عجلنا الذهبي المقدس (2): الجيش كخطر مهدد لأمن وجود الدولة

 


 

 

7
قلنا، لقد فشلوا "بامتياز" في الدفاع عن حدود الوطن وترابه الغالي، وهي المهمة الأولى والكبرى والأعظم المناط بهم النهوض بها. وكما قلنا قبل، أنهم تجاوزوا العجز والفشل، وأوغلوا في التواطؤ مع المحتل بالصمت والرضى السكوتي بالاحتلال، ثم مضوا أبعد بالاستعانة به لحل مشاكلنا الداخلية، والاستعانة به لدعمهم في مواجهة خصومهم السياسيين بالداخل!.
وأنهم أسهموا بفعالية في توسيع الفتوق الأمنية في الدولة عبر ثلاث منافذ تشق عملية رتقها لمن يأتي بعدهم.
8
فاختطافهم ملف السلام والتفاوض مع الحركات المسلحة كان الانذار الأول بما سيأتي بعده من إجهاض لعملية السلام.
ولا تدري كيف جازت هذه الحجة الصبيانية الساذجة على من ندبوا أنفسهم للتفاوض مع لجنة البشير الأمنية بحجة: نحن وهم حملة سلاح وكانت بيننا وبينهم معارك، ونعرف لغتهم وكيف يفكرون، وبالتالي نحن الأجدر بتولي أمر هذا الملف الأقرب إلى المهام الدستورية لمؤسستنا، فنحن الأكثر قدرة على اقناعهم بما تريد الدولة والثورة !.
ابتلع المفاوض المدني الطعم رغم وضوحه، وفاتت على بداهته بأن وقف الحرب والتفاوض على السلام مع الحركات المناهضة للنظام الذي أسقطته قوى الثورة المدنية هو شأن سياسي بالدرجة الأولى.
وأن صفته الأمنية لم يعد لها وجود مع الاطاحة بنظام البشير الإسلاموي.
وأن الذي يجمع ما بين قوى الثورة المدنية والحركات المسلحة أقرب مما يجمع الأخيرة بلجنة البشير الأمنية التي تمثل ذراع عدوهم الباطشة.
ابتلعت قوى الحرية والتغيير الطعم، وتقاسمته معها الحركات المسلحة. وليصبح ذات الطعم فيما بعد هو عظمة النزاع بينهما.
لقد خسرا معاً رهان الشارع وقواه الحية وتمزق نسيج وحدتهما.
ونجح العسكر في تجريدهما من شرعية الشارع التي كانت مصدر قوتهما الوحيد, وتركهما عاريين لا وجيع لهما.
ليلعب بهما العسكر بيادقاً يحركها بردة الفعل، لتثبيت سلطته، وشرعنتها.
( في نظر العالم على أقل تقدير).
وكلمة السر في الريموت الذي بيد العسكر لتوجيه حركتهما: نصيبك في كيكة السلطة معي !.
9
يُعد هذا انجازاً للعسكر، إذا كانت "مهمة" الجيش الدستورية هي تمزيق نسيج المجتمع، وتمزيق عرى وحدة القوى السياسية، وليس العمل على تمتين وتقوية عناصر الوحدة ودعم عوامل التوافق !!.
10
لقد احتلت ظاهرة انتشار المخدرات بمختلف أنواعها، بشكل خطر مخيف، وبصورة غير معهودة في كل الدول، بالسودان، قائمة اهتمام الحادبين على أمن البلاد وصحة شبابها من الجنسين. وتعالت صيحات التحذير والتنبيه على مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل، خاصة بعد أن طفت على السطح الأخبار عن جرائم غير مسبوقة أو معتادة في مستويات بشاعتها.
إن وزر استفحال هذه الظاهرة التي لا تخفى على عين كل إنسان لا يتحمله سوى العسكر. ولا يهمنا في شيء ما يتداوله الناس في الإعلام المقروء، أو في منصات التواصل ممن رأوا وشاهدوا بأعينهم، أو سمعوا، أو كانوا على مقربة من الضحايا من حديث عن دور أفراد أو جماعات من الجيش والأجهزة الأمنية في انتشار هذه الظاهرة التي تهدد بقاء السودان ذاته كدولة (1).
ولكن ما هو مؤكد أن الجيش الذي أمسك بمفاتيح وخيوط مؤسسات الدولة الأمنية والشرطية بين قبضتيه هو المسؤول الأول، والوحيد الذي يتحمل وزرها. سواء كان ذلك بصمته عن الجهات التي تقوم بتنفيذ هذا المخطط، أو بـ "صهينته" عنها، أو "طارب طناش" عن مخاطرها، أو كان متواطئاً مع الفاعلين لتحقيق أهداف تكتيكية.
أياً كان موقفه ومبرراته، فالنتيجة واحدة. هو المسؤول عن هذه الظاهرة المهددة لأمن ووجود الدولة، ومسؤول عن نتائجها الكارثية. وعليه وحده أن يتحمل تبعاتها.
لأن الغزو الخارجي المسلح لا يهدد بزوال الدولة، وإنما تزول الدولة حين يتهتك ويتفكك نسيجها الداخلي وتنهار...
وانتشار المخدرات، وبهذا الشكل السرطاني الممنهج يكشف عن جهات ما، ونوايا تسعى لتحقيق هذا الهدف.
11
لم يقف تفكيك الدولة وتمزيق نسيج مجتمعاتها عند هذا الحد. بل تلازم مع ذلك استخدام سلاح الإثنيات والنعرات القبلية والطائفية القااتل وإثارة الفتنة والاقتتال بينها، وتغذيته بـ "الصهينة" والتجاهل، وتغليفه بصمت شيطاني، يخفي ما وراءه من أهداف.
لا يحتاج المرء إلى البحث طويلاً عن شواهد تؤكد قولنا هذا بين القيادات العسكري المسؤولة عن إدارة الدولة
فرئيس الدولة، ومن موقعه كرئيس لمجلس السيادة والقائد الأعلى للجيش، والقائد العام للقوات المسلحة والأمن والشرطة والكشافة أيضاً، " في بحثه عن حاضنة اجتماعية يستند عليها في تشبثه بالسلطة، لجأ إلى تحريك ملف الفتنة بين المكونات الإثنية والقبلية السودانية. ليتذكر المسؤول الأول عن وحدة الوطن والحفاظ على تماسك نسيجه الاجتماعي فجأة بأنه "شمالي"!!.
وذلك في مناسبة اجتماعية بمنطقة كلي بولاية نهر النيل في ابريل 2022، حيث خاطبهم قائلًا بأن أبناء الولاية يتعرضون للاستهداف من جهات – لم يسمها – وطالب بالحفاظ على موارد الذهب لصالح إنسان الولاية.
"أليس هذا هو عين التحريض وإثارة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ؟!.
لقد نطق بأقبح منها قائده ورئيسه السابق عمر البشير من قبل وهو يتساءل: هل الغرباوية إذا "ركبها" جعلي يُسمى هذا اغتصاباً، أم هو شرفاً لها ؟!!.
إذن بخطابه في كلي "من كان يقصد بمستهدفي أبناء الشمالية البرهان. ألا يعني "الغرابة" ؟!.
" ومن الذين يسطون على ذهب الشمالية؟. أليست هي قوات الدعم السريع التي يقودها نائبه الجنرال محمد حمدان (حميدتي)، بالاشتراك مع روسيا عن طريق مرتزقة فاغنر، الذين يمنحهم هو، كرئيس للدولة وكقائد عام للجيش والأمن والشرطة والكشافة أيضاً تأشيرات الدخول بطائراتهم والإذن بشحن الذهب والإقلاع به للخارج" ؟!!.(2).
أنه يتجاوز هذا التناقض الفاضح في خطابه ومواقفه، فهو هنا "رئيس" لكن بماكينة ناشط قبلي جاهل "عنصري مغرور"، يستفز حمية قبيلته. لم يرتق ليكون شيخاً لقبيلة أو حتى عمدة مسؤول.
12
وهل يستغرب أحد ما بعد ذلك إذا ما أعلن بعض العسكريين والمدنيين في الولاية الشمالية تأسيس جيش، أو قوات "درع الشمال" ؟. أو قامت ثلة من العسكريين بقيادة العقيد معاش الصوارمي خالد سعد الناطق السابق للجيش بتأسيس "قوات كيان السودان" ؟!. أو سعت بقية الولايات والقبائل الأخرى تكوين جيوشها الخاصة ؟.
يمكن أن يعير الواحد مثل تلك التراهات التحريضية التي تصدر عن واحد مثل الجنرال حميدتي في غرب السودان، أو كباشي في خطاباته بالدلنج أو كادوقلي، مستعرض فيها – بما يملأ كتفيه من علامات نحاسية – سلطته عضلاته، رغم خطورتها على السلم المجتمعي والأمن القومي، أما أن يكون مصدرها (راس القايدة) نفسه، فأمر آخر.
وقد نبهت في كلمتي تلك إلى أن: " البرهان قد كشف بشكل واضح عدم أهليته لتولي أي منصب في الدولة، ليس لأنه يفتقر إلى الكفاءة فحسب، بل – وهذا أخطر ما في الأمر – لأنه يفتقر إلى حس المسؤولية الأخلاقية، وبالتالي، هو غير مؤتمن على وحدة وسلامة البلد. وبجملة واحدة، وجوده على رأس قيادة السودان يشكل خطراً على البلاد ومهدداً لأمنها، وخطراً على القوات المسلحة ومنظومة القوى الأمنية كلها" (3).
13
هل هذا كل ما يمكن أن يُذكر للتأكيد بأن جيشنا ما هو إلا بقرة مقدسة، لكن ضررها – بوضعها هذا – أكثر من نفعها، فلا هي ذلول تحرث الأرض. ولا هي مسلمة لا شيّة فيها. فهي تعاني من الأمراض الخلقية، المعدية منها وغير المعدية. كما تعاني من التشوهات العضوية.
ليس ذلك وحسب، هي تعاني أيضاً من أمراض وتشوهات نفسية يصعب معها السيطرة على نوباتها العصبية العنيفة الحادة مما يجعل وجودها بيننا محفوف بالمخاطر ، ويجعل التعايش والتعامل معها مشكلة شاقة ومعقدة.
وهي عبارة عن آلة إستهلاك عملاقة وغير منتجة، فهي تقضي بنهمٍ على الأخضر واليابس من الزرع، وهي وفوق كل ذلك عاقر لا يفيض رحمها نسلاً، ولا يُستسقى من ضرعها لبناً ؟.
ما الحاجة إليها إذن ؟!!.
سنرى تفصيل ذلك لاحقاً بإذن الله.

هوامش ومصادر
(1) منها على سبيل المثال، الخبر الذي أوردته بكامل تفاصيله بتاريخ 18 يناير، 2023، تحت عنوان: " تورط ضابط برتبة رفيعة في قضية خمور مستوردة".
ومثل قضية حاوية المخدران التي تم ضبطها بجمارك بورتسودان، والتي أكدت مصادر مطلعة لـ(مورنينغ نيوز) إن جهاز المخابرات العامة تمكن من ضبط حاوية بداخلها مخدرات (نيرفاكس) و (كبتاجون) بالميناء وأن أوامر قبض صدرت بحق خمسة نظاميين، منهم ضابط برتبة عقيد بالخدمة، و آخر برتبة ملازم أول، وآخرين برتبة اللواء بعضهم بالمعاش وأكدت المصادر القبض على كل أفراد الشبكة. وقد تجلى للسلطات انها تتبع لاحدي الحركات المسلحة ، وقد برر رئيس الحركة بأن دخولها تم بغرض تدريب القوات ومرتبات أفرادها (كدا عديل) !!.
(2) "البرهان فقد السيطرة على نفسه وأصبح أكبر مهددات الوطن"، صحيفة سودانايل الرقمية، بتاريخ 16 يوليو, 2022.
(3) سودانايل، المصدر لسابق.

izzeddin9@gmail.com

 

آراء