د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
رحل عن دنيانا مأسوفاً عليه بالأمس، المغني الفذ ، والمربي، والمعلم، والعالم، والباحث ، والنقابي، ورجل المجتمع، الفنان الكبير الدكتور عبد القادر سالم ، فخلّف في قلوب جميع السودانيين حسرةً ممضة، أضيفت إلى ما ظلوا يتجرعونها من غصص وحسرات رهيبة، حلت عليهم وعلى بلادهم الوادعة، بسبب هذه الحرب المدمرة.
برحيل عبد القادر سالم، تنفرط آخر درة من درر ذلك العقد المتوهج ، من مطربي ما كانت تعرف بالأغنية الكردفانية، ذات اللونية الإيقاعيّة واللحنية والموسيقية واللهجية الفريدة والمميزة. تلك الكوكبة من المطربين الذين ظهروا معاً في مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي، من خلال الاذاعة الوطنية: هنا أم درمان، ألا وهم الفنانون: إبراهيم موسى أبا، وصديق عباس، وعبد القادر سالم، وعبد الرحمن عبد الله، وعبد الله الكردفاني، رحمهم الله جميعا.
بيد أن عبد القادر سالم قد تفرد من بين رصفائه أولئك المذكورين جميعهم، بحرصه على تجويد وتطوير إبداعه الغنائي من ناحية، وبترقية ملكاته الشخصية، التي جعلت منه انساناً طموحاً، ومبادراً، ونشيطاً، وجريئاً جرأة محمودة، ورجل مجتمع، وقيادياً بطبعه، من ناحية أخرى. بل أضحى بفضل ذات الروح المبادرة والطموحة، سفيراً ورسولاً للغناء السوداني على مستوى العالم.
ظهر عبد القادر سالم ورفاقه على ساحة الغناء العام في السودان، وأنا وأبناء جيلي في نحو السنة الثالثة أو الرابعة من المرحلة الابتدائية، أي مع بواكير تفتح وعينا على فن الغناء عموماً، والشروع في التمييز بين ألوانه وتذوقها بصفة عامة. ولقد كانت دهشتنا بإيقاع المردوم، وأنغام الموسيقى القريبة من المقامات العربية التي تتسم بها الاغنية الكردفانية عموماً، لا تقل عن دهشة وانبهار سائر الناس في اطراف السودان الأخرى بها، ذلك على الرغم من أننا من كردفان الكبرى، إلا أن آذاننا قد نشأت واعتادت على أنغام وإيقاعات نمط الغناء الخماسي المنتشر في معظم انحاء السودان، بما فيها منطقة وسط وشمال كردفان التي هي منطقتنا.
ولكننا تذوقنا غناء عبد القادر سالم ورفاقه على كل حال، وأعجبنا به أيما إعجاب. وصرنا كثيراً ما نترنم في صبانا ، ونحن نسير في دروب قرانا بمثل قول عبد القادر:
الله الليموني … الله الليموني
والبرتكان الناير !!
ثم إنني خاصةً، أحببت غناء عبد القادر سالم أكثر ، عندما فعلت عبقرية المكان فعلها فيّ، فصارت عاملاً مساعداً، على ترسيخ فهم وتذوق وعشق غناء عبد القادر سالم لدي ، وذلك على إثر نقل والدي المعلم رحمه الله، مديراً لمدرسة ابتدائية بريفي الدلنج، قبيل منتصف سبعينيات القرن الماضي، وأنا آنئذ تلميذ بالمرحلة المتوسطة. ذلك بأن تلك هي المنطقة التي ولد فيها عبد القادر سالم، في بادية الحوازمة وجيرانهم من مختلف قاطني منطقة جبال النوبة الشمالية، بمناظرها الخلابة، ونسيمها المنعش العليل، وخضرتها المدهامة، وغدرانها المتدفقة، وجبالها العالية المختلفة الألوان، وقطعان مواشيها الراتعة، وأشجارها الباسقة، التي لا عهد لنا بها في دار الريح مثل؛ العرد والهبيل والصهب والحميض والقمبيل، والجوغان والكلكل وغيرها.
تلك لعمري مناظر تقفز لذهن المرء فورا، ويشده الحنين والنوستالجيا اليها بقوة، عندما يستمع إلى الاستاذ ِعبد القادر سالم وهو يشدو مثلاً ب ” رميته ” البدوية الشهيرة، التي جعلنا شطرا منها، في صدر عنوان هذه الكلمة التأبينية:
الزقاية الباردى
الفايتة الحدود مادى
الهبيب الهابى
طرق الشدر حاتى
يا برق الرشاش البسيرو على … الخ
أو قوله في الأخرى:
شن تهدي يا الهدّاية
القليب ما انبدل
والعين بقت بكّاية
تعبّي سحاب نهار
تشيل ليلا سرّاية
ويا شوقي الكتير بى رعودو دوداية !!
فمع هذا الشجن الأليم كما تصوره لنا هذه الصورة المعبرة عن تلك البيئة، بمفرداتها المحلية الصادقة، لا يملك العاشق الصب والشجي، إلا ان يذوب صبابة ووجدا.
أما الزقّاية الباردة ، فإنها من الفعل سقى يسقي فهي السقّاية صيغة مبالغة، أبدلت سينها زاياً ،،وذلك جائز لغويا. ومعناها الرياح البليلة الرخية ، التي تهب من جهة الجنوب نحو جهة الشمال، وتاتي مشبعة برذاذ الماء المبشر بانهمار الغيث، وتكون عادة منعشة ولطيفة، وغالباً ما تصحبها رائحة الثرى المبتل، من فعل المطر او ما يعرف في السودان ب ” الدعاش “.
هذا ، ولا يظنن أحد أن عبد القادر سالم، قد نمّط أداءه الغنائي، بقصره على هذه اللونية الكردفانية المردومية وحدها، ذلك بأن رصيده الثر من الأعمال الغنائية قد اشتمل بالفعل، على بضع اغنيات اخرى، جاءت متوافقة مع التيار العام للغناء السوداني الخماسي الغالب. ومثالاً على ذلك، أشهر أغنياته في مرحلته الباكرة، إلا وهي اغنية ” مكتول هواك يا كردفان “، فقد جاءت خماسية عادية على إيقاع التم تم الوسطي المعروف. وكذلك اغنية ” انت عابر سكة فايت ولا جيت قاصد تزورنا “، التي شاركته الأداء فيها أيضا، المغنية الراحلة ” حنان إبراهيم “. ولا ننسى بالطبع أن ِعبد القادر سالم، قد أدلى بدلوه أيضاً مع من سبقه واتى من بعده كذلك من المغنين، فأدى اغنية شهيرة من أغاني الحقيبة، هي أغنية ” يا مداعب الغصن الرطيب “، التي صاغ كلماتها الشاعر الرائد ” سيد عبد العزيز “.
كانت معرفتي بعبد القادر سالم منذ ان سمعت به، وظللت أستمع إلى أغنياته لنحو عقدين من الزمان، معرفة شهرة فقط، أي أنها من طرف واحد، بمعنى انني كنت اعرفه، ولكنه لم يكن يعرفني معرفة شخصية، حتى تهيأت لي فرصة معرفته عن كثب عندما قدم إلى العاصمة التشادية ” انجمينا “، بضع مرات خلال الاربع سنوات التي مكثتها في تلك المدينة، بحكم عملي دبلوماسيا بسفارة السودان المعتمدة فيها خلال النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي. اذ كان عضوا دائم المشاركة بانتظام في اية بعثة فنية سودانية ، قدمت إلى تلك المدينة خلال تلك الفترة.
ولعل مما زاد من تعلق التشاديين بعبد القادر سالم وبغنائه، كونه قد عمل بعاصمة بلادهم، مديرا لمدرسة الصداقة السودانية التشادية، لبضعة أعوام ايضا في بحر ثمانينيات القرن الماضي، طبعا بالإضافة إلى تماهيهم بصورة طبيعية، مع لونية الغناء التي اشتهر بها، وذلك بحكم التداخل الإثني والثقافي بين البلدين.
وبحكم تعلق التشاديين عموماً بنظم الادارة ذات الجذور الفرنسية، ومصطلحاتها وتراتبيتها ، فإنهم كانوا يؤثرون مناداة عبد القادر سالم ب ” الديريكتير” اي المدير، يعنون مدير مدرسة الصداقة السودانية التشادية الآنف ذكرها.
حكى لي المرحوم الاستاذ عبد القادر، وانا أوصله بسيارتي إلى مكان كان يقصده في انجمينا ، ان مدير الامن في عهد الرئيس الأسبق حسين هبري، وكان رجلا صارما مخوف الجانب، قد اصطحبه ذات مرة في مشوار بسيارته ، وقد كان يعده صديقا له – على كل حال – اخرج مسدسه بحركة مقصودة ووضعه أمامه في ” طبلون ” السيارة، ثم وجه حديثه إلى عبد القادر قائلاً : ” ديركتير ، انتو بيت هنايي ده ما تدوروا تئجروا ولا ككيف ؟ “! قال: فرددت عليه: كيف الكلام ده .. نأجره منك طوالي يا السيد المدير !! اي سكنا لمجموعة من معلمي المدرسة، قال: فانفرجت أسارير الرجل ! . ذلك هو عبد القادر سالم الرجل الفكه ، خفيف الظل والروح.
أما عن عبد القادر الإنسان الدمث الخلوق، والصديق الصدوق، والأريحي الموطأ الأكناف، فحدث ولا حرج. ومما أذكره في هذا المقام، ولن أنساه ما حييت باذن الله، أنني كنت قد وقع اختياري مع الأطراف المعنية بالطبع، على أن استقدم في أمسية زفافي في اوائل تسعينيات القرن الماضي، ثنائي العاصمة، لكي يحييا تلك الأمسية، وكنت قد دعوت الاستاذ عبد القادر بصفته صديقا فقط. فشاء الله أن تغيب الاستاذ المرحوم إبراهيم أبو دية، نسبة لتعرضه لعارض صحي طارئ، وبالتالي فقد تغيب معه زميله الاستاذ السني الضوي أيضا، رغم أن فرقتهما الموسيقية قد حضرت إلى مكان المناسبة في الوقت المحدد. فما كان من الاستاذ عبد القادر سالم، إلا ان انقذ الموقف ، وغنى وأبدع وأطرب شهود ذلك الحفل ايما طرب. ثم انه اخذ من الثلاثين الف جنيها التي دفعتها اجرة مسبقاً لذينك المطربين الكبيرين في ذلك الوقت، أخذ عشرة آلاف جنيهاً فقط ، فنفحها العازفين، وحلف عليّ بالطلاق ان آخذ انا الباقي مساهمة منه.
رحم الله الفنان الكبير، والإنسان النبيل الدكتور عبد القادر سالم، وأكرم نزله عنده في عليين، وجعل البركة في ذريته، وألهمهم وجميع آل فقيدنا الراحل وذويه وزملائه وأصدقائه وتلاميذه وعارفي فضله ومعجبي فنه داخل السودان وفي شتى أنحاء المعمورة، الصبر الجميل وحسن العزاء .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم