عامل حمدوك في مسار ثورة ديسمبر المجيدة .. ما بين التكليف التكنوقراطي والدور السياسي  .. بقلم: د.  شمس الدين خيال

1. شروط اختيار وتكليف حمدوك رئيسًا للوزراء
علي أرضية وثيقتي “الإعلان الدستوري” و”الإعلان السياسي” الذي يخص هياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، والتي وقع عليها في أغسطس 2019، كل من المجلس العسكري (المحلول) وقوى “إعلان الحرية والتغيير” تم إختيار د. عبدالله حمدوك من قبل قوى الحرية والتغيير وقبول المكون العسكري له، ليتولى قيادة الفترة الانتقالية كرئيس وزراء. وأرتكز الإختيار ثم التكليف على استقلاليته السياسية الغير حزبية، والمؤهلات العلمية والخبرات الإدارية التي يمتلكها في مجال أقتصاد الدول النامية؛ إي على أوصاف التكنوقراط الاقتصادي المستقل سياسياً. ويعلل المكون المدني التوافق علي صفة التكنوقراط لرئيس الوزراء بالظروف السياسية -المرتبطة بمذبحة فض إعتصام القيادة العامة-، ورجح كفة القوي لصالح “المجلس العسكري” (والمحلول بعد ذلك التوافق)، وحالة الحرب في دارفور وجبال النوبه، والانهيار الاقتصادي والوضع الإجتماعي المتدهور، والعزلة العالمية التي كانت فيها البلاد.
بالرغم من تلك الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية المزرية، التي واكبت التوافق بين المكونين المدني والعسكري، يظل الامر الواضح فيه: مبدأ الإتفاق على صفة التكنوقراط لرئيس الوزراء يمثل تناقض لطبيعة قوى الحرية والتغيير كحاضنة سياسية وكممثلة لقوى الثوره وكمفوضة لتحقيق اهداف ثورية. الأمر الذي شكل اهم العوامل في تعسر تحقيق إهداف ثورة ديسمبر المجيدة وفشل المشاركة السياسية مع المكون العسكري، وفيما آلت اليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية الآن.
2. الأسلوب التكنوقراطي في قيادة السلطة التنفيذية
إرتباطاً بالتوافق على الصفه التكنوقراطية لرئيس الوزراء وبخلفية حمدوك المهنية وارتباط تكليفه رئيساً للوزراء على هذه الخلفية، وارتباطًا بأولويات ملفات عمل الفترة الانتقالية المتمثلة في تحسين الظروف المعيشية والمرتبطة بفك العزلة السياسية والاقتصادية العالمية للبلاد، سلك حمدوك خلال قيادته لحكومتين -في أغلب العامين الماضيين- سلوكًا تكنوقراطيًا. تابعاً لذلك صاحبت عمل السلطة التنفيذية المدنية ندرة وضعف الاجتهادات، الإجراءات التي يمكن ان تصنف كعمل سياسي ثوري.
في هذا الأمر أنتقدت أغلب مجموعات قوي الثوره، وكثيراً من المفكرين والناشطين السياسيين، وايضاً الشارع السياسي المتمثل في “لجان المقاومة” رئيس الوزراء لقلة تواصله مع الجماهير التي قادة الثورة، ولعدم رغبته في خلق تقارب سياسي مع “الشارع الثوري”، ولعدم حماسة لتولي ملفات المواضيع ذات الطبيعة السياسية والأمنية، مثل السلام مع المجموعات المسلحة وموضوع إصلاح المؤسسات الأمنية، وبناء جيش وطني موحد، وإحالة ملكية شركات القطاع الأمني للدولة، وتفكيك تمكين النظام الساقط وإعادة الأموال المنهوبة ألي خزينة الدولة، وتسليم مطلوبي المحكمة الجنائية الدولية. وقد أركتزت هذه الانتقادات على: أن السلطة التنفيذية المدنية مخولة ومكلفة بنص الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية للقيام بهذا الدور، وأن الذخم الثوري الداعم لها في أوجه.
في اولويات عمله التكنوقراطي وضع حمدوك -وعلى حق- رجوع السودان الي الأسرة الدولية وإعادة ربطه بالنظام المالي العالمي بعد عزلة دامت لأكثر من عقدين من أجل الحصول على دعم مالي عالمي وتدفق تحويلات سوداني المهجر عبر القنوات المصرفية الرسمية. وفي إدارة هذا الملف الذي كان مرتبط برفع أسم السودان من “القائمة الامريكيه للدول الراعية للارهاب”، أكتفي حمدوك بالقيام بالدور التكنوقراطي وترك الدور السياسي الدبلوماسي للمكون العسكري، والذي أرتبط بالقاء البرهان/نيتانياهو في فبراير 2020, في عنتيبي/أوغندا بضغط من الإدارة الأمريكية تحت حكومة ترامب آنذاك. وبعد إن أصطدم هذا اللقاء، بعد أن وضح هدفه المرتبط بتطبيع العلاقات بين السودان واسرائيل، برفض وشجب شديد من أغلب الأحزاب المنضوية تحت قوى الحرية والتغيير والمجتمع السوداني عامةً، أكتفي حمدوك بالاشارة الى ان “العلاقات الخارجية من صميم مهام مجلس الوزراء وفقًا لما تنص عليه الوثيقة الدستورية”، وطالب بـ”ضمان المساءلة والمسؤولية والشفافية في جميع القرارات المتخذة”. وأشار لاحقاً وفي مواضع مختلفة الى أختصاص المجلس التشريعي، المزعم إنشاءه، في البت في موضوع التطبيع بين السودان واسرائيل. ورغم هذه الإشارات والتصريحات لرئيس الوزراء، أستمر المكون العسكري في في المضي قُدمًا، ووضع السلطة التنفيذية أمام أمر واقع في تطبيع العلاقات مع اسرائيل. وصب النشاط السياسي الخارجي في ملف التطبيع السوداني/الاسرائيلي في توقيع وزير العدل السابق، نصر الدين عبد الباري مع وزير المالية الامريكى السابق في حكومة ترامب، ستيفن منوشين، على “الإتفاق الإبراهيمي للسلام” في 06.01.2021 في الخرطوم.
خصوصاً موضوع نشاط ورغبة المكون العسكري في تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع “الدولة العبرية” من غير توافق سياسي مع شريكه المدني ودعم شعبي أوضح من جديد رجح كفة ميزان قوي المكون العسكري في الشراكة السياسية مع قوي الحرية والتغيير، وضعف أداء السلطة التنفيذية المدنية في رسم السياسة الخارجية للبلاد، وآثار كثيراً من التساؤلات عن الدوافع التي تكمن وراء سياسية التطبيع مع إسرائيل. بذلك سلط موضوع التطبيع ودور المكون العسكري فيه، والذي خلق حينها أزمة سياسية بين المكون المدني والعسكري، الضوء علي جوانب الضعف في الأسلوب التكنوقراطي في قيادة السلطة التنفيذية، وعلي طبيعة الشراكة السياسية الغير متواءمة والغير متكافئة بين المكونين. ووضح عملياً ان رجح ميزان القوي لصالح المكون العسكري يرجع إلي تحكم المنظومة الأمنية في موارد الدولة الاقتصادية، وتواجد المواقع المفتاحية في الجهاز الاداري للدولة في أيدي محسوبي النظام الساقط، والذين يمثلون حلفاء طبيعين للمعسكر المعادي لاي تغير في الوضع الحالي. تحت هذه الأوضاع يمكن تفهم أسلوب حمدوك التكنوقراطي في قيادة السلطة التنفيذية، وتنائيه عن الملفات ذات الطبيعة السياسية أسلوب من سياسة تجنب الصدام مع المكون العسكري ولتداعيت لصدام من هذا النوع.
3. بوادر أكتساب قيادة السلطة التنفيذية لدور سياسي
بعد تجربة قرابة العامين من قيادة حكومتين إنتقاليتين، يمكن القول أن رئيس الوزراء خرج من “الفقاعة” التكنوقراطية حين خاطب الأطراف السياسية والمجتمع السوداني عامةً، و-ضمنيًا- المجتمع الدولى بما يواجهه الانتقال السياسي من قيود وتحديات، تفرضها طبيعة شراكة الحكم. وفي ضوء ذلك عبر عنما تشهده الساحة السياسية من تأزم علي أنه نتاج لصراع بين القوى الديموقراطية والقوى المضادة للديموقراطية. وأوضح في هذا الصدد ان الانقسامات داخل التحالف السياسي للفترة الانتقالية تتشكل هذا النحو: انقسامات بين عسكريين/عسكريين، ومدنيين/مدنيين، وعسكريين/مدنيين في داخل التحالف السياسي الانتقالي، وغياب الأولويات والتوافق المشترك على أهداف الفترة الانتقالية.
بناءً على وصفه للوضع السياسي المتأزم بين المكونات السياسية المشاركة في السلطة التنفيذية وفي المجلس السيادي وتداعياته على عمل حكومته، تقدم رئيس الوزراء في 22 يونيو 2021 بمبادرته: “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال: الطريق إلى الأمام”، التي تهدف الى “توسيع القاعدة السياسية والمجتمعية” للحكم الانتقالي. ومنما وضح عبر قائمة الأشخاص الذين تمت دعوتهم للمشاركة السياسية في تأسيس هذه المبادرة ان بعض أفرادها ليسوا من القوي التي خلقت أو دعمت الثورة، بل ممثلين لكيانتات اثنية وقبلية وجهوية وطرق صوفية بعيدة عن أهداف الثورة. بجانب ذلك وبالرغم ما وضح خلال ذلك أن المبادرة تهدف الي خلق قاعدة جديدة وأوسع من قوى الحرية والتغيير للحكم الانتقالي أكد المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير دعمه لها، ووقف المكون العسكري والحركات المسلحة المنضوية تحت إتفاقية سلام جوبا موقف ألا معنى بها ورفض بعض قياداتها المشاركة.
الدور السياسي “الجديد” لحمدوك عبر طرحه  لمبادرة الطريق الي الأمام يمكن فهمه في ثياق دينماكية معالجة (process dynamic) المواضيع السياسية وارتباط تفاعل وتطور أسلوب الفاعلين بها. وقد يكون للدعم السياسي الذي يحظي به حمدوك من الجماهير والمجتمع الدولي الغربي والأمم المتحدة في شخص امينها العام غوتيرش، ولقبوله “النسبي” من المكون العسكري، وللوضع المتأزم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا في البلاد دوراً في توجه حمدوك للتفاعل مع الطبيعة السياسية المرتبطة بمنصبه كرئيس وزراء منوط به تحقيق أهداف ثورة سياسية. خلاصة القول: قد تكون هذه العوامل متحدة مع طبيعة تطور القناعات والسلوك ونمو للإحساس بالمسؤولية عند الإنسان “المنفتح عقلياً”، وطبيعة حمدوك “البراغماتية” -كما وصف هو نفسه-، التي تؤهله علي التكيف مع التغيرات، المحرك الأساسي لتوجه حمدوك في القيام بدور سياسي؛ أو كما يوصف ب”النضوج السياسي” عبر الممارسة وتقبل المسؤولية!!
4. توقيع الإعلان السياسي وردود الفعل الداخلية والخارجية
في سياق هذا الدور السياسي الذي اتخذه حمدوك مؤخراً، جاءت مشاركته في “الإعلان السياسي” والذي وقعه مع قائد الإنقلاب العسكري في 21.11.2021، وبدعم تأيد من بعض أعضاء “المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير” واشخاص ناشطين سياسياً من المجتمع المدني، ودعم مكثف من الولايات المتحدة الامريكية والإتحاد الاوروبي ودول الترويكا والأمين العام للامم المتحدة والاتحاد الافريقي. وقد علل حمدوك قبوله وتوقيعه على الإعلان بهدف حقن الدماء، ومنع رجوع النظام الساقط الي السلطة، واستكمال السلام، وتحقيق الانتقال السياسي، وصيانة المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال العامين الماضيين. كذلك صرح حمدوك والمشاركين في هندسة الإعلان السياسي علي أن الهدف من الإعلان إزالة الاحتقان السياسي وفتح الطريق للحوار السياسي بين مكونات المجتمع المدني والمكون العسكري من اجل الرجوع للعمل وفق الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية. وقد وجد هذا الإعلان بمشاركة حمدوك ردود فعلًا مرحبة ومؤيده وداعمة داخليًا وخارجيًا وأخرى منددة ورافضة له داخليًا.
أ) ردود الفعل السياسية الداخلية
داخليًا، وكما معلوم، لقي “إعلان البرهان/حمدوك السياسي” رفضًا شعبياً قويًا: من كل قوى الثوره وبكل مكوناتها الحزبيه والفئوية، ومن الشارع السياسي بقيادة لجان المقاومة، وحركات الكفاح المسلح الغير منضوية تحت “إتفاق سلام جوبا”. وقبل ان يخرج هذا الإعلان علي الملاء، كانت قوي الثوره قد أعلنت عن موقفها تجاه التعامل مع الإنقلاب والانقلابيين عبر إعلان شعار “اللاءات الثلاث” – “لا تفاوض لا شراكة لا شرعية”.
وتصنف قوى الثوره خطوة حمدوك في توقيعه للإعلان السياسي مع البرهان علي أنه “خيانة” للثوره، وبذلك لشهداءها، وعلى أن أنه الان ليس رئيس وزراء الثوره بل رئيس وزراء “حكومة انقلابية” تحت سيطرة المنظومة الامنية، بقيادة المكون العسكري. تبعًا لذلك ورغم تنفيد -ليس كاملًا- لبعض بنود الإعلان المتمثلة في أطلاق سراح المعتقلين السياسيين، واطلاق الحريات الديموقراطية، والغاء تعينات البرهان في الخدمة المدنية والوعد بكفالة حرية الرأي والتظاهر، وبقيام تحقيق في قتل ال 44 شهيداً من أول يوم للإنقلاب…. الخ، يمكن القول إن شراكة حمدوك في هذا الإعلان يمثل “خيبة امل” لقوى الثوره، بمثابة نقص من “وزن” الثقة التي حظي عليها قبل توقيعه على الاعلان. في آخر المطاف يقف الان في دوره السياسي من حاضنته السياسية التي اتت به في هذا الموقع.
بالرغم من هذا الوضع “المأزوم” للعلاقة السياسية بين حمدوك والقطاع العريض لقوى الثوره، خصوصًا القطاع الشبابي الغير منتمي حزبيًا، وبين حاضنته السياسية يري بعض القادة في أحزاب سياسية منضوية تحت راية قوي الحرية والتغيير ومن لجان المقاومة ان هناك ثمة فرصة لإعادة الثقة واستمرار العمل معه لإنجاز مهام الفترة الانتقالية. في هذا الاتجاه صرح ابراهيم الشيخ، القيادي في “حزب المؤتمر السوداني” وعضو المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ووزير الصناعة السابق، بأن الموقف من حمدوك ليس نهائي. وربط ذلك بشرط تصحيح حمدوك لمساره الحالي. وقال في هذا المضمون إن “ثمة كوة مفتوحة بيننا وبينه قد تؤتي أكلها، لا تزال شعرة معاوية قائمة بيننا وبينه ما لم يمعن بالمضي قدماً في الطريق الذي ابتدره”. (صحيفة التغيير، 05.12.2021)
وكذلك يرى ياسر عرمان، نائب رئيس “جيش تحرير السودان/شمال”، بقيادة عقار، وأحدي المستشارين السياسيين لحمدوك قبل الانقلاب، أن رأب الصدع الذي حصل بين حمدوك وقوي الثوره “يعتمد على أفعال رئيس الوزراء لا على أقواله، بدءً من كيفية تكوين مكتبه، وانعكاس ذلك على قُدرته في الفعل من عدمه، وعلى البرنامج الذي يعتمده لمصلحة الشعب وعلى تأكيده على موقفه المستقل ومن أي حديقةٍ سيقطُف التكنوقراط، وبمشاركةِ قوى الثورة والتغيير أم في استعداءٍ لها، فالقمحُ مُرٌّ في حقولِ الآخرين”. (صحيفة التغيير، 06.12.2021)
وعلي هذا المنوال صرح المنسق العام للجان المقاومة السودانية، يوسف أحمد إبراهيم فيما يتعلق بموقف قوى المقاومة من رئيس الحكومة بأن “حمدوك رجل وطني أتت به الثورة السودانية، وبالنسبة لنا هو أسير في يد اللجنة الأمنية للبشير، فمن واجبنا تحرير حمدوك من سجنه حتى يعمل بكل صدر رحب لهذا الوطن، وحمدوك لم ياتي به البرهان من خلال الاتفاق السياسي الأخير والذي نرفضه جميعا بل ظل كما هو الحال رئيس الوزراء، وسيظل ليكمل مسيرة التنمية والتقدم في البلاد”. (صحيفة الراكوبة الالكترونية، 08.12.2021).
وصرح رئيس حزب الأمة السوداني المكلف، وأحدي المشاركين في هندسة الإعلان السياسي، فضل الله برمة إن الحزب لم يرفض الإعلان، إنما طلب توسيعه. وبخصوص موقف الحزب من حمدوك بعد توقيعه على الإعلان، صرح أن “الحزب يسعى لتكوين قاعدة عريضة تكون الحاضنة السياسية لدعم حمدوك خلال الفترة الانتقالية”. ورغم نفي الأمين العام للحزب، الواثق البرير، لما صرح به برمه، يبدو إن هناك توافق داخل قيادة حزب الأمة بخصوص تقبل إستمرارية حمدوك كرئيس وزراء للفترة الانتقالية. (صحيفة الراكوبة الالكترونية، 09.12.2021)
وفي نفس الاتجاه تفكر وتقف أحزاب سياسية آخرى، مثل الحزب الاتحادي الديموقراطي، بقيادة المرغني والأحزاب العقائدية، كاحزاب البعث والحزب الجمهوري. أما الحزب الشيوعى وتجمع المهنيين والحركات المسلحة بقيادة عبدالعزيز الحلو وعبد الواحد نور لم يدلوا بتصريح وأضح لقبولهم أو لعدمه في شأن إستمرارية حمدوك في منصبه بعد توقيعه على الإعلان السياسي مع البرهان.
ب) ردود الفعل السياسية للدول الغربية وخلفياته
بغض النظر عن مقدار دور المعسكر الغربي في “فرملة” الإنقلاب وهندسة إعلان البرهان/حمدوك السياسي لقي هذا الإعلان خارجيًا، ترحيبًا عاليا، مصحوباً بنوع من الحذر، على حسب التصريحات الرسمية من هذا الاتجاه. حيث رحبت الولايات المتحدة والإتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي المتمثل في الأمين العام للأمم المتحدة والمجتمع الاقليمي المتمثل في منظمة الوحدة الافريقية، بعودة حمدوك لمنصبه كرئيس للوزراء. ويعتبر متحدثين بأسم هذه الدول والمنظمات أن الإعلان يمثل “خطوة أولى ومهمة” في استمرار السلطة المدنية والرجوع الي مسار الانتقال السياسي بموجب الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية. ويربط المعسكر الغربي موقفه الرافض للانقلاب وضغطه على الانقلابيين للرجوع للوضع ما قبل ٢٥ أكتوبر بأن حمدوك هو رئيس الحكومة الشرعي بموجب الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، والشخص المؤهل لقيادة وتحقيق الانتقال السياسي والاقتصادي في الفترة الانتقالية.
وفي موقف المعسكر الغربي الداعم للإنتقال السياسي المدني الديموقراطي في السودان – في شخص رئيس الوزراء تلعب بجانب عامل القناعات الإنسانية الكونية للمجتمع الغربي الديموقراطي المتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة، والتي رفعتها ثورة ديسمبر المجيدة، عدة عوامل أخري دوراً مهماً. وترتبط هذه العوامل بعمل وإنجازات السلطة التنفيذية المدنية تحت قيادة حمدوك في فترة العامين الماضيين وبأسلوب حمدوك التكنوقراطي و”التوافقي”، وبضعف حاضنته السياسية قوي الحرية والتغيير، وبالاستراتيجية الجيوسياسي للمعسكر الغربي الداعم للتحول السياسي المدني الديموقراطي في السودان:
ب.1) طلب بعثة أممية بموجب الفصل السادس للأمم المتحدة
من الواضح أن سياسة المعسكر الغربي الداعمة للثوره – في شخص حمدوك ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالدور الدبلوماسي، والإجراءات التي قام به رئيس الوزراء على المستوى الدولي لإعادة السودان الى المجتمع الدولي، والقنوات التي فتحها مع الأمم المتحدة، خصوصًا مع سكرتيرها العام غوتيرش، عبر دعوته لها لإرسال بعثة سياسية تحت الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية من أجل ترسيخ العملية السلمية ودعم تحقيق الانتقال السياسي في البلاد. أجازة بعثة أممية بدعم دولي عالي، وبداء عملها تحت أسم “اونتامس” تحت رئاسة الدبلوماسي الأممي فولكر بيرتس، وقبولها العريض من قوى الثوره، رغم مناهضتها من قوى الثوره المضادة، كان له إثر في تسارع وتيرة الانفتاح السياسي والاقتصادي للبلاد، ونمو الثقة في مقدرات وبذلك في شخص رئيس الوزراء لدي المعسكر الغربي إدارة الأمم المتحدة.
ب. 2) التعاون مع المؤسسات المالية الأممية
الثقة المكتسبة تحقيق بعثة الاونتامس الأممية، ودوره في بناء قنوات مع الدول الديموقراطية الغربية، وتعاون حكومته مع المؤسسات المالية الأممية المتمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتنفيذ الإجراءات المالية “التقشفية” التي مهدت الطريق الي الوصول الى نقطة القرار لإعفاءات الديون الخارجية عبر “برنامج الهيبك” للدول المثقلة بالديون تعتبر بمثابة خطوات مهمة في رفع مستوى الثقة، وفي قناعات وتوجهات حمدوك السياسية والاقتصادية اللبرالية لهذا المعسكر. وذلك من خلفية “إقتدار” حمدوك على تحقيق توافق سياسي وشعبي عريض لضرورة الإجراءات المالية التقشفية المتمثلة في رفع الدعم عن سلع استهلاكية مهمة، وذلك رغم تداعياتها الاجتماعية، خصوصًا علي الطبقة الوسطى والفقيرة.
ب.3) سلوك حمدوك التكنوقراطي وشخصيته “التوافقية” البراغماتية
للمراقبين السياسين والدبلوماسيين أتضح خلال العامين الماضيين ان حمدوك أستطاع بسلوكه التكنوقراطي في قيادة السلطة التنفيذية وبشخصيته التوافقية البراغماتية أن يثبت موضعه كرئيس وزراء متوافق عليه، وكقاسم مشترك بين المكونات المشاركة في إدارة الفترة الانتقالية والمكونات السياسية الأخري، والشارع السياسي، والحركات المسلحة المنضوية والغير منضوية تحت سلام جوبا. هذا التوافق السياسي العريض علي شخصية حمدوك كرئيس للوزراء يعتبر ظاهرة فريدة في تاريخ السودان السياسي منذ الإستقلال. حيث يعتبر القبول السياسي العريض لشخصية في موقع سياسي، مثل الذي فيه حمدوك، وفي وضع تتواجد فيه مكونات سياسية متعددة الاطراف ومتناقضة الأهداف، كما في حالة السودان، عاملاً سياسياً ودبلوماسياً مهماً للوصول الي حلول للمواضيع السياسية المختلف عليها.
في نشوء وتثبت دور، وصورة حمدوك كقاسم مشترك بين المكونات السياسية المشاركة والغير مشاركة في إدارة الفترة الانتقالية الصفات وجعله “العنوان الأول” لدي المعسكر الغربي لعبت حاضنته السياسية – قوي الحرية والتغيير دوراً أساسياً. حيث لم تستطيع قوى الحرية والتغيير، رغم مشاركتها في السلطة التنفيذية وتوليها لمنصب وزير الخارجية من تقديم شخصية سياسية تلعب دورًا سياسيًا ودبلوماسيًا بجانب حمدوك. ويرجع هذا الإخفاق الي عدة عوامل ترتبط باداء وهيكل قوي الحرية والتغيير.
ب.4) انقسامات قوى الحرية
علي الرغم من وضوح القناعات السياسية الغير منحازة للتحول المدني الديموقراطي للمنظومة الأمنية، بقيادة المكون العسكري، وأهدافها في توليها لملف السلام، المتمثلة في خلق قاعدة وحاضنة سياسية لها من مجموعات الكفاح المسلح في دارفور وجبال النوبه ومنما خلقته من “مسارات” جهوية، لم يكن لقوى الحرية والتغيير تفهم لضرورة التصدي للاستقلال السياسي لعملية السلام. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك الوضع الانشقاقات السياسية في قوى الحرية والتغيير والتي كانت بمثابة جزء من خطة “تعبيد الطريق” لانقلاب 25 أكتوبر العسكري.
ويرتبط ضعف الحرية والتغيير الذي أدى الى الانشقاقات و”تنمر” المكون العسكري عليها، وإنفراد حمدوك بدور الشريك الدبلوماسي “الوحيد” للمعسكر الغربي الداعم للإنتقال السياسي الديموقراطي، والمكون العسكري الشريك الدبلوماسي للمعسكر “الغير صديق” لثورة ديسمبر، وتنامي نشاطات بعض دول هذا المعسكر من المحيط الاقليمي لتحديد مجرى السياسة في الوطن إلي عدة عوامل. في هذا المضمار، ولغرض التكملة، ومن غير الخوض في تفاصيل خارجة عن نطاق الموضوع، أذكر أهمها في الآتي:
• عدم التوافق والإسراع في إنشاء المجلس التشريعي
• عدم تكوين المحكمة الدستورية
• عدم التوافق على إكمال المؤسسة العدلية بشقيهما القضائي والاستقصائي
• عدم أشراك القطاع الشبابي في السلطة التنفيذية والسيادية كما نصت عليه الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية
• ترك ملف السلام للمكون العسكري
• عدم وجود رؤية لكيفية إنهاء وضع قوات الدعم السريع كجيش ثاني مستقل
• عدم وجود رؤية لتحقيق صهر قوات الحركات المسلحة في جيش قومي موحد
• عدم وجود رؤية لتحقيق نزع السلاح المنتشر خارج المؤسسة الامنية
• عدم تطوير ميثاق الحرية والتغيير وتوسيع قاعدة المشاركة بضم قوى الشباب الناشط في لجان المقاومة والقوي المدنية الأخرى الموالية لمشروع ألدولة المدنية الديموقراطية الموحدة
• عدم وجود برنامج سياسي واقتصادي للفترة الانتقالية متفق عليه
• عدم وجود خطة إصلاحية للخدمة المدنية وللنظام المصرفي
• عدم وجود برنامج سياسي لدعم قوى الثوره في مناطق الهامش، خصوصًا في دارفور، جبال النوبه والشرق
• عدم وجود رؤية لتحقيق السلام المجتمعي في مناطق الحرب والصراع القبلي
• عدم التوافق على سياسة خارجية ترتكز على المصلحة الوطنية
• ضعف البرنامج والعمل الدبلوماسي تجاه القوي الداعمة للثوره.
ب.5) الإستراتيجية الجيوسياسية للدول الغربية
مشروع “الدفاع عن ودعم الديموقراطية في العالم” كآلية مهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة كان إحدي نقاط البرنامج الانتخابي لبايدن. استراتيجياً يهدف بايدن بهذه السياسة توسيع نطاق سيادة القيم الديموقراطية اللبرالية كآلية للحد من توسع النفوذ السياسي والاقتصادي الروسي والصينى في العالم. وكان لقاء القمة للمائة دولة (معادا الصين) الاسفيري، الذي دعا اليه بايدن وتم من يوم 09. الي 10.12.2021 بداية لتحقيق هذه السياسة وإشارة مهمة للجدية في تنفيذها.
طبقاً لأستراتيجية المعسكر الغربي الجيوسياسية ترتبط سياسة دعم ثورة دديسمبر – في شخص حمدوك بالدور المرسوم “لسودان ديموقراطي مستقرًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا بقيادة حكومة مدينة” في المحيط الإقليمية السودان. حيث تنطلق هذه الإستراتيجية من إن سودان محكوم بنظام مدني ديموقراطي، وبموقعه على البحر الاحمر -احد أهم المعابر المائية في العالم-، وتداخله الثقافي والاثني مع العالم العربي والأفريقي، وتعدد إثنياته وثقافته ومعتقداته، وامكانياته الطبيعية من معادن ومياه وأراضي زراعية وثروات غذائية يمكن ان يكون منارة ومثالاً لمزايا النظام السياسي المدني الديموقراطي، والاقتصاد الحر، لدول الجوار الاقليمي. بجانب ذلك الأثر يُرجي من النموذج السوداني المدني الديموقراطي المساهمة في خلق إستقرار في المحيط الاقليمي، وفي الحد من النفوذ السياسي والاقتصادي الروسي والصينى في شمال ووسط وشرق إفريقيا.
وفي الحد من تمدد وتثبيت النفوذ العسكري الروسي في السودان يلعب هدف إيقاف تحقيق مشروع القاعدة البحرية الروسية علي ساحل البحر الاحمر، والذي يقع تحت نفوذ المكون العسكري ويلعب به كورقة ضغط على الإدارة الأمريكية للوصول إلى أهداف تعوق مسار الانتقال السياسي، يمثل هدفا مهمًا في سياسة لدول “حلف الناتو” وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الدعمة للإنتقال السياسي المدني الديموقراطي في السودان. ويوضح قرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بإجماع كل أعضائها الديمقراطيين والجمهوريين، في 09.12.2021، بفرض عقوبات على المسؤولين عن زعزعة الاستقرار وإدانة إنقلاب 25 أكتوبر العسكري، ودعم الشعب السوداني عزم الإدارة الاميركية في المضي بحزم في سياستها الجديدة لتقوية المعسكر الديموقراطي كآلية مهمة لتحقيق الإستراتيجية الجيوسياسية للمعسكر الغربي.
خلاصة
من السرد أعلاه لمجري أداء حمدوك كرئيس للوزراء في فترة العامين الماضيين، والمرتبطة بشروط وظروف إختياره وبالعوامل السياسية الداخلية والخارجية الداعمة والمعرقلة لعمله، يتضح أنه إستطاع -الي جداً مقدر- إدارة ملف رجوع السودان الى الأسرة الأممية وربطه بالنظام المالي العالمي، وأنه أخفق بالكامل في إدارة الملفات ذات الطبيعة السياسية والأمنية؛ مثل السلام مع المجموعات المسلحة، إصلاح المؤسسات الأمنية، وبناء جيش وطني موحد، وإحالة ملكية شركات القطاع الأمني للدولة، وتفكيك تمكين النظام الساقط وإعادة الأموال المنهوبة ألي خزينة الدولة، وتسليم مطلوبي المحكمة الجنائية الدولية، وذلك رغم نصوص الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية علي تفويض السلطة التنفيذية للقيام بهذه الواجبات، وتقديم نتائج لعمل “لجنة فض الاعتصام” .
هذه الخلاصة لا تهدف الى حصر إنجاز ملف الرجوع الى الأسرة الدولية أو مسؤولية الإخفاق في إدارة الملفات الداخلية ذات الطبيعة السياسية في شخص حمدوك. لكن، وكما معلوم في علم وسياسة الإدارة ان كل منصب أداري في اي مؤسسة، سواء كانت تجارية، مدنية، او سياسية، له صلاحياته وواجباته وأهدافه وعلى اساسهم يُقيم أداء المسؤول بموجب الإنجازات والإخفاقات التي حققت في فترة توليه المسؤولية.
ويبقي الهدف من هذه الخلاصة هو تسليط الضوء على الظروف والعوامل التي أدت إلى التوافق علي تكاليف حمدوك لقيادة السلطة التنفيذية للفترة الانتقالية بمواصفات تكنوقراطية، وتداعيات السلوك التكنوقراطي لقيادته لسلطة مدنية مكلفة بتحقيق أهداف ثورة قامت ضد “اعتي وأبشع” دكتاتوريات القرن العشرين كرست كل ثروات البلاد الطبيعية والبشرية لتمكينها. علي ضواء هذا التسليط يأتي التركيز على معالجة جوانب الضعف التي واكبت السلطة التنفيذية بقيادة حمدوك في العامين الماضيين أهمية كبري. وتقع المسؤولية الأساسية للقيام بعمل المعالجة والإصلاح لذلك الضعف علي عاتق قوي الحرية والتغيير، وذلك من خلفية ظهور توافق سياسي مدني و”عسكري؟” متأثرًا بالضغط وبالدعم القوي من المعسكر الغربي والأمم المتحدة على مواصلة حمدوك لقيادة المرحلة المقبلة للفترة الانتقالية. بجانب ذلك يبعث هذا التسليط علي جوانب الضعف للسلطة التنفيذية السابقة رسالة واضحة في بريد من تقع عليه عليه مهمة قيادة حكومة الفترة الانتقالية القادمة، سواء أن كان حمدوك أو شخص آخر، علي أنه لن يكون هناك نجاح لأي سلطة تنفيذية من غير قبول وسند من قوي الثوره، خصوصاً من المكون الشبابي فيها.
المعالجة والاصلاح لجوانب الضعف لعمل السلطة التنفيذية لابد ان يهدف الي قيام سلطة تنفيذية مدنية لإدارة المرحلة المقبلة للفترة الانتقالية بتكليفً سياسي وبقيادة وزراء من قوى الثوره، سواء ان كانوا حزبين أو مهنيين أو مستقلين، من اجل تحقيق اهداف الثوره، وتولي المكون المدني قيادة المجلس السيادي لحين تكوين المجلس التشريعي، أيضاً من قوى الثورة، وتصيح وتحقيق كل ما ورد في هذا التحليل في النقطة (ب.4). في هذا الصدد يمثل الذخم الحالي للثوره والدعم، والتضامن العالمي معها أرضية سياسة متينه لقيام سلطة تنفيذية مدنية بروح ثورية، وبسط السلطة المدنية، وتفكيك كل هياكل وقواعد التمكين والفساد الاقتصادي والسياسي للنظام الساقط، وتحقيق سلام شامل وحقيقي، وبناء جيش وطني موحد، ونزع السلاح من أيدي المواطنين والملشيات القبلية ومعتادي الإجرام، وتحقيق العدالة لضحايا الجرائم ضد الإنسانية ولشهداء الثوره المجيدة.
أخيرًا وليس آخراً، وبعد مرور ثلاثة أعوام على ثورة ديسمبر المجيدة وعامين لحكومة الفترة الانتقالية وفي ظروف التداعيات السياسية والامنية -خصوصاً الان في دارفور واستمرارية الأزمة السياسية في الشرق- والاقتصادية والاجتماعية للانقلاب العسكري في 25 أكتوبر على السلطة التنفيذية المدنية والدستور الانتقالي، وفي ظل استمرارية استعار وتعميق الثوره، وتذايد الضغط الأمريكي علي “معقيين الإنتقال الديمقراطي” من داخل وخارج المنظومة الأمنية، ووضوح القوى السياسية الداخلية والخارجية الداعمة والمعادية للثوره يصعب التكهن بالمنعرجات والتحديات التي ستمر بها وستواجهها ثورة ديسمبر. وبمجرى الثوره في الفترة القادمة ومقدار تحقيق أهدافها “حرية، سلام وعدالة” في سودان ديموقراطي موحد يرتبط أيضاً الحكم على دور حمدوك الشخصي كرئيس في ذلك، وعلي ما إذا كان الاختيار والتكليف له بصفة التكنوقراط خطاءً تاريخيًا ام لا.
shamis.khayal@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor