بقلم: السر جميل
في لحظات صادقة مع النفس، عندما يلقي المرء ببطين نظره على واقعنا، يتملك الفؤاد حسرة على حال غفلتنا، ويطرح سؤال يبحث عن إجابة لمصابنا ! لم أجدت بنا الأزمات، ولم أظلمت في وجوهنا السبل؟ وإن الجواب الذي يفر منه الكثيرون، ويمرون عليه مر الكرام، يكمن في حقيقة قرآنية ثابتة ذنوبنا هي السبب. لقد تسللت المعاصي إلى تفاصيل حياتنا، واستشرى التهاون حتى غدا التفريط مركب الجميع، وما قست القلوب ولا جفت العيون إلا بظمأ الأرواح للصلة ببارئها.
تأمل في أحوالنا مع فرائض الدين وشعائره، تجد أن القليل منا فقط هو من يحرص على إقامة الصلوات الخمس في المسجد، يعمر بيوت الله ويمشي إليها في الظلم، بينما غرق الأغلب في زحمة المشاغل والدنيا. والقليل منا من يقتطع من وقته أُنسا لكتاب الله، فيحافظ على قراءة جزء من القرآن يومياً، ليكون له نوراً وشفاءً. ناهيك عن أذكار الصباح والمساء، فكم هم القليلون الذين يواظبون عليها بقلب خاشع حاضر، يستشعر معاني الاستعاذة والحمد!
وحتى في تعبيرنا عن حب النبي صليالله عليه وسلم، تجد دعوانا عريضة، بينما الواقع يشهد أن القليل منا فقط هم من يلهجون بالصلاة والسلام عليه صباح مساء، متتبعين سنته. أما النوافل والسنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها، فقل من يهتم بها ويرتقي بها صعوداً في معارج القرب، وكذلك صيام التطوع الذي يكسر شهوات النفس ويصفي الروح.
ولم يتوقف النقص عند العبادات المحضة، بل تعداه إلى معاملاتنا وأخلاقنا التي هي ثمرة الإيمان الحقيقي. فالقليل منا اليوم تجده حريصاً أشد الحرص على حقوق الآخرين، مؤدياً للأمانات، ورعاً عن الشبهات. والقليل منا من تجده راضياً بقضاء الله وقدره، قانعاً بحاله، إذ طغت موجه الشكوى والتذمر وضيق الصدر، وأصبح المرء لا يتحمل من أخيه كلمة، فتراه يثور لأدنى سبب.
وفقدنا في زحام الماديات رقة اللسان وحسن الخطاب، فصار القليل منا من يحسن الكلام دون تجريح، أو صراخ، أو إساءة، أو غيبة ونميمة. وعلى مستوى القلوب، يا لقلة أولئك الذين تسلم صدورهم من الأحقاد والضغائن والغل! قليلون هم المتسامحون، العافون عن الناس، الحريصون على الكلم الطيب وادخال السرور على قلوب المحزونين والمتعبين.
إن المصيبة الكبرى تكمن في استغراقنا الكامل في العاجلة، فالقليل جداً من يحسب حساب الموت، ويعد للمقابر زاداً، ويعمل لما بعد الفناء. لقد غدا همنا الأكبر منحصراً في الأكل والشرب والسكن والملبس، واستعرت نيران صراعنا على الدنيا وزخرفها الزائل. ومع كل هذا التقصير والتفريط، نرفع أكفنا إلى السماء نسأل الله جلب الرغائب، وتحقيق الأحلام الدنيوية، واستجابة الدعاء على من ظلمنا، متناسين أن الذنوب تحجب الدعاء، وأن الإجابة تستلزم الاستقامة والإنابة والرجوع لله بصدق.
إن الإصلاح لا يبدأ من مجريات الأحداث حولنا، بل يبدأ من أعماق نفوسنا. وحين ندرك أن ذنوبنا هي السبب، نبدأ أولى خطوات الخروج من التيه. إنها دعوة إلى وقفة صدق مع النفس، لنكون من أولئك “القليل” الذين أثنى الله عليهم، فنستغفر من تفريطنا، ونعود إلى صلاتنا وقرآننا، ونصلح ما بيننا وبين الناس، عسى الله أن يرفع عنا ما نزل بنا، ونعود الى رشدنا ونحكم عقولنا الي طريق الرشاد حينها ندعوا بقلوب خاشعة ربنا اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا.
elsir90@hotmail.com
