محمد صالح محمد
في صباح العيد يستيقظ العالم على أصوات التكبيرات والبهجة وتشرق الشمس لتغمر الكون بالدفء إلّا قلبي؛ فقد أعلن ليلهُ الطويل منذ أن غبتِ.
أستيقظُ والنسمات الباردة تلطم وجهي باحثاً في زوايا الغرفة عن طيفك وعن بقايا عطرٍ تاه في أثير الغياب فلا أجد سوى صدى صوتي يرتدّ إليّ محملاً بالخيبة.
كل عام وأنتِ بعيدة عن عيني وقريبة جداً بل أقرب من أنفاسي و إلى روحي.
محمد صالح محمد
تفاصيلكِ الراحلة ودفء الحضور المفقود …
يا حبيبتي كيف أترجم لكِ معنى العيد دون وجودك؟ العيد في غيابكِ ليس إلا يوماً يرتدي قناع الفرح و يمرّ ثقيلاً كجبلٍ جاثم على صدري.
أفتقد تفاصيلكِ الصغيرة التي كانت تصنع عيدي؛ أفتقد تلك الابتسامة الخجولة التي كانت تسبق تهنئتكِ وأفتقد نبرة صوتكِ العذبة وهي تخبرني بأنني “كل أعيادكِ”.
كان دفء حضوركِ يملأ حياتي بهجةً لا تشبهها بهجة. كان لمس إيدكِ في مثل هذا الصباح كفيلاً بأن ينسيني مرارة الدنيا ويرسم على شفتيّ حباً سرمداً.
اليوم أقف وحيداً في مهبّ الذكريات و يقتلني الحنين إلى ثوبكِ الطاهر وإلى ضحكتكِ التي كانت تعزف في قلبي أجمل ألحان الحياة.
كيف تحول ذلك الدفء كله إلى صقيع ينهش أضلعي؟ وكيف تبدلت تلك البهجة إلى دموعٍ حارقة تجرح وجنتيّ كلما مرّ طيفكِ بالخاطر؟
حبٌّ يصارع المسافات و أنين الروح المتعبة …
يقولون إن المسافات تقتل الحب ولا يعلمون أن حبكِ في غيابكِ يزداد توهجاً واشتعالاً في قلبي حتى بات يحرقني.
أنتِ لستِ هنا، نعم، تحجبكِ عني مدن وربما أقدارٌ قاسية لا ترحم ضعفي لكنكِ تسكنين في أعمق نقطة بوجداني.
أنا لا أتنفس الأكسجين يا حبيبتي أنا أتنفس ذكراكِ.
“أغمض عينيّ فيشرق وجهكِ في عتمتي وأمدّ يدي في الفراغ لعلي ألمس طيفكِ الراحل فأعود خائباً و أبكي كطفلٍ فُطِم عن أمه قبل الأوان”
إنها رغبة عارمة بالبكاء، بكاء صامت يمزق الحنايا؛ لأنني أعلم أن العيد مضى وسيمضي وأنتِ لستِ معي.
سأضطر للابتسام كذباً في وجوه المهنئين سأقول لهم “كل عام وأنتم بخير” وقلبي ينزف دماًو يناديكِ سرّاً: أين أنتِ يا بهجة العمر؟ أين أنتِ يا عيدي؟
رسالة مغسولة بالدموع إلى البعيدة القريبة …
يا حبي الوحيد ويا جرحي المقيم الذي لا يبرأ في صباح هذا العيد أرسل لكِ مع كل نبضة قلب مكسور ومع كل دمعة تائهة سقطت من عيني شوقاً إليكِ رسالة مغسولة بالآهات.
أحبكِ… سأظل أحبكِ رغماً عن هذا البعد الذي يمزقني ورغماً عن هذا الغياب الذي يسرق من عمري سأظل أترقب عودتكِ مع كل صباح عيد جديد لعلّ الأقدار تشفق على قلبٍ أضناه التعب وروحٍ أهلكها الحنين.
حتى ذلك الحين سأبقى هنا أحضن طيفكِ وأبكي غيابكِ وأردد مع كل دقة من دقات قلبي المتعب: كل عام وأنتِ البعيدة عن عيني والمقيمة للأبد في روحي.
وفي هذا الصباح أدركُ يقيناً أن العيد قد انتهى قبل أن يبدأ فليس هناك عيدٌ لرجلٍ يسير في منافي الأرض وروحهُ معلقة على عتباتِ غيابكِ.
أضع يدي على قلبي المثقل بالآهات، هاهنا حيث تنامين بين النبضة والنبضة أتحسّس طيفكِ الدافئ وسط الصقيع الذي يلفّ كوني، وأبكي.. أبكي بمرارةٍ تلعن المسافات التي تحول بين عينيّ ورؤية عينيكِ.
سأنزع عني ثياب العيد وأرتدي الحنين كفنًا لقلبٍ رفض أن ينبض لغيركِ وسأغلق أبوابي بوجه الفرح الذي يطرقها مستأذناً فما حاجتي لفرحٍ لا يأتي بكِ؟ وما حاجتي لدنيا لستِ فيها؟
يا حبيبتي و يا جرحي الأزلي وعشقي الأبدي سأبقى هنا في زاوية الانكسار ذاتها أقتات على ذكراكِ وأغسل شوقي بدموعي المتعبة بانتظار عيدٍ يجمعني بكِ أو موتٍ يرحم روحي ويأخذني إليكِ.
binsalihandpartners@gmail.com
