باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 13 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

عبد الخالق محجوب بين القيادة الثورية والمركزية الحزبية

اخر تحديث: 13 يوليو, 2026 11:36 صباحًا
شارك

عبد الخالق محجوب بين القيادة الثورية والمركزية الحزبية: الصراعات الداخلية، اغتيال الشخصية، العلاقة بالسوفيت والانقلابات العسكرية في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يمثل عبد الخالق محجوب إحدى أكثر الشخصيات السياسية والفكرية السودانية إثارة للجدل في القرن العشرين، فقد جمع بين دور المفكر الماركسي والمنظم الحزبي والقائد السياسي، وبين تجربة قيادية ارتبطت بصراعات داخلية حادة وأسئلة كبرى حول الديمقراطية الحزبية، واستقلال القرار السياسي، والعلاقة بين العمل الجماهيري والعمل العسكري.

نشأ عبد الخالق في سياق الحركة الوطنية السودانية المناهضة للاستعمار، وتأثر بالأفكار الماركسية خلال وجوده في مصر، ثم أصبح أحد مؤسسي الحركة الشيوعية السودانية وتولى قيادة الحزب الشيوعي السوداني منذ عام 1949 تقريباً حتى إعدامه عام 1971. اعتمد في بناء الحزب على نموذج الحزب الشيوعي اللينيني القائم على المركزية الديمقراطية والانضباط التنظيمي، ورأى أن الحزب الطليعي المنظم هو الأداة الأساسية لتحقيق التحول الاجتماعي والسياسي.

كان أهم صراع فكري وتنظيمي في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني المبكر هو الصراع بين عبد الخالق محجوب وعوض عبد الرازق حول طبيعة الحزب ودوره. فقد كان عوض عبد الرازق يرى أن ظروف السودان الاجتماعية والاقتصادية لا تسمح ببناء حزب شيوعي تقليدي على النموذج السوفيتي، لأن المجتمع السوداني كان زراعياً في الأساس والطبقة العاملة الصناعية محدودة. لذلك دعا إلى بناء حركة وطنية تقدمية واسعة، واقترح اندماج الشيوعيين داخل الحزب الوطني الاتحادي والعمل من خلاله باعتبارهم جناحاً يسارياً اشتراكياً يدفعه نحو برامج أكثر تقدمية في قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية والإصلاح السياسي.

في المقابل، رفض عبد الخالق هذا الاتجاه، واعتبر أن ذوبان الشيوعيين داخل الحزب الوطني الاتحادي سيؤدي إلى فقدان استقلالهم السياسي وتحويلهم إلى تيار تابع داخل حزب وطني تقليدي. ودافع عن تأسيس حزب شيوعي مستقل يمتلك برنامجه وتنظيمه وقاعدته الجماهيرية الخاصة. أدى انتصار خط عبد الخالق إلى ترسيخ هوية الحزب الشيوعية المستقلة، لكنه أدى أيضاً إلى إقصاء التيار المنافس وتراجع نفوذ عوض عبد الرازق داخل التنظيم، وهو ما اعتبره منتقدو عبد الخالق مثالاً مبكراً على ضعف التسامح مع الاختلاف الداخلي.

كما شهد الحزب صراعات أخرى مع قيادات وكوادر اختلفت مع خط عبد الخالق، ومن بينها الخلافات المرتبطة بقاسم أمين. وقد اتخذت بعض هذه الصراعات طابعاً شخصياً، حيث ظهرت اتهامات وتشويهات بحق بعض الخصوم السياسيين، ومنها تداول اتهامات أخلاقية وجنسية ضد قاسم أمين. إلا أن هذه الاتهامات لا يمكن اعتبارها حقائق تاريخية ثابتة لغياب الأدلة المستقلة الكافية، لكنها تكشف عن طبيعة المناخ السياسي والتنظيمي الذي كانت فيه الخصومات الفكرية تتحول أحياناً إلى حملات لتقويض السمعة الشخصية.

ارتبط أسلوب عبد الخالق القيادي بمفهوم المركزية الديمقراطية، وهو نموذج يقوم على السماح بالنقاش الداخلي ثم الالتزام الجماعي بالقرار بعد اتخاذه. غير أن منتقديه رأوا أن هذا المبدأ أدى عملياً إلى تركيز السلطة في القيادة العليا، وتحويل الخلافات الفكرية إلى قضايا ولاء وانضباط، مما حدّ من التعددية الداخلية. أما أنصاره فاعتبروا أن هذا الأسلوب كان ضرورة تنظيمية فرضتها ظروف العمل السري والقمع السياسي الذي تعرض له الحزب.

كان ارتباط الحزب الشيوعي السوداني بالحركة الشيوعية العالمية والاتحاد السوفيتي من القضايا الأساسية في تقييم تجربة عبد الخالق. فقد تبنى الحزب مفاهيم ماركسية لينينية وتنظيماً قريباً من النموذج السوفيتي، الأمر الذي دفع خصومه إلى اتهامه بعدم تطوير نموذج اشتراكي سوداني مستقل بالكامل. في المقابل، يرى مؤيدوه أن عبد الخالق لم يكن مجرد تابع لموسكو، بل حاول تطوير رؤية ماركسية مرتبطة بخصوصية السودان، خاصة في قضايا القومية والديمقراطية والتنمية والتنوع الاجتماعي.

تظهر إحدى أكبر التناقضات في تجربة عبد الخالق في موقفه من الانقلابات العسكرية. فقد أعلن الحزب الشيوعي السوداني رفضه للانقلابات باعتبارها وسيلة غير ديمقراطية للوصول إلى السلطة، وشارك في مقاومة نظام إبراهيم عبود وفي الحراك الذي أدى إلى ثورة أكتوبر 1964. إلا أن علاقته بالضباط ذوي التوجهات اليسارية، وخاصة قبل وبعد انقلاب مايو 1969، أثارت تساؤلات حول مدى التزامه العملي بهذا المبدأ.

بعد انقلاب جعفر نميري في مايو 1969، شارك عدد من الشيوعيين واليساريين في مؤسسات الحكم الجديد، واتخذ النظام إجراءات اقتصادية وسياسية اقتربت من بعض توجهات الحزب. أدى ذلك إلى اتهامات بأن عبد الخالق كان يعلم بالانقلاب أو تعامل معه باعتباره فرصة سياسية. غير أن الأدلة التاريخية لا تثبت بصورة قاطعة أنه كان المخطط المباشر للانقلاب، بينما يرى بعض الباحثين أنه فوجئ به لكنه اختار التعامل معه بعد وقوعه بسبب التقارب بين شعارات النظام الجديد وبرنامج الحزب.

أما انقلاب يوليو 1971 فقد كان الحدث الأكثر تأثيراً في إرث عبد الخالق. فقد قادت مجموعة من الضباط بقيادة هاشم العطا انقلاباً ضد نميري، وارتبطت الحركة الانقلابية بعدد من العناصر الشيوعية أو القريبة من الحزب. بعد فشل الانقلاب شن نميري حملة قمع واسعة ضد الحزب، وأعدم عبد الخالق محجوب وعدداً من القيادات السياسية والعسكرية.

ظل الجدل قائماً حول مسؤولية عبد الخالق عن انقلاب يوليو. فهناك من يرى أنه كان على علم بالتحرك أو شارك سياسياً في دعمه، مستندين إلى وجود شيوعيين في مواقع مؤثرة خلال فترة حكم الانقلابيين القصيرة. وهناك من يرى أن الانقلاب كان مبادرة عسكرية مستقلة، وأن عبد الخالق لم يكن مخططه المباشر، لكنه أخطأ في تقدير طبيعة التحالف بين القوى المدنية والعسكرية.

تكشف تجربة عبد الخالق محجوب عن مجموعة من التناقضات التاريخية. فقد كان من أكثر السياسيين السودانيين دفاعاً عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنه قاد حزباً اتسم بدرجة عالية من المركزية والانضباط. دعا إلى التحرر الوطني والاجتماعي، لكنه ظل مرتبطاً بإطار فكري عالمي هو الحركة الشيوعية الدولية. رفض الانقلابات العسكرية من حيث المبدأ، لكنه تعامل عملياً مع أنظمة عسكرية عندما رأى إمكانية التأثير عليها أو الاستفادة منها.

لذلك فإن تقييم عبد الخالق محجوب يتطلب تجاوز الصور الأحادية؛ فهو ليس فقط قائداً ثورياً مثالياً كما يراه أنصاره، ولا مجرد زعيم حزبي سلطوي كما يصوره بعض خصومه، بل شخصية تاريخية معقدة عكست صراعات اليسار السوداني والعالمي في القرن العشرين، وجمعت بين قوة الفكر والتنظيم وبين حدود النموذج السياسي الذي اختاره.

النص الكامل للمقال

مقدمة: قراءة نقدية في تجربة أحد أبرز قادة اليسار السوداني

يمثل عبد الخالق محجوب (1927–1971)، السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني، واحدة من أكثر الشخصيات السياسية السودانية إثارة للجدل في القرن العشرين. فقد ارتبط اسمه من جهة بمشروع فكري وسياسي ترك أثراً عميقاً في تاريخ السودان الحديث، وبناء أحد أكثر الأحزاب السياسية تنظيماً وتأثيراً في البلاد، كما ارتبط من جهة أخرى بصراعات تنظيمية حادة، وبنمط قيادة وصفه خصومه بأنه شديد المركزية، وبأنه اعتمد أساليب إقصاء وتشويه ضد بعض منافسيه داخل الحزب.

ينقسم تقييم عبد الخالق محجوب بين اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول، الذي يمثله كثير من أنصاره وبعض الباحثين اليساريين، يراه مفكراً ماركسياً سودانياً أصيلاً، وقائداً سياسياً امتلك رؤية استراتيجية لقضايا الاستقلال والديمقراطية والتنمية الاجتماعية، ودافع عن استقلال السودان في مواجهة الاستعمار والأنظمة العسكرية. أما الاتجاه النقدي فيرى أن تجربته عكست تناقضات الحركة الشيوعية في القرن العشرين، حيث جمع بين خطاب التحرر والديمقراطية من جهة، وبين تبني نموذج تنظيمي يقوم على المركزية الصارمة، والتضييق على المعارضة الداخلية، والارتباط الفكري والتنظيمي بالحركة الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى.

ولا يمكن فهم هذه التناقضات خارج سياق المرحلة التاريخية التي ظهر فيها الحزب الشيوعي السوداني. فقد نشأ الحزب في فترة تصاعد الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار، وفي ظل صعود الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية منافسة للغرب، وانتشار النموذج اللينيني في بناء الأحزاب الشيوعية. لذلك لم تكن الخلافات داخل الحزب مجرد صراعات شخصية، بل كانت انعكاساً لسؤال أعمق حول طبيعة المشروع السياسي المناسب للسودان: هل يكون حزباً شيوعياً مستقلاً على النموذج السوفيتي، أم حزباً اشتراكياً وطنياً واسعاً مندمجاً في الحركة الوطنية الديمقراطية؟

برز هذا السؤال بصورة خاصة في الصراع بين عبد الخالق محجوب وعوض عبد الرازق، كما ظهر لاحقاً في الخلافات مع شخصيات أخرى مثل قاسم أمين، حيث اتخذ الصراع أحياناً طابعاً شخصياً واستخدمت فيه، وفق روايات بعض خصوم عبد الخالق، أساليب من قبيل التشكيك الأخلاقي والطعن في السمعة، وهي ظاهرة لم تكن خاصة بالسودان بل ارتبطت بتاريخ كثير من الأحزاب الأيديولوجية في القرن العشرين.

أولاً: نشأة الحركة الشيوعية السودانية وصعود عبد الخالق محجوب

ولد عبد الخالق محجوب في أم درمان عام 1927، ونشأ في بيئة شهدت تصاعد الحركة الوطنية السودانية ضد الحكم الاستعماري البريطاني المصري. خلال دراسته في مصر في أربعينيات القرن العشرين، تأثر بالحركة الشيوعية المصرية وبالأفكار الماركسية، وانخرط في النشاط السياسي اليساري، ثم عاد إلى السودان ليساهم في تأسيس الحركة الشيوعية السودانية.

بدأ النشاط الشيوعي السوداني في صورة حلقات وتنظيمات سرية، ثم تطور لاحقاً إلى الحزب الشيوعي السوداني. وفي عام 1949 أصبح عبد الخالق محجوب السكرتير السياسي للحزب، وهو الموقع الذي منحه نفوذاً كبيراً في صياغة خط الحزب السياسي والتنظيمي حتى إعدامه عام 1971 (Beshir, 1975).

اعتمد عبد الخالق نموذج الحزب الطليعي المستند إلى مفهوم “المركزية الديمقراطية”، حيث يسمح بالنقاش داخل الهيئات التنظيمية، لكن بعد اتخاذ القرار تصبح وحدة الموقف والتنفيذ واجبة على جميع الأعضاء. وكان يرى أن هذا النموذج ضروري لبناء حزب ثوري قادر على العمل في ظروف القمع والاستعمار والأنظمة العسكرية.

غير أن منتقديه رأوا أن هذا المفهوم تحول عملياً إلى مركزية قيادية مفرطة، وأن السكرتير السياسي أصبح يمتلك نفوذاً واسعاً على حساب المؤسسات الحزبية، وأن الاختلاف الفكري كثيراً ما كان يُفسر باعتباره خروجاً على الخط التنظيمي، مما أدى إلى إضعاف التعددية الداخلية.

ثانياً: الصراع مع عوض عبد الرازق حول طبيعة الحزب ومستقبله السياسي

يعد الصراع بين عبد الخالق محجوب وعوض عبد الرازق من أهم الخلافات الفكرية في تاريخ الحركة الشيوعية السودانية المبكرة. فقد كان عوض عبد الرازق من القيادات المؤسسة للحركة الشيوعية، وكان يمثل اتجاهاً مختلفاً جذرياً عن الاتجاه الذي انتصر لاحقاً بقيادة عبد الخالق.

لم يكن الخلاف بين الرجلين مجرد خلاف على أسلوب القيادة، بل كان صراعاً حول السؤال المركزي: ما هو الحزب الذي يحتاجه السودان في مرحلة ما قبل الاستقلال؟

كان عوض عبد الرازق يرى أن المجتمع السوداني يختلف عن المجتمعات الصناعية الأوروبية التي نشأت فيها الأحزاب الشيوعية التقليدية. فالسودان كان مجتمعاً زراعياً، وكانت الطبقة العاملة الصناعية محدودة، بينما كانت الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار تضم قطاعات واسعة من المثقفين والطبقة الوسطى والطلاب والمهنيين. لذلك رأى أن بناء حزب شيوعي مستقل على النموذج السوفيتي في تلك المرحلة سابق لأوانه (Abdel Rahim, 1969).

انطلاقاً من هذا التحليل، دعا عوض عبد الرازق إلى صيغة سياسية مختلفة تقوم على اندماج الشيوعيين داخل الحزب الوطني الاتحادي باعتباره الحزب الوطني الجماهيري الأكبر في ذلك الوقت، والعمل من داخله باعتبارهم جناحاً يسارياً اشتراكياً يدفع الحزب نحو برنامج أكثر تقدمية في قضايا الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي.

كان هذا الطرح قريباً من فكرة تحويل الشيوعيين إلى تيار يساري داخل حركة وطنية ديمقراطية واسعة، بدلاً من تأسيس حزب شيوعي مستقل محدود القاعدة. وكان عوض عبد الرازق يعتقد أن الأولوية التاريخية هي تحقيق الاستقلال الوطني وبناء نظام ديمقراطي، وأن الصراع الاجتماعي يجب أن يُدار داخل إطار وطني واسع وليس من خلال حزب طبقي منفصل.

أما عبد الخالق محجوب فقد رفض هذا التصور، واعتبر أن اندماج الشيوعيين في الحزب الوطني الاتحادي سيؤدي إلى فقدان استقلالهم السياسي وتحويلهم إلى مجرد جناح داخل حزب تقوده قيادات برجوازية وطائفية. وكان يرى أن الطبقة العاملة والقوى الكادحة تحتاج إلى حزب مستقل يحمل برنامجاً اشتراكياً واضحاً، ويستطيع بناء تحالفات من موقع مستقل لا تابع (Beshir, 1975).

أدى انتصار خط عبد الخالق إلى تثبيت نموذج الحزب الشيوعي المستقل، بينما تراجع نفوذ تيار عوض عبد الرازق داخل التنظيم. وقد اعتبر بعض المؤرخين أن هذه اللحظة شكلت نقطة التحول التي حسمت هوية الحزب لعقود لاحقة.

ويرى منتقدو عبد الخالق أن طريقة إدارة هذا الصراع كشفت عن ضعف الديمقراطية الداخلية، وأن الاتجاه المخالف لم يُهزم فقط بالحجة الفكرية، بل تعرض للتهميش التنظيمي. أما أنصار عبد الخالق فيرون أن الخلاف كان حول خيارات استراتيجية مصيرية، وأن الحفاظ على استقلال الحزب كان شرطاً ضرورياً لبقائه كقوة سياسية مستقلة.

ثالثاً: الصراع مع قاسم أمين واستخدام اغتيال الشخصية في الخلافات الداخلية

يمثل الخلاف حول قاسم أمين مثالاً آخر على طبيعة الصراعات الداخلية داخل الحركة الشيوعية السودانية. فقد ارتبط اسمه باتجاهات انتقدت بعض جوانب خط القيادة، وخاصة ما اعتبرته تشدداً أيديولوجياً، ومبالغة في تقليد النموذج التنظيمي للحركة الشيوعية العالمية.

في سياق الصراعات الحزبية الحادة، ظهرت اتهامات وتشويهات شخصية طالت عدداً من المخالفين داخل الأحزاب الأيديولوجية، ولم يكن الحزب الشيوعي السوداني استثناءً من هذه الظاهرة. وقد أشارت روايات نقدية إلى أن خصومات سياسية داخل الحزب استخدمت أحياناً أساليب الطعن الأخلاقي في الخصوم، ومن ضمنها تداول اتهامات تمس الحياة الشخصية لبعض المعارضين، ومنها اتهامات ذات طابع جنسي وجهت إلى قاسم أمين.

غير أن هذه الاتهامات تحتاج إلى التعامل معها بحذر تاريخي، إذ إن كثيراً من حملات التشويه السياسي في الأحزاب السرية خلال القرن العشرين كانت جزءاً من أدوات الصراع التنظيمي، ولا تكفي الروايات المتداولة وحدها لإثبات وقائع شخصية لا توجد بشأنها وثائق تاريخية مستقلة مؤكدة.

تكمن أهمية هذه القضية ليس في صحة الاتهام الشخصي من عدمه، بل في دلالتها السياسية؛ إذ تكشف عن انتقال الصراع من مستوى الاختلاف الفكري حول البرامج والخط السياسي إلى مستوى المساس بالسمعة الشخصية، وهي ظاهرة عُرفت في كثير من التنظيمات الثورية التي اتسمت بدرجة عالية من الاستقطاب الأيديولوجي.

ويرى منتقدو قيادة عبد الخالق أن انتشار مثل هذه الأساليب يعكس ثقافة تنظيمية لم تكن تتسامح بسهولة مع الاختلاف، وأن اتهام المخالفين أخلاقياً أو سياسياً كان وسيلة لعزلهم داخل الحزب وخارجه.

أما المدافعون عن عبد الخالق فيرون أن تحميله شخصياً مسؤولية كل خلاف أو كل اتهام متداول داخل حزب سري ومعقد تنظيمياً يمثل تبسيطاً للتاريخ، وأن الصراعات كانت جزءاً من ظروف الحركة الشيوعية العالمية في عصر الحرب الباردة.

رابعاً: عبد الخالق محجوب ومشكلة الديمقراطية الداخلية في الحزب الشيوعي السوداني

ظل موضوع الديمقراطية الداخلية في الحزب الشيوعي السوداني من أكثر القضايا إثارة للنقاش حول قيادة عبد الخالق محجوب. فمن جهة، كان الحزب من أكثر التنظيمات السياسية السودانية اهتماماً بالتثقيف السياسي وبناء الكادر الحزبي، وامتلك تقاليد نقاش داخلي ومؤتمرات حزبية وصراعات فكرية لم تكن موجودة بالقدر نفسه في كثير من الأحزاب السودانية التقليدية. ومن جهة أخرى، فإن طبيعة التنظيم القائمة على السرية والانضباط المركزي جعلت مساحة الاختلاف محدودة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالخط السياسي العام أو موقع القيادة.

استند عبد الخالق إلى مفهوم “المركزية الديمقراطية” كما طورته الأحزاب الشيوعية اللينينية، حيث يُفترض أن تجمع بين حرية النقاش الداخلي ووحدة التنفيذ بعد اتخاذ القرار. غير أن التجربة التاريخية للأحزاب الشيوعية في القرن العشرين أظهرت أن هذا المبدأ كثيراً ما تحول من صيغة لتحقيق التوازن بين الديمقراطية والانضباط إلى أداة لتركيز السلطة في أيدي القيادة العليا (McDermott and Agnew, 1996).

في حالة الحزب الشيوعي السوداني، يرى منتقدو عبد الخالق أن موقع السكرتير السياسي أصبح مركز الثقل الحقيقي في التنظيم، وأن الخلاف مع القيادة كان يحمل مخاطر سياسية وتنظيمية كبيرة. فقد كان الحزب يعمل في ظروف الحظر والملاحقة الأمنية، مما جعل الانضباط التنظيمي أولوية، لكنه في الوقت نفسه قلل من قدرة التيارات المخالفة على تطوير نفسها داخل الحزب.

ويربط بعض الباحثين بين هذه الثقافة التنظيمية وبين سلسلة الصراعات التي شهدها الحزب منذ الأربعينيات والخمسينيات، حيث انتهت خلافات كبرى مثل خلاف عوض عبد الرازق إلى تراجع أو خروج أصحابها من مواقع القيادة. ويرى هذا الاتجاه أن المشكلة لم تكن في وجود خلافات داخل الحزب، فهذا أمر طبيعي في أي تنظيم سياسي، وإنما في طريقة التعامل معها، إذ تحولت أحياناً من منافسة فكرية إلى صراع على الشرعية التنظيمية (Warburg, 1978).

في المقابل، يرى مؤيدو عبد الخالق أن انتقاده بمعايير الديمقراطية الليبرالية المعاصرة يتجاهل طبيعة المرحلة التاريخية. فالحزب كان يواجه نظاماً استعمارياً ثم أنظمة عسكرية متعاقبة، وكان العمل السياسي السري يتطلب درجة عالية من التنظيم والانضباط. كما يشيرون إلى أن الحزب لم يكن تنظيماً قائماً على الزعامة الفردية فقط، بل امتلك هيئات قيادية ومؤتمرات ومناقشات داخلية.

ومع ذلك، فإن التوتر بين الخطاب الديمقراطي للحزب تجاه المجتمع وبين طبيعة الإدارة الداخلية ظل أحد أبرز التناقضات في تجربة عبد الخالق محجوب.

خامساً: العلاقة مع الاتحاد السوفيتي والجدل حول استقلال الحزب الشيوعي السوداني

ارتبط الحزب الشيوعي السوداني منذ نشأته بالحركة الشيوعية العالمية التي كان يقودها الاتحاد السوفيتي، وهو أمر كان شائعاً في معظم الأحزاب الشيوعية خلال فترة الحرب الباردة. وقد انعكس هذا الارتباط على الفكر السياسي والتنظيمي للحزب، خاصة في تبنيه مفاهيم الماركسية اللينينية، والحزب الطليعي، والمركزية الديمقراطية.

يرى منتقدو عبد الخالق محجوب أنه لم ينجح بصورة كافية في تطوير نموذج ماركسي سوداني مستقل، وأنه ظل قريباً من الخط العام للحركة الشيوعية السوفيتية في قضايا أساسية مثل طبيعة الحزب ودور الطبقة العاملة ومفهوم التحالفات السياسية.

ويشير هؤلاء إلى أن رفض عبد الخالق لتحويل الحزب إلى حزب اشتراكي ديمقراطي واسع، أو إلى جناح يساري داخل حركة وطنية أكبر كما اقترح عوض عبد الرازق، كان مرتبطاً بتبنيه للنموذج السوفيتي الذي يعطي الأولوية للحزب الشيوعي المستقل بوصفه “طليعة الطبقة العاملة” (Beshir, 1975).

كما يرى بعض النقاد أن لغة الحزب وتحليلاته السياسية في مراحل معينة كانت متأثرة بشكل واضح بالأدبيات السوفيتية، سواء في تفسير الصراع الطبقي أو في تقييم الحركات الوطنية والقوى السياسية الأخرى.

لكن الصورة المقابلة تؤكد أن عبد الخالق لم يكن مجرد تابع للاتحاد السوفيتي. فقد قدم تحليلات خاصة للمجتمع السوداني، واهتم بقضايا القومية السودانية والتنوع الثقافي والعلاقة بين الديمقراطية والتنمية. كما أن الحزب الشيوعي السوداني احتفظ في بعض المواقف باستقلالية نسبية مقارنة بأحزاب شيوعية أخرى في المنطقة العربية والأفريقية (Abusharaf, 1991).

ومن الأمثلة على ذلك اهتمام عبد الخالق بقضية الديمقراطية السياسية، حيث لم يتبنَّ نموذج “دكتاتورية البروليتاريا” بالمعنى العملي السائد في بعض الأدبيات الشيوعية، بل أكد أهمية الديمقراطية والحريات العامة في المرحلة الانتقالية السودانية.

غير أن الإشكالية الأساسية لم تكن في وجود تأثير سوفيتي بحد ذاته، بل في مدى قدرة الحزب على التوفيق بين المرجعية الأيديولوجية العالمية والخصوصية السودانية. ويرى منتقدو عبد الخالق أن هذا التوازن لم يتحقق بصورة كاملة، وأن الحزب ظل أسير نموذج تنظيمي وأيديولوجي حدّ من قدرته على التحول إلى قوة يسارية وطنية جماهيرية.

سادساً: موقف عبد الخالق محجوب من الانقلابات العسكرية: بين المبدأ والممارسة

كانت علاقة عبد الخالق محجوب بالمؤسسة العسكرية من أكثر الجوانب تعقيداً في تجربته السياسية. فقد أعلن الحزب الشيوعي السوداني نظرياً رفضه للانقلابات العسكرية باعتبارها طريقاً غير ديمقراطي للوصول إلى السلطة، ودافع عن النضال الجماهيري والتنظيم الشعبي باعتبارهما الوسيلة الأساسية للتغيير.

ظهر هذا الموقف بوضوح خلال مقاومة نظام الفريق إبراهيم عبود (1958–1964)، حيث تعرض الحزب للقمع والحظر، وشارك كوادره في العمل المعارض الذي ساهم في انتفاضة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري وأعادت النظام البرلماني (Daly, 2007).

لكن منتقدي عبد الخالق يرون أن الممارسة العملية كانت أكثر تعقيداً من الخطاب النظري، فقد حافظ الحزب على علاقات مع ضباط داخل القوات المسلحة كانوا يحملون توجهات يسارية أو قومية، وهو ما خلق علاقة ملتبسة بين الحزب والمؤسسة العسكرية.

ويتمثل السؤال التاريخي هنا في: هل كان عبد الخالق يؤمن فعلاً برفض الانقلابات العسكرية، أم أنه كان يرفض فقط الانقلابات المعادية لخط الحزب، بينما يقبل الانقلابات التي يمكن أن تفتح المجال أمام برنامج قريب من اليسار؟

هذه الإشكالية ظهرت بصورة واضحة في تجربتي انقلاب مايو 1969 وانقلاب يوليو 1971.

سابعاً: عبد الخالق محجوب وانقلاب مايو 1969: هل كان يعلم بالانقلاب؟

في 25 مايو 1969 نفذت مجموعة من الضباط بقيادة العقيد جعفر نميري انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة المنتخبة. أعلن النظام الجديد برنامجاً سياسياً واقتصادياً حمل شعارات قومية واشتراكية، واتخذ إجراءات تقاطعت مع بعض مطالب اليسار، مثل توسيع دور الدولة في الاقتصاد وإجراء إصلاحات اجتماعية.

سرعان ما دخل عدد من الشيوعيين والقوى اليسارية في مؤسسات النظام الجديد، وتولى بعض الشخصيات المحسوبة على الحزب أو القريبة منه مواقع مهمة في الدولة. أدى ذلك إلى ظهور اتهامات بأن الحزب الشيوعي كان شريكاً في الانقلاب أو أنه كان على علم مسبق به.

يرى الاتجاه النقدي أن عبد الخالق محجوب لم يكن مجرد متلقٍ للانقلاب بعد وقوعه، بل إن قيادة الحزب كانت تعلم وجود تحرك عسكري وقررت التستر عليه والتعامل معه باعتباره فرصة تاريخية للوصول إلى السلطة وتنفيذ برنامجها السياسي. ويستند هذا الرأي إلى العلاقات التي كانت قائمة بين بعض قيادات الحزب وبعض الضباط الأحرار، وإلى سرعة انخراط عناصر يسارية في مؤسسات الحكم الجديد (Holt and Daly, 2000).

لكن الدراسات التاريخية لا تقدم دليلاً قاطعاً على أن عبد الخالق كان المخطط المباشر لانقلاب مايو أو أنه شارك في إعداد تفاصيله. ويرى اتجاه آخر أن الحزب فوجئ بالانقلاب، لكنه قرر التعامل معه بعد وقوعه بسبب التقارب الأيديولوجي بين شعارات النظام الجديد وبعض أفكاره السياسية (Woodward, 1990).

المشكلة التاريخية الأساسية ليست فقط مسألة العلم المسبق، بل التناقض السياسي: كيف يمكن لحزب يعلن دفاعه عن الديمقراطية أن يقبل التعاون مع نظام جاء عبر انقلاب عسكري؟

يرد أنصار عبد الخالق بأن الحزب كان يواجه واقعاً سياسياً جديداً، وأن التعامل مع نظام ثوري محتمل لم يكن يعني التخلي عن المبدأ الديمقراطي، بل محاولة التأثير في مسار السلطة من الداخل.

أما منتقدوه فيرون أن هذه التجربة أضعفت المصداقية الأخلاقية لموقف الحزب من الانقلابات، وأظهرت استعداداً لاستخدام المؤسسة العسكرية عندما تتوافق أهدافها المرحلية مع أهداف الحزب.

ثامناً: انقلاب يوليو 1971 ومسؤولية عبد الخالق محجوب التاريخية

يُعد انقلاب 19 يوليو 1971 أكثر القضايا حساسية في تقييم تجربة عبد الخالق محجوب، لأنه شكّل النهاية الدرامية لمسيرته السياسية وأدى إلى إعدامه مع عدد من قادة الحزب الشيوعي والضباط المشاركين في الحركة الانقلابية. كما أصبح الحدث محوراً لخلاف تاريخي مستمر حول طبيعة علاقة الحزب بالانقلاب، ومدى مسؤولية عبد الخالق شخصياً عنه.

في 19 يوليو 1971 تحركت مجموعة من الضباط بقيادة الرائد هاشم العطا ضد نظام جعفر نميري، وتمكنت من اعتقال نميري والسيطرة على السلطة لفترة قصيرة امتدت ثلاثة أيام. أعلنت القيادة الجديدة برنامجاً سياسياً قريباً من توجهات اليسار، وشارك عدد من الشيوعيين أو المتعاطفين مع الحزب في مواقع سياسية خلال الفترة القصيرة التي حكم فيها الانقلابيون.

بعد عودة نميري إلى السلطة في 22 يوليو 1971، شن النظام حملة قمع واسعة ضد الحزب الشيوعي السوداني، واعتقل قياداته الأساسية، وعلى رأسهم عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وعدد من الضباط المشاركين في الانقلاب. وفي 28 يوليو 1971 أُعدم عبد الخالق محجوب بعد محاكمة عسكرية أثارت انتقادات واسعة بسبب افتقارها، وفق كثير من الباحثين، إلى ضمانات المحاكمة العادلة (Holt and Daly, 2000).

  1. الرواية التي تحمل عبد الخالق مسؤولية التخطيط للانقلاب

يرى بعض خصوم الحزب الشيوعي السوداني أن انقلاب يوليو لم يكن مجرد تحرك عسكري منفصل، بل كان انقلاباً ذا طبيعة حزبية، وأن عبد الخالق محجوب كان على علم بالخطة أو شارك في توجيهها سياسياً.

ويستند هذا الاتجاه إلى عدة مؤشرات، أهمها:

  1. وجود عدد من الضباط ذوي العلاقة بالحزب الشيوعي داخل المجموعة الانقلابية.
  2. مشاركة كوادر شيوعية في السلطة خلال الأيام الثلاثة الأولى.
  3. التشابه بين بعض مطالب الانقلابيين وبرنامج الحزب الشيوعي.
  4. وجود صراع سابق بين الحزب ونظام نميري بعد محاولة نميري تقليص نفوذ الشيوعيين داخل الدولة.

وفق هذا التفسير، فإن عبد الخالق، رغم إدراكه النظري لمخاطر الانقلابات العسكرية، قبل بها عندما اعتقد أنها قد تفتح الطريق أمام وصول اليسار إلى السلطة.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن خطأ عبد الخالق لم يكن فقط في تأييد انقلاب عسكري محتمل، بل في سوء تقدير طبيعة المؤسسة العسكرية، إذ افترض إمكانية تحالف طويل الأمد بين حزب مدني أيديولوجي وضباط مسلحين، وهي تجربة أثبت التاريخ السوداني صعوبة استمرارها.

  1. الرواية التي تنفي مسؤولية عبد الخالق المباشرة

في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن الأدلة التاريخية المتوفرة لا تثبت أن عبد الخالق محجوب كان العقل المدبر لانقلاب يوليو 1971. ويشيرون إلى أن الحزب الشيوعي السوداني كان منقسماً حول العلاقة مع العسكريين، وأن عبد الخالق نفسه كان يدرك خطورة تكرار تجربة مايو 1969.

وفق هذا التفسير، كان انقلاب يوليو مبادرة من مجموعة ضباط داخل القوات المسلحة، بعضهم منتمٍ للحزب أو متعاطف معه، وليس قراراً مركزياً اتخذته قيادة الحزب. ويرى هذا الاتجاه أن عبد الخالق أخطأ سياسياً في تقدير الموقف، وربما تعامل مع الانقلاب بعد وقوعه، لكنه لم يكن مخططه العسكري (Woodward, 1990).

كما يشير بعض المؤرخين إلى أن علاقة عبد الخالق بالجيش كانت أكثر تعقيداً من مجرد السعي لاستخدام العسكريين للوصول إلى السلطة. فقد كان يدرك، بحكم تجربة انقلاب عبود ثم مايو، أن الجيش السوداني أصبح لاعباً سياسياً رئيسياً، ولذلك حاول التعامل مع هذه الحقيقة دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني الحكم العسكري كخيار استراتيجي.

  1. التناقض بين رفض الانقلابات والممارسة السياسية

تكشف تجربة يوليو 1971 عن إحدى أكبر المفارقات في تاريخ عبد الخالق محجوب والحزب الشيوعي السوداني: فقد كان الحزب من أكثر القوى السياسية دفاعاً عن الديمقراطية المدنية في مواجهة الأنظمة العسكرية، لكنه وجد نفسه مرتبطاً بأكبر أزمة انقلابية في تاريخ السودان الحديث.

يمكن تفسير هذا التناقض من خلال طبيعة الفكر السياسي السائد لدى كثير من الحركات اليسارية في العالم الثالث خلال تلك الفترة. فقد كانت بعض القوى ترى أن الجيش يمكن أن يكون أداة للتحديث الاجتماعي والتحرر الوطني إذا قادته عناصر ذات توجهات تقدمية، وهو تصور ظهر في تجارب مصر الناصرية وسوريا والعراق وغيرها.

غير أن التجربة السودانية أظهرت أن التحالف بين الأحزاب الأيديولوجية والعسكريين غالباً ما ينتهي إلى صراع على السلطة، لأن المؤسسة العسكرية تمتلك أدوات القوة المادية والتنظيمية التي تجعلها قادرة على تجاوز حلفائها المدنيين.

ومن هذا المنظور، فإن مأساة عبد الخالق محجوب لم تكن فقط في إعدامه، بل في أنه انتهى ضحية تناقض بين مبدأ الديمقراطية الذي دافع عنه، وبين استراتيجية سياسية قبلت بالتعامل مع قوة عسكرية لم تكن خاضعة للقيادة المدنية.

تاسعاً: عبد الخالق محجوب وفكرة “اغتيال الشخصية” في الصراعات الحزبية

يُعد مفهوم اغتيال الشخصية من المفاتيح المهمة لفهم بعض الصراعات الداخلية في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. ويقصد به استخدام الشائعات، والاتهامات الأخلاقية، والتشكيك في النوايا، والطعن في السمعة الشخصية، بهدف إضعاف الخصم السياسي بدلاً من مناقشة أفكاره وبرامجه.

لم يكن الحزب الشيوعي السوداني استثناءً في هذا المجال؛ فقد كانت الأحزاب الأيديولوجية في القرن العشرين، وخاصة التنظيمات السرية ذات الطابع الثوري، تميل إلى تفسير الخلافات الداخلية باعتبارها صراعات بين خطوط سياسية متعارضة، وليس مجرد اختلافات طبيعية بين أعضاء الحزب.

في حالة عبد الخالق محجوب، يرى منتقدوه أن بعض خصومه تعرضوا لحملات سياسية هدفت إلى نزع الشرعية عنهم، سواء عبر اتهامهم بالانحراف الفكري، أو بعدم فهم الماركسية، أو بعدم الولاء التنظيمي، أو عبر التشكيك في صفاتهم الشخصية.

وتظهر قضية قاسم أمين في هذا السياق بوصفها مثالاً على انتقال الصراع من مستوى البرنامج السياسي إلى مستوى السمعة الشخصية. فقد تداولت بعض الروايات المعارضة لقيادة عبد الخالق اتهامات أخلاقية بحق قاسم أمين، من بينها اتهامات ذات طبيعة جنسية. إلا أن المصادر التاريخية المنشورة لا تقدم دليلاً مستقلاً قاطعاً يسمح بإثبات هذه الاتهامات، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها جزءاً من خطاب الخصومة السياسية وليس كحقيقة تاريخية مؤكدة.

لكن مجرد تداول مثل هذه الاتهامات يكشف عن مناخ الصراع داخل التنظيم، حيث كانت السمعة الشخصية أحياناً تتحول إلى أداة سياسية. ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا الأسلوب لم يكن خاصاً بالحزب الشيوعي السوداني، بل كان سمة شائعة في كثير من الحركات الثورية خلال القرن العشرين، حيث كان الانتماء الأيديولوجي يجعل الخلاف السياسي مرتبطاً أحياناً بالحكم الأخلاقي على الأشخاص (McDermott and Agnew, 1996).

ومن هنا فإن نقد تجربة عبد الخالق لا ينبغي أن يقوم على إثبات كل اتهام شخصي متداول، بل على دراسة البيئة التنظيمية والسياسية التي سمحت بانتشار مثل هذه الأساليب، ومدى تأثيرها على قدرة الحزب على إدارة الاختلاف الداخلي.

عاشراً: تقييم نقدي لإرث عبد الخالق محجوب

بعد أكثر من نصف قرن على إعدام عبد الخالق محجوب، لا يزال تقييمه التاريخي منقسماً بين رؤيتين متعارضتين.

الرؤية الأولى تعتبره أحد أعظم السياسيين السودانيين في القرن العشرين. فقد كان مثقفاً واسع الاطلاع، ومنظماً بارعاً، وصاحب مشروع فكري حاول الجمع بين الماركسية وقضايا السودان الوطنية والاجتماعية. ويرى أنصاره أن استشهاده بعد انقلاب يوليو جعله رمزاً للنضال ضد الدكتاتورية العسكرية.

أما الرؤية النقدية فترى أن عبد الخالق كان أسير تناقضات مشروعه السياسي. فقد دعا إلى الديمقراطية لكنه قاد حزباً شديد المركزية؛ وانتقد الأنظمة العسكرية لكنه تعامل مع ضباط انقلابات عندما رأى فيهم فرصة سياسية؛ ودافع عن استقلال السودان لكنه ظل مرتبطاً فكرياً بحركة شيوعية عالمية يقودها الاتحاد السوفيتي.

كما يرى منتقدوه أن رفضه لتحويل الحزب إلى حركة اشتراكية ديمقراطية واسعة، كما اقترح عوض عبد الرازق، حرم اليسار السوداني من فرصة تاريخية لبناء حزب جماهيري واسع يتجاوز الحدود الأيديولوجية والتنظيمية للحزب الشيوعي التقليدي.

في المقابل، يرى أنصاره أن هذه الانتقادات تتجاهل ظروف العصر الذي عاش فيه، وأن الحكم عليه يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الصراعات العالمية والمحلية التي شكلت خياراته السياسية.

إن القراءة التاريخية المتوازنة لعبد الخالق محجوب تقتضي الاعتراف بأنه كان شخصية سياسية استثنائية جمعت بين العبقرية الفكرية والصلابة التنظيمية، لكنها حملت أيضاً تناقضات عميقة بين أهدافها التحررية وأدواتها التنظيمية والسياسية. ولذلك فإن إرثه لا يمكن اختزاله في صورة القائد الثوري المثالي أو الزعيم الحزبي المتسلط، بل هو تجربة تاريخية معقدة تعكس صراعات اليسار السوداني والعربي والأفريقي في القرن العشرين.

المراجع

  1. Abusharaf, Rogaia Mustafa. Transforming Sudan: Decolonization, Gender and Culture. University Press of Florida; 1991.
  2. Abdel Rahim, Muddathir. Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and Political Development 1899–1956. Oxford: Clarendon Press; 1969.
  3. Beshir, Mohamed Omer. The Southern Sudan: Background to Conflict. London: C. Hurst & Company; 1975.
  4. Daly, Martin W. Darfur’s Sorrow: The Forgotten History of a Humanitarian Disaster. Cambridge: Cambridge University Press; 2007.
  5. Holt, P. M.; Daly, Martin W. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. 5th ed. Harlow: Pearson Education; 2000.
  6. McDermott, Kevin; Agnew, Jeremy. The Comintern: A History of International Communism from Lenin to Stalin. London: Macmillan Press; 1996.
  7. Warburg, Gabriel. Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya. London: Hurst; 1978.
  8. Woodward, Peter. Sudan, 1898–1989: The Unstable State. Boulder: Lynne Rienner Publishers; 1990.
الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الكيماوي (1-2)
مساهمة نقدية حول حوارية د. صديق الزيلعي ود. أحمد عثمان .. جدل وحيثيات البنك الدولي والصندوق (2 من 3)  .. بقلم: الفاضل الهاشمي
ود أبّو: فكاهة كسلاوية .. بقلم: د. سامر عوض حسين
منبر الرأي
من أوجاع الأطباء !! .. بقلم: نور الدين عثمان
منبر الرأي
الكيزان يحتفلون بتدشين الفساد..!

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

بادرة إجلال لأستاذة الأجيال الدكتورة عائشة السعيد وفاءًا لأخى بروفيسورمحمد عبدالحى .. بقلم: البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

لحظة تاريخية .. بقلم: عبد الله علقم

عبد الله علقم
منبر الرأي

المصانع الحربية داخل الأحياء.. قنبلة موقوتة .. بقلم: نورالدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

ثورة الأحذية .. بقلم: امير حمد _برلين _المانيا

د. أمير حمد
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss