عبد الله أبو عاقلة أبو سن .. بقلم: صالح فرح
17 ديسمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
1946 هو العام. من قصيدة لاحمد محمد صالح يودع بها كلية غردون التذكارية ويستقبل المولوديْن الجدد…
مال ميزانها وحان الغروب
وانقضى عهدها فلن تؤوب
و… ” برزت من قرابها وادي سيدنا وانبرت من عرينها حنتوب” . اما الطلبة المقبولون بمدرسة وادي سيدنا فقد غادروا للوادي ، وأما الطلبة المقبولون لحنتوب فقد بقوا في أم درمان ريثما تكتمل مباني مدرسة حنتوب. بدأت الدراسة في يناير من ذلك العام ولم تمض عليها أسابيع حتى توقفت. في مارس انتظم الطلاب في مختلف المدارس في مظاهرات تودع وفدا للسودان مغادرا للقاهرة ليكون حاضرا عند مناقشة امر السودان في مفاوضات كانت تجري بين البريطانيين والمصريين . فتعذرت الدراسة في رأي المسؤولين فسرحنا كل إلى أهله .
ثم كان اغسطس او سبتمبرمن نفس العام ـ فلست أذكر ـ حين جئنا حنتوبا ـ عبد الله أبو عاقلة ابو سن – رحمة الله عليه – من رفاعة وأنا من أم درمان . حنتوب كانت قرية سكانها نحن الطلبة وبقية كان مقامها يقتضيه عيشنا. كنا قلة مدللة مجموع كل طلاب حنتوب 224 طالب – فصلان لكل مسار و 28 لكل فصل. من لم تعرفه في فصل الدراسة ، كانت في الداخلية فرصة لمعرفته إن لم يكن قد جاء حنتوبا من حيث جئت .
رفاعة وام درمان كانتا رافدين لحنتوب منذ دخلنا حنتوبا حتى غادرناها. عبد الله وانا كان فصلانا متجاورين وكان طبيعيا ان نلتقي ونتحدث في الدروس والأساتذة وربما في بعضنا البعض . في الدروس يجمعني وعبد الله حبنا للأدب. كنا نقرأ لطه حسين والعقاد والمازني وأحمد الصاوي وتوفيق الحكيم والمنفلوطي وغيرهم ،كما يجمعنا رأينا في الرياضيات. عبد الله كان عند زملائه مثال الجهل بها أما أنا فكنت لا أطيقها. كلانا لا يجد فيها الرقة والرومانسية التي يجدها في بيت أو في قصيدة من الشعرالحديث أو القديم، بعضها لشعراء لم يسمع بهم الباقون من زملائنا ، ولكننا واجدان فيهما ما يروق خيال مراهق، فقد كنا في نحو السادسة أو السابعة عشر من عمرينا. جئت عبد الله أقول له بين الحجون والصفا كأن لم يسمر بمكة سامر ، وأحدثه بأني أجد في إسمي الحجون والصفا موسيقى جاذبة . .. ربما لارتباط الموضعين بمكة …بالبيت المعمور …. بالحج … بمناسك وذكريات من النقاء الإيماني ، ووجدت عند عبدالله القصيدة بأكملها وقد حفظ أبياتها التي تناهز العشرين وعرفت منه ان القصيدة من شعرعمرُو بنُ الحارثِ بنِ مُضاض وبعض أبياتها تقول :
وقائــــــــلــةٍ والدَّمعُ سَـــــــكْبٌ مُبــــــــــــــــادِرُ … وقد شرِقَتْ بالدمع منها المحاجرُ
كأنْ لم يكن بينَ الحَجُون إلى الصّفا … أنيــــــــسٌ ولم يســمُرْ بمكّــةَ سامـــــرُ
ولــم يَـــــــــتَربَّــــــــــــــــعْ واســــطــــــاً فَجـــــنــــوبَــــه … إلى المُنْحـَنَى من ذي الأَراكـة حاضــرُ
فــقــــلت لـــــــهـــا والقـــــــــــــــــلبُ مني كأنـــــما … يُلَجْـــــــــــلِـــــجُه بين الجناحــــين طائـــــــــر
بَلـــــــــى نحـــنُ كنّــــــــــــــــــــا أهــــــلَهـــــــــا فأبادنـا … صـروفُ اللَّيالــــــــــي والجُدودُ العَــــــواثرُ
عبد الله حبب إلي الطرب لغناء حسن عطية وفشلت ان أحبب إليه الكابلي في بعض روائعه . كنت معجبا بدالية شوقي التي مطلعها:
يمد الدجى في لوعتي ويزيد …. ويُبدِىء ُبَثِّي في الهوى ويُعيدُ
وكم حاولت أن أجذب عبد الله إليها ليشاركني ما أجده فيها من متعة وما حفلت به من صور وكم كنت أعيد عليه منها قوله:
اقول لأيام الصبا كلما نأت …. اما لك يا عهد الشباب من معيد
ولكلينا – عبد الله وأنا – ما نتوسل من أجله لايام الصبا كلما نأت، أن تعود. كان عبد الله كلما قرأ الشعر- ومحفوظه منه كثير- اتأد في إلقائه وخرجت كلماته في جرس يجبرك أن تستمع.
في الونسة – حتى بين انداده – عبد الله كان يختار لنفسه مكان الأستاذ. كان الحديث عن صديق اسمه الثالث لا يوائم إسميه الاولين ، علقت أن الإسم الثالث إسم قُفُر، (تنطق القاف في الكلمة كما تنطق حرف ج في الكلمة الإنجليزية go) كان في عرف الأقدمين الأم التي يتوفى أبناؤها في صغر أن تسمي الأخير بإسم قبيح ظنا منها أنها بذلك تضلل الموت حتى لا يصل إلى صغيرها. فتدخل عبدالله ليقول أن الكلمة قَفْرً، قلت له إنني لم أسمع الكلمة في محاضرة أو أقرأها في كتاب ولكني استفدتها من والدتي الأمية وكانت الكلمة مما افادته أمي من الدارج في لغة الناس ، هذا مصدري، فما هو مصدرك؟
الحديث في الأدب كان يشغلنا إذا اجتمعنا ، هو يحب العقاد وأنا مولع بطه حسين. في زورة له للقاهرة تسنى له أن يزور بيت العقاد فعاد فرحا بما أنجز، يُحدث عما رأى كأنما أهدي له ما رأى. من شعر العقاد كان عبد الله يحفظ الكثير ويستمتع بتكراره، وعبد الله كان من قلة تعرف في العقاد شاعرا ، هذه الشاعرية التي وصف طه حسين بها العقاد وقال عنه إنه شاعر بأكثر مما هو كاتب .
كنت أعوده بالتلفون في إرلندا حيث سافر إليها في نفر من أهله مستشفيا لدى ابنه الطبيب . كان في شيئ من الضجر يوم امتدت إقامته هناك بسبب المرض . قلت له إرلندا جميلة يا عبد الله رغم الفقر الذي يصفها به أهل أوربا . فيها ما قال عنه شاعر عربي قبل اليوم بأنه مُذْهب للحزن …. الخضرة والماء والوجه الحسن . طه حسين يوم زار الاكروبول رآه بعيني زوجه سوزان فوصفه بأروع مما يصفه المبصرون . فهل سوزانك معينة لك بقدر ما كانت سوزان معينة لطه حسين ! يا أخي ، أنت لست مقيما في إيرلندا فعليك بنصيحة ذلك الشاعر العربي:
تَمَتَّعْ مِنْ شَميمِ عَرَارِ نَجْدٍ …… فما بَعْدَ العَشِيَّة ِ منْ عَرَارِ
فوجدت عند عبد الله تتمة.
في أوراقي مما كتبه عبد الله قطعة من كتاب بالإنجليزية كان يقرأه فأعجبته فاستنسخها وأراد أن يشركني فبعث بها إلي.
بعد مكوث امتد لأكثر من شهر. عاد عبد الله كما يعود كل من غاب عن الدنيا في غربة يكره أن يجد يوم البعث نفسه غريبا بين أقوامها، عاد ليوسد الثرى في بحري وليس في رفاعة، بلده وبلد أسلافه . عاد ليصبح مقامه “قريبا على بعد بعيدا على قرب ” في كلمات من شعر ابن الرومي
لعبد الله عدد من الأبناء والبنات – كلهم قد خلفوه . لهم جميعا تعازي ومؤاساتي.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين .. ربنا لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره…. آمين.
صالح فرح
أبوظبي في ديسمبر 2018
tariqbf@gmail.com