عام على الحرب، لكن هل هي حقاً “عبثية”

 


 

 

الدكتور عبدالله علي إبراهيم، متعه الله بالصحة والعافية، منارة راسخة في الفكر الإنساني، ومنهل لا ينضب من المعرفة، فهو مدرسة لن تتكرر، ونحن محظوظون لأننا عشنا عصره وعاصرناه.
بالتأكيد هو ليس في حاجة لشهادتي هذه، لكني ذكرتها حتى أذكر بها نفسي لتتواضع وأنا أحاول أعقب على مقاله (عام على الحرب "العبثية" ويل لأمة الغضب مولد طاقتها الوحيد). متناولاً هذه المفردة (عبثية) التي ضنَّ البروفيسور بها علينا.
لماذا هي حرب "عبثية"؟ وهل كلمة "عبثية" اسم أو صفة لهذه الحرب، أم مفهوماً فلسفياً، فلو كانت صفة لهذه الحرب الملعونة فهذا هو الخطأ بعينه، أما لو كانت اسم فأحيانا تسمى الأشياء بأحداث وقعت خلالها أو لظرف موضوعي، أو ذاتي، أو ظرف مكان، أو زمان تعلق بها، وكثير من الأحداث تحمل أسماء ربما لو حللناها نجد أن العلاقة بين الاسم والحدث هو كالعلاقة بين السمكة، والصحراء، ومارلين مونرو، لا رابط بينهم، وأظن اسم الحرب العبثية مأخوذ من لسان الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي كان أول ما أدلى به عند وقوعها حين قال لقناتي العربية والحدث في أبريل 2023 ((الجميع خاسر في هذه الحرب العبثية)) واصفاً إياها بأنها حرب عبثية لا منتصر والكل فيها مهزوم، وأظن هذه هي العبارة الوحيدة التي صدق فيها منذ أن عرفناه، ربما من هنا جرى المسمى في أوساط الحداثيين، ومنهم الأستاذة رشا عوض القيادية المستنيرة في تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية (تقدم)، وشخصي والعديد من الكتاب والمثقفين.
أما وصفها بحرب "عبثية"، سواء بالمعني الحرفي للكلمة، أي اللعب والهزل وإضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه، أو بالمعنى المجازي أي سدى أو هباء، كما في قوله تعالى (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا) المؤمنون115، فهي بالتأكيد ليست كذلك مادام لها أهدافها ومنطلقاتها وأسبابها. ولو لم يطلق الفلول طلقتها الأولى فأنها كانت حتمية الاندلاع، حسب صيرورة التاريخ، تعاقب الأحداث، النشوء والارتقاء ومنطق الأسباب وقوانين التطور، كانت ستقع ستقع بعد أن توفرت لها الأسباب ونضجت الظروف، على الرغْم من محاولات المشفقين من المدنيين في قيادات الحرية والتغيير، وبعض أصحاب النيات الحسنة إطفاء ذكوتها، وإخماد لهيبها، إلا أنهم فشلوا لأن جمرتها كانت متقدة تحت الركام منذ أغسطس 2013 عندما حول عمر البشير ميلشيا الجنجويد إلى قوات منفلتة الزمام باسم قوات الدعم السريع.
كانت الحرب مشتعلة تحت الركام منذ أن بدأ تفريغ الجيش من كوادره المؤهلة وإضعافه لمصلحة المليشيات الحزبية وقوات الدعم السريع.
كانت الحرب جمرتها مشتعلة تحت الركام منذ أن تمدد حميدتي وحوَلَ قوات الدعم السريع من بضعة آلاف إلى جيش خاص تعداده بمئات الآلاف، جيش ليس موازياً أو مضاهياً للقوات المسلحة، بل متفوقاً عليها عدةً وعتاداً، تدريباً وتأهيلا مما جعل حميدتي يخرج لسانه متطاولاً ومستفزاً الجيش وقياداته بمناسبة ومن غير مناسبة.
كانت الحرب مشتعلة تحت الركام، منذ سقوط دولة الفساد والاستبداد وفلولها يعدون العدة بالمال والسلاح، و يحيكون المؤامرات لإفشال التجربة المدنية والعودة للمشهد السياسي.
كانت الحرب مشتعلة تحت الركام منذ أن رفض صناع الثورة الجلوس معاً، والعمل كيد واحدة وحاضنة سياسية للحكومة المدنية ولحماية الثورة، والمضي بها قدماً لتحقيق غاياتها، والحلفاء المعنيين هم أحزاب الحرية والتغيير، تجمع المهنيين، لجان المقاومة، الشيوعيين، والحركات المسلحة عبد الواحد محمد نور، وعبد العزيز الحلو.
وهنا نجد الدكتور عبدالله علي إبراهيم محق وعلى حق، فمن الخطأ وصف الحرب بالعبثية ما دام لها أهداف ومقاصد، لكن هناك معنى آخر لمفهوم "العبثية" يتمثل في المعنى الفلسفي للكلمة، أي مفهوم الفلسفة "العبثية" التي ارتبطت بالعدمية، ومن روادها الكاتب "صمويل بيكيت"، المسرحي الإيرلندي المعروف صاحب مسرحية "في انتظار غودو"، وكذلك "يوجين يونسكو" أبرز مسرحيي مسرح اللامعقول أو مسرح العبث في فرنسا والعالم.
والفلسفة العبثية مرادفة في المعنى للعدمية، أي غير مفهومة بواسطة العقل البشري، ومصطلح "عبثي" له معنى محدد في سياق الفلسفة العبثية، فهو يشير إلى صراع أو تناقض بين شيئين، أو بين النيات والنتائج، أو بين التقييم الذاتي والقيمة الموضوعية، وهنا يمكن إطلاق "عبثية"، بالمفهوم الفلسفي للكلمة، على هذه الحرب ليس لكونها غير معلومة الفائدة فنقول أنها انطلقت عبثاً، أي لا فائدة مرجوة منها، بل بمفهوم حصيلتها وقيمتها الموضوعية، وعبثية لأن نهايتها الفشل الحتمي لكافة الأطراف، ومن هذا المنطوق الفلسفي (العبثية) (Absurdism) حق لنا أن نطلق عليها عمومًا إنها حرب "عبثية".

عاطف عبدالله
26/04/2024

atifgassim@gmail.com

 

آراء