع المكون العسكري، بالوضع السياسي المتأزم، وحالة الحرب في دارفور وجبال النوبه، والانهيار الاقتصادي والوضع الإجتماعي المتدهور، والعزلة العالمية التي كانت فيها البلاد، ورجح كفة القوي لصالح “المجلس العسكري” (والمحلول بعد ذلك التوافق). وذلك رغم حدوث “مذبحة فض أعتصام القيادة العامة” في 03.06.2019، ورغم وجود إشارات لمسؤولية المنظومة الأمنية فيها. وقد قبلت هذه المشاركة السياسية بين المكون العسكري والمدني بدعم وترحيب كبير من المجتمع الإقليمي والدولي، ووصفت آن ذاك علي أنها نموزج يحتزي به، وكطريق لإعادة بناء “الدول الفاشلة” عبر الإنتقال السياسي لبناء نظام مدني ديمقراطي. ووصف رئيس الوزراء الشراكة السياسة مع المكون العسكري ب”التناغم الملهم”، وذلك قبل بضعة أشهر من تقديمه لمبادرته “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال، الطريق إلى الأمام”، التي تهدف الى توسيع القاعدة السياسية والمجتمعية للحكم الانتقالي، في  22 يونيو 2021.
• إستمرار سلطة المنظومة الأمنية رغم ميثاق الشراكة السياسية مع قوي الحرية والتغيير
بعد ثلاثين عامًا من حكم نظام شمولي عقائدي أسلاموي، كرس كل جهده لتسخير إقتصاد وثروات البلاد الطبيعية والبشرية لبسط سلطته السياسية والاقتصادية، وبعد ثلاثة أعوام من سقوطه تتحكم المنظومة الأمنية، بقيادة المؤسسة العسكرية التي ادلجها وهيئها النظام الساقط لخدمة تمكينه السياسي، وبنفس الهياكل والقيادات. تحديدا تتركز السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية الحقيقية في البلاد منذ سقوط النظام في 19 ديسمبر 2018 في يد المكون العسكري، الذي كان يشارك قبل قيامه بانقلاب 25 أكتوبر “قوي الحرية والتغيير” في إدارة الفترة الانتقالية. ويمارس المكون العسكري هذه السلطة المطلقة، ليس بتكليف شرعي، بل بقوة الامكانيات الأمنية والمادية والهياكل التنظيمية والسياسية الموروثة من النظام الساقط. وتعمل المنظومة الأمنية علي أحكام قبضتها على مفاتيح السلطة عن طريق خلق تحالفات السياسية مع مكونات جهوية واثنية وعشائرية مرتبطة بنظام الجبهة الإسلامية الساقط، وكسب حلفاء إقليميين وعالمين ذو مصالح سياسية واقتصادية وجيوسياسية في السودان.
• قناعات المنظومة الأمنية السياسية والاقتصادية
المنظومة الأمنية بقيادة المجلس العسكري تحاول أن تظهر على الدوام للشعب السوداني وللعالم الخارجي، وهنا بالأخص للدول الداعمة للتحول الديموقراطي، علي انها الجهة الوحيدة التي في إستطاعتها الحفاظ على أمن ووحدة البلاد، وتحقيق الانتقال السياسي والاقتصادي، والسلام مع مجموعات الكفاح المسلح التي ناضلت ضد نظام الجبهة الإسلامية المدحور. في إتجاه المجتمع الدولي -خصوصاً للدول الأوربية- تقدم قيادة “الدعم السريع” -كجزء أساسي من المنظومة الأمنية في هذه المرحلة- في كل مناسبة نفسها كقوي حليفة وقادرة للحد من “تجارة البشر” المرتبطة بالهجرة الغير شرعية وتوقيف تدفقات اللاجئين الى إوربا عبر الأراضي السودانيه.
في حقيقة الأمر، ينطلق المكون العسكري في دوره السياسي الحالي من قناعات سياسية تجذرت داخل القوات المسلحة السودانية على مدى حكمها للبلاد لأكثر من خمسة عقود من عمر الدولة السودانية الحديثة الذي يبلغ في نهاية هذا العام 65 عاماً . بالنسبة المنظومة الأمنية، بقيادة القيادات العليا للقوات المسلحة تتمثل هذه القناعات السياسية: أنه الوريث الشرعي والطبيعي للنظام السابق، ومن واجبه وأحقيته الوصاية على الدولة والشعب السوداني. في ذلك المضمار قال البرهان بحضور نائبه في مجلس السيادة، وقائد قوات الدعم السريع في خطابه بمناسبة تخريج دفعة من “عسكر العمليات الخاصة” بمنطقة فتاشة العسكرية: “نحن أوصياء علي البلد دي”. ومن أجل الحشد والتعباءة السياسية ضد السياسيين المدنيين يستغل القائد العام للقوات المسلحة وقائد قوات الدعم السريع بجانب المناسبات العسكرية كذلك “صحيفة القوات المسلحة”وغيرها من آليات العمل السياسي الدعائي.
 ويأتي لتواجد قوات الدعم السريع وظروف نشوءها وهياكلها، وتطور دورها العسكري الأمني دوراً مهماً في تمدد وتعميق القناعات للدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية بين محتسبيها، خصوصاً بين القيادات العليا. حيث تكونت قوات الدعم السريع كملشيات قبلية واثنيه تحت مسمى “الجنجويد”، تحت مظلة “جهاز الامن والمخابرات” وتحت ائتمارة رئيس الدولة، كوحدة قتالية لدعم القوات المسلحة في في دارفور، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث. تابعاً لمصادر توثقية داخلية وخارجية، لعبت هذه القوات دورًا أساسيًا في الإبادة الجماعيه والتطهير العرقي في دارفور. وفي عام 2015 أضيفت إلى مهامها مهمة الحد من الهجرة الغير الشرعية الي أوروبا عبر الحدود السودانية. ثم توسعت دائرة نشاطها العسكري الي خارج الحدود السودانية بمشاركتها في الصفوف الأولي في الحرب الأهلية في اليمن. وفتحت لها هذه المشاركة نافذة للتعاون العسكري والاقتصادي، وبناء علاقات سياسية إقليمية .وعالمية. الأمر الذي منحها درجة عالية من الاستقلالية عن منظومة الدولة الأمنية وعن أجهزة الدولة الأخري
بدافع تحجيم قوتها العسكرية والاقتصادية والإستقلال المتزايد ووضع جداً لتوسعها العسكري والاقتصادي والسياسي وللتجاوزات الأمنية لمحتسبيها في مناطق مختلفة، وإرتباطاً بتزايد الضغط العالمي المتمثل في قرارات „محكمة الجنايات الدولية“ في طلب مثول رأس الدولة الجنرال عمر البشير، وبعض رموز نظامه أمامها، إصدار برلمان النظام الساقط في يناير 2017 قانون يلزم تبعيتها للقوات المسلحة وإئتمارها بأمر قائد القوات المسلحة. الأمر الذي لم يكن له قبول في قيادة قوات الدعم السريع، التي تمددت وبنيت سياساتها التجنيدية والتحفيذية والتحالفية وهياكلها على الوضع المستقل لتظيمها وعملها. وبعد حوالي أقل شهرين من مجزرة فض أعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، أقر الجنرال عبد الفتاح البرهان في 30 يوليو 2019 إلغاء المادة 15 من „قانون قوات الدعم السريع“ التي تحدد تبعيتها للقوات المسلحة. وتم .ذلك الإجراء من غير تسمية أسباب عسكرية أو سياسية تعلل ذلك
• منابع وخلفيات القناعات السياسية للمنظومة الأمنية
ارتباطًا بهذه القناعات السياسية والاقتصادية للمنظومة الأمنية لم تظهر القيادات العسكرية والأمنية الحالية في ممارساتها الأمنية أو سلوكها السياسي، سواء ان كان تجاه المواطنين المشاركين في المواكب السلمية، أو تجاه الصحفيين والمبدعين الناقدين لهم، أو تجاه شركائها المدنيين في قيادة الفترة الانتقالية إي قناعات بمبادأ حقوق الإنسان في حرية الرأي والتظاهر والتجمع. الأمر الذي يؤكد عدم توفر قناعة بالديموقراطية كنظام حكم تحت سلطات مدنية. ويرجع نشوء هذه القناعات، خصوصًا داخل القوات المسلحة، الي الأدلجة السياسية التي مارستها الأحزاب العقائدية بين القيادات العليا في القوات المسلحة منذ نيل الإستقلال السياسي، والي الهياكل الإدارية، والي نشاطها الاقتصادي المتزايد، والعلاقات والانتماءات المحورية الإقليمية والعالمية التي نمت وتثبتت خلال حكمها للبلاد. ولعب نظام الجبهة الاسلامية المرتبط بمشروع “الدولة الاسلامية” على أساس “أسلمة” مؤسسات ألدولة المدنية، وإنفرادها في حكم البلاد لثلاثة عقود، دوراً كبيراً في ذلك الصدد.
ومن أهم آليات الادلجة الإسلاموية للقوات المسلحة ولباقي المنظومة الأمنية كانت – سياسة إعتماد عقيدة “الجهاد الاسلامي” و”الدفاع عن الإسلام” وعن “دولة الإسلام” …الخ، كعقيدة عسكرية، بدلًا عن العقيدة الوطنية، وخوض الحروب ضد مواطنين الدولة علي اساسها، سواء ان كان في جنوب السودان أو دارفور وجبال النوبة، أو ضد السياسيين المدنيين المعارضين. كذلك “لاسلمة” المنظومة الأمنية أتبع نظام الجبهة الإسلامية سياسة توظيف الكوادر الإسلامية وأتباعهم والمقربين منهم، خصوصاً في الرتب العلي، وتقديم الحوافز المالية بسخاء وغيرها من الخدمات المالية والصحية والاجتماعية… الخ. وفي تأمين واستدامة هذه الامتيزات المادية لازالت المؤوسسات الإنتاجية والتجارية والخدمية المدنية التابعة للمنظومة الأمنية تلعب دوراً أساساً. بذلك لعبت سياسة التمكين داخل المنظومة الأمنية عبر تأمين واستدامة الامتيازات المادية لمحتسبي القوات المسلحة السودانية دوراً مهماً في زرع القناعات للدور الاقتصادي لها بين القيادات العليا.
وبعكس موؤسسة „قوات الشعب المسلحة“ التي تأسست ونشاءت علي هدف حماية أرض الوطن مبادئ وطنية حرفية     تكونت قوات الدعم السريع كامليشية لنظام الجبهة الإسلامية علي هدف محاربة المجموعات المعارضة المسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وعلي مباديء وأسس سياسة الهوية القبلية الاثنية الجماعية وارتباطها بالنزاعات القائمة بين المجموعات الاثنية على الأرض والمرعي، وعلي أستقلالية إدارية عن المنظومة الأمنية، وإمتيازات مادية، تمددت مع الوقت الي امتيازات في التعدين والتجارة. ارتباطا بتلك الخلفيات لنشواءها تكونت هياكل وقناعات تعكس دورها السياسي والاقتصادي الحالي في السودان. ويلعب هدف الحفاظ علي „الوضع المستقل“، الذي اكتسبته عبر الأدوار التي كانت تقوم بها تحت نظام الجبهة الإسلامية دوراً اساسياً في الموقف السياسي لقياداتها. وتتمثل قناعات قيادات قوات الدعم السريع في: الحق في كامل الحرية في إختبار طريقة إدارتها وإختيار منسوبيها وطريقة عملها الميداني وتحالفاتها وعملها خارج الحدود السودانيه، واقتناء السلاح والتعاون العسكري الخارجي، والحق في النشاط الاقتصادي، خصوصاً في مجال التعدين، والحق في إنشاء مؤسسات اقتصادية خاصة بها…الخ، والحق في الميزانية المنفصلة عن وزارة الدفاع. ارتباطاً بكل هذه الامتيازات الاقتصادية والمالية يعتبر هيكل مرتبات قوات الدعم السريع أكثر جاذبية من هيكل .مرتبات ضباط وجنود قوات الشعب المسلحة
• أهداف سياسة المنظومة الأمنية
ارتباطًا بخلفية أهداف ومبادئ تأسيس المؤسسات الأمنية وتطور دورها في سياسة واقتصاد البلاد، ووضع محتسبيها المادي والاجتماعي المتميز -خصوصاً في الرتب العليا، ومقارنةً بقطاعات الشعب الاخرى-، تهدف السياسة الداخلية والخارجية للمكون العسكري، علي التصدي لإي سياسة أو مجموعة سياسية تهدف الي تغيير العوامل التي تهيىء لها تحقيق قناعاتها لدورها السياسي والاقتصادي في الدولة السودانية. في هذا الصدد تهدف سياستها لمكافحة أي برنامج سياسي للمكونات يهدف الي هيكلة المؤسسات الامنية ووضعها تحت قيادة مدنية، وإيلاء الشركات التجارية والصناعية المدنية التابعة لها لملكية الدولة. وبما يخص مؤسسات الحكم الانتقالي هدف المكون العسكري بانقلابة في 25 أكتوبر إعاقة تولي المكون المدني لرئاسة مجلس السيادة، حسب ما نصت عليه الوثيقة الدستورية، والمضي قدمًا في تفكيك هياكل النظام السابق وإرجاع الأموال المنهوبة الي خزينة الدولة. ورغم عدم وجود موقف واضح ودلائل واضحة تثبت عرقلة المنظومة الأمنية لعمل لجنة فض أعتصام القيادة، وللتحقيق في حوادث قتل المتظاهرين، لا توجد إيضا مواقف داعمه وجدية لإظهار الحقائق وينطبق هذا السلوك أيضاً علي ملف تسليم مطلوبي المحكمة الجنائية االدولية. وذلك رغم مسؤولية المكون العسكري عن عمل وزارة الداخلية المنوط بها حفظ الأمن القومي وأرواح وممتلكات المواطنين.
اما خارجياً يبذل المكون العسكري كل جهده للحفاظ وتعميق التحالفات والعلاقات العسكرية التي بنها نظام الجبهة الاسلامية خلال عزلته العالمية، مع روسيا والصين وتركيا ودول الخليج ومصر. وترتبط العلاقات مع هذه الدول بمصالح عسكرية واقتصادية متبادلة. بجانب العلاقات العسكرية مع روسيا من أجل الحصول على السلاح والتدريب العسكري يمثل مشروع القاعدة البحرية الروسية علي ساحل البحر الأحمر ورقة ضغط على الإدارة الأمريكية من أجل الوصول إلى تغير في سياستها الرافضة للدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية في الدولة السودانية. كذلك العلاقة العسكرية والاقتصادية مع الصين الشعبية تنطلق من هذا المفهوم في سياسة المكون العسكري الخارجية.
وينطلق المكون العسكري في سياسة تقويته لهذه العلاقات من تطابق أو تقارب وجهات النظر حول وجوب استمرارية الدور السياسي والاقتصادي للقوات المسلحة في السودان. وذلك بعكس وجهة نظر وسياسة المعسكر الغربي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الداعمه للانتقال السياسي الديموقراطي بهدف الوصول إلى تأسيس نظام مدني ديموقراطي.
• الإستقطاب السياسي في سياسة المنظومة الأمنية
تحت وضع هيمنة المكون العسكري في إدارة ألدولة سياسياً واقتصادياً، وفقدان المكون المدني لإمكانيات وآليات ضغط عبر المؤسسات الأمنية والدستورية والإدارية للحد من هذه الهيمنة في إدارة الفترة الانتقالية توسع الأخير في سياسة الاستقطاب السياسي بين المجموعات المسلحة المنضوية تحت “إتفاقية سلام جوبا”. وامتدا النشاط الإستقطاب ليشمل زعماء العشائر والطرق الصوفية، والأحزاب السياسية التي كانت متوافقة ومتعاونة مع نظام الجبهة الاسلامية المدحور، وشخصيات من التنظيمات والأحزاب السياسية الإسلامية، والرأسمالية المرتبطة أيضًا بالنظام السابق من أجل خلق مكون سياسي مدني موازي “لقوى الحرية والتغيير”، ولتصير حاضنة سياسية له.
للوصول الي هذه الأهداف لجاء المكون العسكري الي الاساليب “العرقلة” لاستكمال مؤسسات الحكم الانتقالي من أجل تحميل مسؤولية الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للسلطة المدنية، الي كل الوسائل الدعائية المشوهة لأهداف قوي الحرية والتغيير. ومن أجل ضرب آسفين بين قوي الثورة عمل علي نشر إتهامات للأحزاب السياسية المشاركة في السلطة التنفيذية بممارسة الإقصاء للغير والمحاصصة في الخدمة المدنية والتمكين والهيمنة السياسية. ومن وسائل عرقلة عمل السلطة التنفيذية اتضح الموقف المشجع لقفل الميناء، وللطريق البري، ولخط السكة حديد من قبل مجموعات تتبع لنظارات البيجة بقيادة الناظر ترك، والموقف المشجع والداعم لما يسمي “إعتصام القصر” الذي نظمته المجموعات المسلحة المنضوية تحت إتفاق سلام جوبا مع بعض الشخصيات من التنظيمات والأحزاب السياسية الإسلامية والغير إسلامية والتي كان لها وجود ودوراً سياسياً في ظل النظام الساقط. حتي في مناسبات تخريج دفع جديدة من الجنود والضباط أو في مناسبات تفقد للمواقع العسكرية لا يخلو خطاب القادة العسكريين من المحتوي السياسي بالإشارة الي “أعداء” الوطن في الداخل، وتكالب الأحزاب السياسية علي المناصب وضرورة مكافحتهم……الخ. وذلك رغم أن الإحصائيات التي يجب أن تكون متوفرة لدىهم تضحت تلك الادعاءات. في هذا الصدد رصد الخبير الاقتصادي والسياسي  د. فخر الدين عبد العال نسبة مشاركة الأحزاب السياسية (حزب الأمة، المؤتمر السوداني، التجمع الإتحادي وحزب البعث) تعادل 44%، و24% للحركات المسلحة، 20% للمستقلين، و8% للمكون العسكري، و4% لحركة حق.
• إنقلاب المنظومة الأمنية في 25 أكتوبر وأهدافه
أعلنت السلطات الانقلابية في 25 أكتوبر، بقيادة الجنرال البرهان القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة أنها قامت بحل الحكومة المدنية وحل المجلس السيادي وتجميد بعض بنود الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بعد أن وصل طرفا الحكم في البلاد إلى طريقٍ مسدود وبعد إن فشلت مبادرات رئيس الوزراء لرأب الصدع بينهم وبين المكون المدني. وصرح البرهان ان “الاجراءات التصحيحية” تهدف الى منع تفكيك البلاد الوشيك، وتصحيح مسار الثورة وتحقيق أهدافها بتكوين حكومة من تكنوقراط، وإكمال الهيئات الدستورية والإدارية والمفوضيات المتفق عليها، وأكمال السلام، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية في الفترة الانتقالية، من أجل الوصول إلى قيام أنتخابات حرة ونزيهة في الفترة المتفق عليها.
وتمثلت الإجراءات الأمنية للانقلاب على السلطة التنفيذية في إعلان حالة الطوارئ، وقطاع خدمات إتصالات الهاتف النقال والانترنت، ووقف ألبث لمحطات تلفزيونية وإذاعية داخلية وأجنبية، وفي إعتقال رئيس الوزراء وبعض من طاقمه الوزاري ومستشاريه، ولبعض أعضاء “لجنة تفكيك النظام الساقط”، وناشطين سياسيين وصحافيين، وإقالة حكام الأقاليم، وبعض المسؤولين في الخدمة المدنية، منهم سفراء ووكلاء وزارات والنائب العام المكلف. وتم تعيين بدلًا لبعض منهم من موالين للانقلابيين ومن عناصر النظام الساقط. في هذا الإتجاه وبعد الشروع في فك سراح بعض رموز النظام الساقط منهم رئيس “حزب المؤتمر الوطني” المحلول، إبراهيم غندور، تم التراجع لاحقاً عن هذا الطريق، واودعوا الذين تم فك سراحهم السجون مرة أخرى.
في حقيقة الأمر جاء الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر، والذي أيدته بعض مجموعات الكفاح المسلح وشخصيات من “المسارات” المنضوية تحت إتفاق جوبا، وبعض زعماء العشائر وفلول النظام السابق وشخصيات رأسمالية طفيليه منتفعة، وقوي إقليمية وعالمية غير ديموقراطية، كخطوة طبيعية وأخيرة لكل الخطوات التي أخذت في هذا الإتجاه: السياسات المعرقلة لعمل السلطة التنفيذية المدنية، وللجنة تفكيك النظام السابق، ولإنشاء المجلس التشريعي، ولإكمال المؤسسات العدلية، ولوضع الشركات التابعة له تحت إشراف وزارة المالية، ولتسليم رئاسة مجلس السيادة للمكون المدني، ولعرقلة تحقيق العدالة القانونية لشهداء مجزرة فض الاعتصام ولشهداء الاحتجاجات والمواكب الشعبية، ولتسليم مطلوبي المحكمة الجنائية الدولية، وتكميلاً لسياسة الاستقطاب طيلة فترة الشراكة السياسية مع المكون المدني. وحسب بيانات “نقابة أطباء السودان الشرعية” وصلت “تكلفة” الإنقلاب البشرية على خمسة وأربعين مواطن ومواطنة عن طريق القتل المتعمد.
ويعول المجلس العسكري على حكومة مكونة من تكنوقراط ومستقلين سياسيًا حصر عملها في الفترة الانتقالية في تحقيق إستقرار سياسي، والحصول على دعم اقتصادي خارجي، وإكمال شروط قيام أنتخابات في نهاية الفترة المتبقة، وذلك من غير معالجة ملفات تحقيق العدالة الانتقالية لشهداء الثورة ولضحايا الإبادة الجماعية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، والشروع في تكوين جيش مهني موحد، وإيلاء الشركات العاملة في مجال الإنتاج والتجارة والخدمات المدنية التابعة للمنظومة الأمنية لوزارة المالية، ووضع قيادة المنظومة الأمنية تحت مسؤولية سلطة مدنية.
• آثار أنقلاب 25 أكتوبر العسكري على قوي الثورة
علي مستوي قوي الثورة تتمثل التداعيات السياسية لإنقلاب 25 أكتوبر في إنشقاق “تحالف قوي الحرية والتغيير” الي ثلاثة فصائل: الفصيل الأول يمثل جزء من الحركات المسلحة، المنضوية تحت سلام جوبا، والتي انسلخت عن قوي الحرية والتغيير وكانت مجموعة “الميثاق الوطني”، والمؤيدة للانقلاب ومنسجمة مع المكون العسكري ومشاركة في ما بقى من السلطة التنفيذية والمجلس السيادي، والفصيل الثاني يضم أيضاً الجزء الآخر من الحركات المسلحة، المنضوية تحت سلام جوبا، ولكن لإزالة جزء من “المجلس المركزي لقوي الحرية والتغير”، والرافضة للانقلاب لكنها مشاركه في ما تبقي من السلطة التنفيذية والسيادية، والفصيل الثالث من تحالف قوي الحرية والتغيير يمثل الأحزاب السياسية المشاركة في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، والرافضة لإعادة الشراكة السياسية مع المكون العسكري في شكلها قبل أنقلاب 25 اكتوبر. والجزء الآخر من قوي الثورة، والمتواجدين خارج تحالف قوي الحرية يمثل جماهير الثورة الغير منظمة حزبيا بقيادة المكون الشبابي في شكل “تنسيقيات لجان المقاومة”، و”تجمع المهنين” والحزب الشيوعي، والحركات المسلحة الغير منضوية تحت اتفاقية سلام جوبا.
وحسب المراقبين تقود لجان المقاومة اليوم الإحتجاجات الجماهيرية مع تجمع المهنين في كل أنحاء السودان، تحت شعار “اللات الثلاث: لا تفاوض لا شراكة لا شرعية”. وقد قادت لجان المقاومة أكثر من 11 مليونية منذ حدوث الإنقلاب العسكري ووصلت إلى القصر الجمهوري عبر أثنين من المواكب. تبعا لذلك تقوم المنظومة الأمنية بممارسة قمع للمظاهرات بوسائل  وحشية يستعمل فيها الذخيرة الحية والضرب المبرح والتعدي الجنسي علي المرأة المشاركة في الإحتجاجات القادة والنشطين. ويتعرض الناشطين في لجان المقاومة لملاحقة واعتقالات وارعاب متزايد. وحسب إحصائيات “لجنة أطباء السودان المركزية” وصل عدد الشهداء منذ 25 أكتوبر إلي يوم 31 ديسمبر  52 شهيداً، استشهد 10 منهم بعد توقيع إعلان البرهان/حمدوك السياسي. ويقدر عدد الجرحى والمصابين بإصابات خطرة وبأثر صحية دائمة بالمئات.
ورغم المجهودات المبذولة من كل الجهات الثورية لتوحيد قوي الثورة داخل تحالف عريض لإسقاط الانقلاب العسكري وتكوين حكومة ثورة تحقق شعاراتها، لم تلح في الأفق إشارات توحي بنجاحها الي الان. وذلك رغم أن الأوضاع الداخلية وموازين القوي والعوامل الخارجية المرتبطة بمسار الثورة تتطلب خلق جبهة ثورية عريضة متوافقة علي تحقيق أهداف الثورة.
• إعلان البرهان/حمدوك السياسي كرد فعل لرفض أنقلاب 25 أكتوبر
حسب تصريحات رئيس الوزراء أن موافقته وتوقيعه على “الإعلان السياسي”، في 21 نوفمبر، مع قائد الانقلاب العسكري كان بهدف حقن الدماء، ومنع عودة النظام الساقط للسلطة، ولاستكمال السلام، ولتحقيق الانتقال السياسي، ولصيانة المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال العامين الماضيين. آما البرهان يرى ان الإعلان السياسي هو الخطوة المنطقية والطبيعية لانقلابه العسكري والذي يسميه “تصحيح” لمسار الثورة و” البداية الحقيقية” لتحقيق أهداف الثورة بتوسيع قاعدة المشاركة في إدارة الفترة الانتقالية.
بالمقايس السياسية يعطي إعلان البرهان/حمدوك، بمباركة بعض أعضاء المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير -رغم عدم تواجدهم إثناء مراسم التوقيع لأسباب تتعلق بمواقف لاحقة ورافضة تجاه الإعلان السياسي من قبل قيادات أحزابهم- شرعية سياسية لانقلاب 25 أكتوبر. وتمت هذه الشرعية السياسية للانقلاب عبر نهج “ثقافة عفا الله عما سلف”، التي واكبت الحياة السياسية في الدولة السودانيه الحديثة، وتسببت في الافلات من المسألة والعدالة القانونية لكل من انقلب على السلطة الشرعية وقوض الدستور بقوة السلاح، وقتل وسجن وعذب وسحل المواطنين والخصوم السياسيين، ولكل من استغل سلطته السياسية والإدارية للكسب المادي الغير مشروع. تبعًا لذلك تتمثل النتائج المهمة لهذه الاتفاق: شرعنة الانقلاب العسكري، وفض الشراكة السياسية مع قوي الحرية والتغيير، والشروع في تكوين حكومة من وتكنوقراط، جزء منهم مستقل سياسيًا، وجزء بحاضنة سياسية متكونه من الحركات المسلحة المنضوية تحت اتفاق سلام جوبا ومن المكون العسكري ومن اشخاص متحالفة معها.
والأثر المهم علي مستوي القوي الثورية يتمثل في: خلق خلاف وانشقاقات بين وفي قوي الثورة المنظمة سياسيًا ونقابيًا، والقوي الشبابية الغير منظمة سياسيًا في لجان المقاومة حول الطريق الى تحقيق أهداف ثورة ديسمبر. حيث تقف قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي وبعض لجان المقاومة، والمناصرين لرئيس الوزراء مع الرجوع الي قبل ٢٥ أكتوبر وإستمرار العمل بالوثيقة الدستورية، مع تعديلها لتوسيع المشاركة الشعبية، مع ممثلين آخرين للمكون العسكري. ويري الحزب الشيوعي، وتجمع المهنيين، ولجان المقاومة، والحركة الشعبية شمال (الحلو)، وحركة تحرير السودان (عبد الواحد) ضرورة التوافق على وثيقة دستورية جديدة من غير دور سياسي للمكون عسكري.
• موقف المجتمع الدولي والإقليمي تجاه إعلان البرهان/حمدوك السياسي
الدول ومنظمات المجتمع الدولي والإقليمي التي تدعم الثورة السودانيه وأهدافها في تأسيس الدولة المدنية الديموقراطية والتي لعبت دورًا مهمًا في عدم وصول الانقلابيين الى غايتهم، ترحب بحذر بالإعلان السياسي ونتائجه الآنية. هذه المعسكر يعتبر الإعلان السياسي وما تم تحقيقه، خطوة أولى في الرجوع الي الوضع الدستوري للفترة الانتقالية. تبعًا لذلك لا زال المجتمع الدولي في حالة تريث بخصوص رفع تعليق الدعم المالي. وكانت الولايات المتحدة قد علقت دعم ماليا طارئا بقدر 700 مليون دولار، والمؤسسات المالية العالمية منح بقدر 500 مليون دولار بسبب الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر. ويتزايد الضغط الاقتصادي والسياسي من دول المعسكر الغربي في ظل الحراك الشعبي المتواصل، واستمرار المنظومة الأمنية في ممارسة العنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين، وسقوط العديد من الشهداء منذ الانقلاب، وعدم إظهار جدية في قيام تحقيقات عن أحداث القتل وانتهاكات حقوق الإنسان والتحرش الجنسي علي المرأة من مداخل مواكب الاحتجاجات الشعبية وفي دارفور، وتزايد الاقتتال القبلي الاثني وانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور والنهب والسرقة لمواقع بعثة الأمم المتحدة من عناصر تابعة لقوات بعض الحركات المسلحة والمشاركة في السلطة المركزية والاقليمية.
واما دول الإقليم التي شجعت ودعمت الانقلاب العسكري، بجانب روسيا الداعم العالمي للانقلابيين، والصين الشعبية، وجامعة الدول العربية” ترحب بالإعلان السياسي من منطلق أنه يأمن إستمرار الدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية، والمسيطر على السلطة في ألدولة.
• التدخلات السياسية الأجنبية تحت سلطة المنظومة الأمنية
في ظل تمركز السلطة السياسية في المنظومة الأمنية، وعلي رأسها المكون العسكري وفي ظل الأزمة السياسية الحالية بينه وبين قوى الثورة والتغيير الديموقراطي – أرتفعت تأثيرات دول الإقليم، خصوصاً مصر وإسرائيل ودول الخليج العربي والسعودية، والدول العظمى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والصين، والمنظمات الإقليمية مثل الإتحاد الافريقي ومنظمة الوحدة العربية، والدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الامن ومفوضية حقوق الانسان في مجري السياسة الداخلية للدولة السودانيه. حيث تمارس دول المعسكر الداعم للدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية عبر علاقاتها السياسية والاقتصادية والتي بنتها مع نظام الجبهة الإسلامية الساقط ووسعتها مع المكون العسكري في الثلاثة أعوام السابقة ، وعبر نشاطاتها والياتها التجسسية –  تنافسًا حادًا في إستقطاب أصحاب القرار السياسي والمؤثرين في المجتمع السوداني من أجل تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية. وتصب التحركات الأخيرة من مصر والسعودية في إتجاه تحريك الركود السياسي القائم عبر حث المكون العسكري للخلق الشروط اللزمة لتكوين حكومة مدنية.(العربي الجديد 29.12.2021)
وتمثلت قمة التدخلات الخارجية في حدوث إنقلاب 25 أكتوبر: في تحفيز ودعم من دول الإقليم وروسيا واسرائيل للانقلاب، وفي دور الولايات المتحدة بالضغط على حلفائها الاقليمين الداعمين للتراجع من دعمهم للانقلابيين، وفي ضغطها مع دول الترويكا، والإمين العام للأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والإتحاد الإفريقي على الانقلابيين لفك أسر المعتقلين السياسيين وللرجوع الي وضع ما قبل الانقلاب ومواصلة الشراكة السياسية مع المكون المدني علي أرضية وثيقتي “الإعلان الدستوري” و”الإعلان السياسي” الذي يخص هياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، والتي وقع عليها في أغسطس 2019، وإعادة حمدوك في منصبه كرئيس للوزراء.
في هذا السياق تمثل التصريحات الأخيرة للامين العام للامم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، في 1 ديسمبر، بشأن “إتفاق البرهان/حمدوك السياسي”، ودعوة الشعب السوداني لقبوله، وتكهنه بعواقب وخيمة في حالة عدم قبوله، مدي وحجم التدخلات الخارجية في مجرى الاحداث السياسية في السودان. كذلك وبهدف دعم المعسكر الديموقراطي وتحقيق الإنتقال السياسي المدني الديموقراطي إدانت “لجنة الشؤون الخارجية” في مجلس النواب بإجماع كل أعضائها الديمقراطيين والجمهوريين، والمجتمعة في 09.12.2021، الإنقلاب العسكري. ونادت بفرض عقوبات على المسؤولين عن “زعزعة الاستقرار واعاقة الإنتقال السياسي”، ودعم الشعب السوداني في تحقيق اهدافه السياسية والاقتصادية. وقد ينتج عن هذه الخطوة وبعد إجازتها كقانون من مجلس الشيوخ إلزام للحكومة الأمريكية في إتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية لمعاقبة مسؤولين عسكريين ومدنيين ضالعين في تخطيط وتحقيق أنقلاب 25 أكتوبر 2021. وفي هذا السياق تمثل قرارات الإدارة الأمريكية، والإتحاد الأوروبي والموؤسسات المالية الأممية بخصوص تجميد المساعدات والمنح لتمويل ميزانية الدولة أهم التأثيرات الخارجية علي مجري الحياة السياسية في السودان.
• خلاصة
لقد أثبتت تجارب الأنظمة الدكتاتورية الشمولية في تاريخ البشرية والدراسات حولها علي أن سيادة قناعات الدور السياسي بين القيادات العليا للجيوش الوطنية، مع دعم خارجي، وملكية لقوي أمنية عسكرية ومصادر مالية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وغير خضعه لشروط الحوكمة والشفافية ومراقبة ومحاسبة الادارة المالية للدولة يمثل أرضية خصبة لنموعناصر “طاغية” واستبدادية تروج للمصالح الذاتية وكأنها مصالح عامة. بذلك تتهيء “أرضية خصبة” للشخصيات القيادية ذات التطلعات السياسية الذاتية من أجل مكاسب سلطوية أو مادية، مختلطة بتطلعات لتحقيق آماني وآمال” أسرية أو قبلية أو اثنية متعلقة بهم. وفي حالة سيادة القناعات السياسية لدور المنظومة الأمنية في الدولة تقود كل هذه العوامل مجتمعه الي عزلة كاملة للقيادات العسكرية العليا عن العالم خارج المنظومة الأمنية، مرتبطه بتقديرات خاطئة وبعيدة عن الواقع السياسي والاقتصادي والمجتمعي في الدولة. الأمر الذي قد يؤدي، في أحلك الظروف، الي حالة قطيعة كاملة بين الحاكم والمحكوم، وبذلك الوصول الي مستوي “الطريق المسدود”، وممارسة سياسة “عليا وعلي أعدائي” من قبل السلطات. ويمثل قتل المتظاهرين السلميين في المواكب السلمية التي تمت بعد توقيع إعلان البرهان/حمدوك في 21 نوفمبر دليل على الوصول إلى هذا المستوى من سياسة المنظومة الأمنية. ويمثل هذا المستوي في الوضع السياسي بداية انهيار الدولة الموحدة، كما حصل في  ليبيا واليمن وسوريا وغيرها من بلدان العالم، التي كانت واقعة تحت حكم ديكتاتوري شمولي.
وينطبق هذا الوصف على الوضع في السودان المرتبط بسلطة المنظومة الأمنية، بقيادة القيادات العليا في القوات وقوات الدعم السريع. حيث يعتبر أنقلاب 25 أكتوبر العسكري خير مثال لذلك “العالم القريب” الذي يعيش فيه المكون العسكري ولتداعيات الحكم بقناعات لدور سياسي واقتصادي لهم في الدولة. حيث يمثل الإنقلاب “تدمير” للإنجازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والقنوات والهياكل السياسية والاقتصادية لربط الدولة السودانية المجتمع الدولي، والتي تما إنجازها في العامين السابقين. بجانب ذلك يرتبط الدور السياسي للمنظومة الأمنية، الذي يفتقد للشرعية الشعبية، ويسعي بكل السبل للحصول علي “القبول” والدعم الخارجي بتذايد التدخلات والوصاية السياسية الأجنبية على مجري الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، وتذايد فقدان السيادة الوطنية. هذا الوضع عاش فيه السودان ما يقارب الثلاثة عقود تحت نظام الجبهة الإسلامية ويعيشه الان مرة أخرى بعد عامين من سقوطه جراء الإنقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021.
الإستغلال السياسي لمؤسسة القوات المسلحة من أجل الوصول إلى السلطة عبر الإنقلاب العسكري -“بقوة السلاح”- علي السلطة الشرعية المنتخبة، وخوض حروب داخلية ضد مواطنين سودانيين، وإعدام وقتل وسجن وتعذيب المعارضين السياسيين، مدنين وعسكريين، وحكم للبلاد لأكثر من خمسة عقود وبنتائج كارثية على الدولة ووحدتها وعلي حياة ومعاش المواطن قاد الي حالة “إغتراب” (alienation) بين المنظومة الأمنية، وعلي رأسها القوات المسلحة وبين الشعب السوداني. حيث يفتقد الشعب السوداني، طيلة الخمسة عقود الماضية في منظومة القوات المسلحة الدور الطبيعي للجيوش الوطنية الحديثة في الدفاع عن أرض الوطن ضد العدوان الخارجي، والحفاظ علي أمن الدولة والمواطن، والدفاع وحماية الدستور، إذا لزم الأمر. وقمة هذا الإغترب بين الشعب و”قواته المسلحة” يتمثل في الإنقلاب العسكري في 25 أكتوبر على “إرادة” الشعب السوداني وتضحايته بأرواح ألاف من أبناءه وبناته في تحقيق دولة الحرية والسلام والعدالة في ظل نظام مدني ديمقراطي.
الإنقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 على السلطة التنفيذية المدنية وعلي الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، والذي خططت له وقامت به المنظومة الأمنية، بقيادة القيادات العليا في القوات المسلحة والدعم السريع، يمثل دليل واضح علي عمق وسيطرت القناعت السياسية والاقتصادية لدورها في الدولة والوصاية علي الشعب السوداني. حيث تم هذا الإنقلاب رغم التوافق والمعاعدة -أداء القسم بحماية الدستور والعمل طبقة، وتحت دعم ورعاية المجتمع الدولي والإقليمي- مع قوي الحرية والتغيير من أجل شراكة سياسية لإدارة الفترة الانتقالية. ومن مجريات الأحداث وضح، وبعكس ما صرح به رئيس الوزراء في عدة مناسبات، عدم “التناغم” في العمل بين المكونين العسكري والمدني. حيث تكمن الأسباب لعدم التناغم كما وضح من أنقلاب 25 أكتوبر واهدافة، في سلوك المكون العسكري “المعرقل” والمليء بعدم “النواي الحسنه” تجاه شريكة المدني، وممارسته لسياسة الاستقطاب والحشد السياسي وسط منتسبي القوات المسلحة، والدعاية التشوهية للاحزاب السياسية. علي ضواء ما وضح من أهداف لانقلاب 25 أكتوبر يمكن يعتبر هذا الحدث “ملحق ثاني” لما يسمي “بإنحياذ” القوات المسلحة للثورة عبر تجريدها للبشير من سلطتة واعتقاله في 19 ديسمبر 2018. حيث تشير كل تلك الحقائق المرتبطة بقناعاتت القيادات العليا للقوات المسلحة المتمثلة في حق الوصاية على الدولة والشعب السوداني، وقناعة الحق في الوراثه الشرعية والطبيعية للنظام الساقط علي أن تجريد البشير من سلطته كان نقلاباً عسكريا، بكل المقاييس السياسية. والأمر الثابة في هذا الحدث: ما كان لهذا الإنقلاب ان يتم من “اللجنة الأمنية” لنظام البشير لولا ثورة ديسمبر المجيدة وما أرتبط بها من ضغط “أخلاقي وطني” علي القوات المسلحة السودانية عبر “أعتصام القيادة العامة”.
إرتباطاً بكل هذه الحقائق والسلوك المرتبط بالقناعات السياسية للقايدات العليا في القوات المسلحة يحملالشعب السوداني المسؤولية „للانظمة العسكرية“ التي حكمت السودان، خصوصاً نظام الجبهة الإسلامية العسكري، تصدع الدولة السودانية: جراء حرب الجنوب وما ترتب عليها من فقدان لربع مساحتها الدولة، وحرب الإبادة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان، ومذبحة “ضباط رمضان” في المرخيات، وقتل الطلاب الدارفورين في جامعة الجزيرة في ديسمبر 2012 ومذبحة إنتفاضة 2013 ومذبحة معسكر العيلفون، والاغتصاب الجماعي لنساء قرية “تابت” في دارفور، وقتل المتظاهرين في سواكن وبورتسودان وكسلا، وقتل وتعذيب الخصوم السياسيين والاختفاء القسري لهم.
واليوم يحمل الشعب السوداني المسؤولية للمنظومة الأمنية، بقيادة المكون العسكري كامسؤول عن إدارة وزارة الداخلية والدفاع بموجب الوثيقة السياسية الموقعة مع قوي الحرية والتغيير، إستمرار الاقتتال الاثني والقبلي، وإنتشار السلاح وحالة اللاسلم في دارفور وجبال النوبة ونشوء الأزمة السياسية في الشرق وما ترتب عليها من تدمير للاقتصاد القومي ، وعدم إلامن في العاصمة القومية ومدن البلاد الأخرى، وإثارة النعرات القبلية والاثنية والجهوية بخلقه ما يسمي ب“المسارات“ الجهوية، وعدم الرغبة في تسليم رئيس النظام الساقط والمطلوبين الآخرين للمحكمة الجنائية الدولية والتقاعس في تحقيق العدالة لشهداء الاحتجاجات الشعبية منذ بداية ثورة ديسمبر، وإستمرار قتل المتظاهرين السلميين والتحرش الجنسي علي المرأة وممارسة إقتصاب النساء المشاركين في المواكب الشعبية كأداء لقمعهن وتخويفهن من المشاركة في العمل الثوري، وانتهاكات مستمرة وعلي كل المستويات للحريات العامة، وانتهاكات لحرمة المستشفيات بملاحقة المصابين المشاركين في الإحتجاجات الي داخلها، وترويع الكوادر الطبية واعاقتها في أداء واجبها الإنساني تجاه „الجرحي والمصابين برصاص قوات الأمن، أو ما يسمونه „عنصر أو طرف ثالث
إقتصادياً تمثل السيطرة على ما بين ٧٠ الي٨٠٪ من أقتصاد البلاد (حسب ما هو معلوم) والإستحواذ على الثروة الطبيعي القومية من قبل المنظومة الأمنية، وإستحواذ رأس المال الأجنبي علي ثروات البلاد بشروط ليست في صالح الدولة أهم صفات الاقتصاد السوداني. تحت هذه الصفات التي تسمي في علم الاقتصاد „سوء التوظيف الاقتصادي“ للمصادر الاقتصادية يعاني الاقتصاد السودان بسبب أنقلاب 25 أكتوبر من ندرة حادة للموارد المالية لسد العجز الميزاني المذمن ويقدر الفقد للعملة الصعبة بأكثر من النصف، مقارنةً لما كانت عليه قبل الإنقلاب. ويرجع ذلك الي تعليق الولايات المتحدة والدول الأوربية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمسعداتهم ومنحهم المالية التي كانت مقررة لهذا العام. في هذا الصدد وصف الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية، أشرف صلاح نور االدين الوضع الاقتصادي رجع بسبب الإنقلاب العسكري الي „نقطة الصفر“. وبسبب الصدمة والشلل الذي أصاب لكل الأسواق والقطاعات الإنتاجية والخدمية سوف يتسارع إرتفاع معدل التضخم المالي، ومعدل العطالة في وسط الطبقات الفقيرة، وبذلك الارتفاع لمستوى ومعدل .الفقر
مع وضوح كل النتائج الساسية والاقتصادية والاجتماعية “الكارثية” المترتبة علي حكم الأنظمة العسكرية الشمولية في تاريخ السودان الحديث وارتباطها بالقتاعات للدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية، على رأسها القوات المسلحة، يأتي السؤال المهم في هذه المرحلة الحساسة في تاريخ وطننا الحبيب عن وجود طريق لتحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة الرامية الي بناء دولة مدنية ديموقراطية موحدة.
في هذا الصدد، ولعامل المنظومة الأمنية، بقيادة القيادات العليا للقوات المسلحة في مسار ثورة ديسمبر المجيدة يتلخص في: المنظومة الأمنية، وعلي رأسها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، متمثلة في قياداتها العليا التي ترعرعت وخدمت تحت قناعات الدور السياسي والاقتصادي لها، وبحقها في الوصاية علي الشعب السوداني لا يمكن أن تكون حليفاً أو سنداً لتحقيق الانتقال السياسي بهدف بناء دولة مدنية ديموقراطية، ليس في الفترة الانتقالية وليس في ظل سلطة شرعية منتخبه. تبعاً لذلك لابد أن تخضع المنظومة الأمنية بأكملها للإصلاح تحت مفهوم دورها المهني الطبيعي في الدفاع عن أرض الوطن ضد العدوان الخارجي، والحفاظ علي أمن الدولة والمواطن، وحماية الدستور. ويعتبر التوافق علي بناء “جيش قومي مهني موحد” ضمن ترتيبات عملية السلام مع “كل” المجموعات المسلحة خطوة مهمة أساسية في هذا المضمار. تحقيق ذلك الهدف يستلزم ضع رؤية واضحة لبناء “قوات مسلحة حديثة” من أجل الدفاع عن أرض الوطن وأمن الدولة والمواطن وحماية الدستور.
ومن أجل تحقيق مستلزمات الإنتقال السياسي في الفترة الانتقالية وقيام أنتخابات حره ونزيهة في نهايتها يكون من الضرورة علي قوي الثورة الشروع في وضع رؤية واضحة ومتوافق عليها بين كل قوي الثورة بما فيهم الحركات المسلحة المنضوية والغير منضوية تحت سلام جوبا، و”أصحاب الحق” في المناطق المتأثرة من حرب الإبادة في “المناطق الثلاث”، وحول الطريق لتحقيق السلام وما يرتبط به من ترتيبات أمنية واستحقاقات مالية وتنمية اقتصادية للمناطق المتاثرة من الحروبات والنزاعات القبلية. حيث تحدد هذه الرؤية أيضاً دوراً واضحاً للمنضومة الأمنية بكاملها في تحقيق الترتيبات الأمنية. ومن أجل توفير المستلزمات المالية لعملية تحقيق السلام يجب وضع خطة تمولية مرتبطة بفترة زمنية محددة تتضمن المشاركة المادية للدولة، ولرأس المال الوطني، وللمجتمع الدولي، وتتضمن الجهة المكلفة بتنفيذها على أسس الحوكمة والشفافية والرقابة والمحاسبة القانونية.
المصادر القومية لتمويل عملية مستلزمات تحقيق السلام يكون منبعها الثروة القومية من الذهب والمعادن وغيرها من الثروات الطبيعية المستغلة من المنظومة الأمنية وغيرها من المجموعات الغير حكومية، والمستغلة من شركات قومية وأجنبية ووطنية خاصة. حيث تلزم الشركات الخاصة العاملة في مجال التعدين في دفع قدر معين من حصيلتها لتمويل عملية السلام. ويرتبط بذلك وضع رؤية اقتصادية لمستقبل شركات المنظومة الأمنية العاملة في الإنتاج والتجارة والخدمات المدنية. المصداقية الناتجة عن هذه الرؤية والمتوافق عليها من “أغلب” قطاعات الشعب السوداني لتحقيق السلام الشامل تفتح آفاق لمشاركة “عريضة ومقدرة” من المجتمع الدولي في تمويل مستلزمات عملية السلام ودعم الجهود المبذولة في ذلك.
ارتباطاً بكل ما ذكر من عوامل لتواجد الدور السياسي والاقتصادي للمنظومة الأمنية، وعلي رأسها القوات المسلحة وحديثاً قوات الدعم السريع يأتي علي قوى الثورة دوراً اساسياً في خلق توافق سياسي عريض وسط الشعب السوداني لفكرة “الدولة المدنية الديموقراطية الموحدة”، ودور المنظومة الأمنية في الدفاع عنها وحميتها. في تفعيل الدور الشعبي في هذا الأمر يساعد ايضاً بلورة “رواية” (narrative) يلتف حولها كل أهل السودان، بغض النظر عن اثنيتهم أو ديانتهم أو ثقافتهم أو جهتهم وموقعهم المهني، مدنين وعسكريين وقوات أمن: أن الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة هي الطريق الوحيد الأمثل الذي يضمن ويحقق سيادة الشعب علي الوطن، والعدالة القانونية والاجتماعية، ويصون كرامة كل فرد في المجتمع السوداني. والبيان بالعمل: الإسراع في كشف حقائق مذبحة فض أعتصام القيادة العامة وتقديم كل من خطط لها ونفذها للعدالة. كذلك تحقيق العدالة الانتقالية في كل ما أرتكب من جرائم ضد الإنسانية منذ 30 يونيو 1989.
shamis.khayal@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً