عدالة الثورة تمشي على (عكازة) .. بقلم: حلمي الدرديري فارس

الثابت في جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وكذلك في معايير ومقاييس عدالة وشفافية الدولة ومؤسساتها هو تساوي جميع أفراد الدولة في الحقوق المدنية وأمام القوانين الحاكمة للعلاقات بين الأفراد والمؤسسات والكيانات المختلفة المكونة للدولة، وتختل موازين العدالة وتفقد الدولة شفافيتها وانضباطها القانوني في نظر مواطنيها وفي نظر العالم الخارجي فور غياب مبدأ (المساواة أمام القانون) بين جميع أفراد الدولة الواحدة. والمبدئية السياسية النزيهة و أخلاق الإنسانية السمحاء تستوجب الإيمان بأن (الحرية والعدالة) هي حقوق إنسانية مجردة، وهي حق للجميع، دون إستثناء، و دون تسييس، و دون محاباة، و يجب إثباتها لمن نختلف معه قبل أن نمحنها لمن يوافقنا الرأي، و إن لم نفعل ذلك فما بلغنا بعد مبلغ الإيمان الكافي لنكون أهلاً للتمتع بهما أو أن نقف على قمة ثورة أو دولة تنادي بهما.
ولن يُعجز المراقب، الداخلي والخارجي، لمستويات العدالة والشفافية بل وحتى الحرية بدولة ثورتنا المجيدة أن يرى الثقوب الكبيرة و الكثيفة التي يمتليء بها ثوب العدالة والشفافية حتى لا يكاد يستر عورة الثورة التي جاءت تنادي بشعارات (حرية، سلام، و عدالة )!!
ف(الحرية) للأسف أضحت هي أن تلبس وتأكل وتدخن وتتعاطى ما يعجبك وأن تتعرى و ترقص و (تترس طرق عبور الناس) كيفما تشاء ، لكن إياك أياك أن تقول ما لا يعجب من إختطفوا الثورة بليل وجعلوا أنفسهم حراساً لها دون سند شرعي أو شرعية بتفويض شعبي متفق عليه! والحرية في القول والفعل السياسي وفي المشاركة في تحديد مصير كامل الأمة والوطن كان حتى إجراءات 25 أكتوبر حكراً على من وقع على إعلان سياسي بائس ل(قوى الحرية والتغيير) التي منحت لنفسها فيه حق تصنيف الخلق لمواطنين كاملي الأهلية المدنية و السياسية و أنصاف مواطنين بل وسحب حقوق المواطنة المتساوية من فئات كثيرة بسب إختلاف الرؤية السياسية، فأرادت أن تحتكر لنفسها 67% من مؤسسات صنع القرار في كل كامل مصير الوطن وجعلت الأغلبية لإجازة القوانين على مقاسها بذات النسبة!! و فاقت في ذلك بؤس المؤتمر الوطني البائد الذي منح نفسه في دستور العام 2005م فقط 52% من مجلسه التشريعي وجعل إجازة القرارات فيه بنسبة 75%!! .
أما العدالة، موضوع مقالنا، فإختلالها البائن منذ إندلاع الثورة لن يخفى إلا على من في عينه رمد أو بنفسه مرض أو غرض، وسوف أسوق دليلاً على إختلالها هنا فقط ثلاثة مظاهر خطيرة، أولهما عدم إكتمال هياكل المنظومة العدلية بعد مضي قرابة الثلاث سنوات من الثورة، فكيف بربكم تستقيم عدالة بلا محكمة دستورية مستقلة وبلا محكمة إستئناف عليا مستقلة وبلا رئاسة قضاء مستقلة ونيابة عامة غير مسيسة ولا مدجنة!؟ وكيف تستقيم عدالة يقوم بتعيين القائمين عليها أحزاب سياسية تتقاسم المناصب محاصصةً ؟ و ثاني مظاهر إختلال العدالة هو شروع الثورة منذ قيامها في (تفصيل قوانين لفئات محددة من المواطنين) و هذا في ميزان العدالة الإنسانية والدولية منافي تماماً للعدل والمساواة بين الناس أما القوانين، فالقوانين العادلة تكون ذات طبيعة كلية شاملة لا تصف ولا تحدد فئات أو كيانات محددة تنطبق عليها، بل وحتى حل حزب معين يجب أن يتم بحكم قضائي ووفق قانون عام وشامل يحكم جميع الأحزاب و ليس وفق شرعية ثورية متوهمة توضع في أيدي فئة حزبية لتكيد بها لفئات أخرى تختلف معها في رؤاها ومواقفها السياسية فتمنع عنها حقوق المواطنة و الفعل السياسي أو المدني.
وثالث أخطر مظاهر هذه العدالة التي تمشي على عكازة العرج هي التجاوزات الكبيرة التي حدثت و لا زالت تحدث نتيجة اجمع بين سلطات متعددة بيد جهة أو أفراد، حيث أخذ البعض كافة صلاحيات وأدوات إنجاز العدالة فأصبح يمارس الإعتقال والتفتيش والحبس و حرمان المواطنين من حقوقهم المدنية و من حرياتهم دون مصوغ قانوني واضح ، وسجون الثورة الآن بها العشرات من المعتقلين لسنوات خلت دون توجيه تهم أو تقديم لمحاكمة أو صدور أحكام قضائية بحقهم، و لعل أبرز أمثلة ضحايا هذا الإختلال العدلي الخطير هو الدكتور الشاب محمد علي الجزولي الذي تجاوز العامين و النصف حبيساً دون أن يقدم إلى أي محاكمة والذي خرج من سجون النظام البائد إلى سجون الثورة، وكذلك الناشط السياسي الشاب معمر موسى وصديقه بطرس اللذان مكثا لأكثر من عام دون توجيه تهمة و تم إطلاق سراحهما هكذا دون محاكمة أيضاً !! ومن مكث بالسجن حتى توفاه الله ثم أثبتت المحكمة براءته بعد موته، ومن مات في سجنه دون توجيه إتهام لأكثر من عام و نصف، ومن أمثال بعض قيادات المؤتمر الوطني السابق ممن لم توجه لهم تهم ولم يجري حتى التحقيق معهم حتى هذا التاريخ.
نرجو بعد أن تم تعيين النائب العام مؤخراً أن يتم إكمال بقية مؤسسات العدالة الأخرى وأن يتم دعمها و تثبيت كامل إستقلاليتها التامة لتقوم بدورها بتجرد ونزاهة بعيداً عن التسييس الذي سادها خلال الفترة السابقة، كما نأمل ممن يهتف بالحرية والعدالة أن يثبت هذا الحق لخصومه قبل نفسه وأن يحرص على تطبيقها عليهم مثلما يحرص على نفسه، وليتذكر الجميع أنه كما تدين تدان، وأن كأس الظلم دوارة إن هي دارت فلن تستثني أحدان وتلك الأيام نداولها بين الناس.

helmi.faris@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً