عبد الرسول الحِرِيْقة! .. بقلم: عادل سيداحمد
2 أغسطس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
هكذا، خلق الله عبد الرسول، كتلة من الغضب، و ساخطاً على كلِّ شيء، و مستعدّاً للخلاف مع الجميع، في إي لحظة دونما أسباب، حتى و لو واهية، تذكر، و عندما سألت أمي عن سر نحافته و نشافه الزائد، قالت لي و هي تدَّعي الحيرة و الإشفاق:
– بَري!…حَمْدُو في بَطنُو، أظنُّو من عمايلُو!
ثمَّ استدركت، خوفاً من إستطرادي و ابحاري في السؤال عن نحافة عبد الرسول:
– دي خلقة الله!
لقد كنتُ أصغر من معرفة دنيا المُجُون و السكر التي يحياها عبد الرسول، و لم أكن أفهم ما يُقال في المجالس عن عربدته و طيشه، و لكني كنت متيقناً أنه، رغم تعاطُف البعض معه، ملفوظٌ اجتماعيّاً… و سمعت حوارات كثيرة تلومه، بعين العطف، على إهماله لصحته:
– الزول الداير يسكر، بياكل!
– الزول بيسكر و يعربد بي قروشو!
– عبد الرسول بقى زول صايع و ضايع… ما عندُو صليح!
أسمع، و لا أعي، و انظر لعبد الرسول، كلمّا لاقيته بفضولٍ زائد…
و عندما كبرتُ قليلاً، كان عبدُ الرسول قد قطع شوطاً بعيداً في الضياع، و الهملة، فصار أشبه بالشحّاد في مظهره، و أقرب للفاتيّة في مخبره، و لكن كان من بين الجميع أفرادٌ قلائل، يحفظون له جمايل، و يرتبط عندهم عبد الرسول بالزمن السمح…
و كان من بين أؤلئك القلة الأستاذ نبيل عبد الغني و د. الفاتح مبروك!
و قد عنفا (عاطِف) عندما أفرط في معاقبة عبد الرسول على هذيانه، ذات أمسية في ميدان الكرة، عندما أساء لأسرة عاطف، تحت تأثير الجوع الخمر و ربما أكثر!
و فور علمهما بأن عبد الرسول مُصاب من أثر الضرب في رأسه، و أجزاء من جسمه، حتى اسرعا لأنقاذه، و أحتارا في الذهاب به للمشفى أم الإكتفاء بتطبيبه في البيت؟ لأن أورنيك (8) سيتضمن، لا محالة، حالة السكر التي يرزح تحت وطأتها عبد الرسول، و سيترتب عليها جلده، في الصباح، أربعين جلدة، و هو ما لم يرده الرجلان: أن يتعرّض عبد الرسول لميته و خراب ديار!
و لكن، الجرح كان غائراً، فكان لابد من المشفى، و بالتالي (الجلد): متى ما تحققت اللياقة الصحيّة المؤهلة له.
و كان يوم الجلد محضُوراً، كان عبد الرسول هادئاً، لطول امتناعه عن الشراب، و لكنه كان حانقاً… و جلد عبد الرسول ليس أربعين جلدة، بل ستين، فقد أمر القاضي بعشرين جلدة إضافية، لعبد الرسول، تعزيراً… دون أن يوضح الأساس الذي جعله يهاود الحد، متخطيّا المعروف من الشرع: حتى الآن!
و توقّف عبد الرسول عن الشراب لفترة بعد جلدِهِ، ظهرت عليه فيها بوادرُ نعمة الصحة، فقع لون بشرته، و اكتنزت خدوده، و نظُفت ثيابه رغم كونها بالية، و إعتدل مزاجه قليلاً بحيث زالت عنده الحدة و الشطط اللذان كانا يلازمانه كلما طارت منه سكْرة…
و تطاول الفكي اسحق، و ادعى، متسرِّعاً، إنّ له يداً في أمر صلاح أحوال عبد الرسول، و لكن ما أن عاد عبد الرسول لإرتياد الأنادي من جديد، حتى صرح الفكي اسحق لمريديه، الذين نقلوا قوله، بدورهم لأهل الحي:
– عبد الرسول شيطانُو: قوي!
و الحقيقة إن الشيطان كان يلازم عبد الرسول أينما حل، بالذات بعد العودة الشرهة لدُنيا الخمر و زُقاقات الأنادي، و كأنما أراد أن يعوض اللحظات و الكؤوس و الحِلل التي فاتته، في الأيّام القليلة التي امتنع فيها، مكرهاً لا بطل: عن الشراب.
و صار منلوجُهُ الصباحي، يتردد في شوارع الحي، بجسده المُترنح و صوته الجهُور، الذي زادته الخمر جهراً، و زانتهُ رنّة:
– في الضواحِي و طرف المداين
يللا نشرب كاسَ الصباح!
في تلك الفترة، عمل عبد الرسول مجبراً في مهن ليست هامشيّة فقط، و انما مهن رخيصة المقابل، وضيعة الجهد… و رغم هوانها، فإنه كان يتوقف عن العمل، كلما اكتملت بين يديه قيمة كافية لجلب العرق البلدي أو المريسة، دونما اعتبار للطعام…
و كان، عبد الرسول بالذات، مطالباً بالدفع المقدم في الأنادي، لا لأنه يغالط في الحساب فحسب، و إنما لأنه يُغالط إلى درجة شتيمة، و تجريح: سِتّ الإنداية ذاتها.. .
و رويداً رويداً: منعته ستّات بعض الأنادي من الدخول إلى ديارهن، فصار يرسل الداخلين، ممن يعطفون عليه، و يشرب هو ما يعودون به له: هكذا، في العراء!… معرِّضاً نفسه، بالإضافة للمزيد من الهوان، إلى: الخطر أيضاً!
عندما زرت الطبليّة وجدته ضمن الظلال… كان أكثر شحوباً و نحافة، و كانت أطرافه ترتجف، و لسانه يتلعثم في الكلام، و لكن حاله كان أحسن من العم عبد الغني من حيثُ الذاكرة… فقد عرفني من حيثُ مجلسه القرفصاء بجوار الطبليّة، و يديه مطروحتان فوق ركبتيه في وضعيّة التبرُّز… و ناولته مالاً يسيراً كان هو ما فاض بعد أن عملت حساب المواصلات… و ما أن استلم المال حتى انفرجت اساريره، ثم أنتصبت قامته، و همهم بكلام يشبه الإستئذان في الإنصراف، و كان هذا خطأٌ مني: أن أعطيه المال قبل أنتهاء الونسة!… فقد رأيته ينطلق نحْو الأنادي، التي خبرتها، و نادمته فيها: أيّاماً و ليالي!
amsidahmed@outlook.com
/////////////////