عديم جنسية .. معاناة منسية .. بقلم: أمير بابكر عبد الله

إضطر “نادر”، الذي بلغ الأربعة وعشرين عاما من عمره، إلى الهرب عبر الحدود إلى دولة مجاورة وهو في حالة نفسية سيئة، عندما واجه موقفاً بدا له غير منطقي ورسم داخله شرخاً يصعب معه البقاء في منطقته التي تحكمها القوانين والأعراف السائدة. كان ذلك يوم أن اضطر إلى الوقوف أمام ممثل السلطات للحصول على تلك الوثيقة التي تمنحه الحق بأن يصرخ ملء فيه “أنا سوداني”.
تكشف قصة “نادر” واحدة من القضايا ذات الأبعاد الاجتماعية المغيبة عن واقعنا، المأزوم أصلاً، هي قضية عديمي الجنسية “stateless” أو من يطلق عليهم في بعض البلدان “البدون”. ربما يثير هذا الأمر دهشة قطاع عريض من المجتمع السوداني، لكن واقع الحال يقول إن هناك شريحة مقدرة واقعة تحت وطأة معاناة مضاعفة بأشكال متعددة ولأسباب مختلفة لعدم قدرتهم الحصول على الجنسية السودانية، أو من أسقطت عنهم الجنسية وهم داخل السودان مثلما حدث لأبناء جنوب السودان.
الحصول على الجنسية السودانية إما بالميلاد، وهذه لها مطلوباتها أن يكون الأبوين سودانيين بالميلاد أو أحدهما، أو بالتجنس ولها شروطها على رأسها اٌلإقامة لمدة حددها القانون. وعالجت الدولة قضية الجنسية بالنسبة لفاقدي السند باعتبارها قضية واضحة المعالم باعتبار الأبوين مجهولين وتتولى أمر ترتيباتهم المؤسسة الرسمية للشؤون الاجتماعية.
لكن “نادر” ضمن الفئات المختلفة وقضيتها اكثر تعقيداً على الصعيد الاجتماعي، فوالدته معروفة الهوية والسكن والأسرة، وانجبت إبنها خارج إطار الزوجية، بعد تعرضها للاغتصاب، في محيط يحاول لملمة مثل هذه الجريمة، وينتهي الأمر لأن ينشأ الوليد ويتربى وسط أهل والدته دون أن يدري بأنه مجهول الأب. وبطبيعة الأشياء يكبر الطفل ويضطر لاستخراج أوراق ثبوتية في مرحلة من مراحل حياته ليتمتع بحقوق المواطن من الاستمرار في الدراسة وتلقي الرعاية الصحية وغيرها، إلى أن يبلغ المرحلة التي يكون قادراً فيها على أداء واجباته. لم يستطع استخراج الرقم الوطني للجلوس لامتحان الشهادة السودانية، وبدونه لا يستطيع. ولم يجد أحدهم الجرأة ليطلعه على الحقيقة، وعندما طلبت منه السلطات المختصة إحضار والدته فرفضت ذلك. أضطر بعدها لترك الدراسة وممارسة عمل هامشي. وبطبيعة الحال سيحتاج للرقم الوطني في معاملات كثيرة في المستقبل، وهو ما حدث فعلاً فعرض مشكلته على أحد المعاونين القانونيين الذي وجهه بالذهاب إلى الرعاية الاجتماعية هو وأمه. سلمته الرعاية الاجتماعية خطاباً مغلقاً موجهاً للسجل المدني.
والرعاية الاجتماعية هي السلطة التي يصدر منها الخطاب إلى الجهات المختصة لاستخراج الأوراق الثوبتية في مثل هذه الحالات شأنها شأن قضية فاقدي السند. ولكن سلطات السجل المدني فاجأت الوالدة بضرورة الذهاب إلى المحكمة لإثبات حالة “الزنا” أولاً حتى يستطيعون إكمال الإجراءات، وهو ما أصاب “نادر” بهذه الحالة النفسية التي اضطرته للهرب. لم ينظر المسؤول إلى التعقيدات المصاحبة للحالة التي أمامه، خاصة أن الأم جاءت بصحبة والدها أو شقيقها للمزيد من الاستيثاق من هويتها.
أول هذه التعقيدات هو ما سيقع على الأم جراء هذا الاعتراف أمام المحكمة، خاصة بعد مضي سنوات عديدة، وثانيها عدم اعتراف الأب المجهول بالإبن تجنباً للعواقب القانونية المترتبة على ذلك، أو عدم اعترافه بممارسة الجنس خارج إطار الزوجية أصلا، هذا إذا كان موجوداً أصلاً في المنطقة. فكثير من هذه الحالات طرفها الآخر هو من العمال الموسميين لا علاقة له بالمنطقة ويغادرها دون أن يخلف أثراً.
سلب “نادر” حقه في الحصول على إثبات هوية، وهو سوداني عاش داخل أرض السودان نحو أربعة وعشرين عاماً هي عمره منذ ولادته، وهو ما كان على السلطات أن تضعه في الاعتبار إضافة للتعقيدات الواردة أعلاه. وهذا يقود إلى اختلاف طبيعة العمل الشرطي من إدارة إلى أخرى، فما تقوم به شرطة المباحث الجنائية مثلا، يختلف عن طبيعة شرطة المرور وما تنشغل به شرطة السجل المدني بعيد عن دائرة مكافحة الشغب والإرهاب، وإن كان الجهاز الشرطي في النهاية دائرة تكمل بعضها، ولكن لكل إدارة خصوصيتها التي تتطلب تفهماً للحالات التي تتعامل معها.
حالة “نادر” تمثل فئة واحدة من فئات عديمي الجنسية التي تتحمل وزر الآخرين دون أن يكون لهم خيار، وهي شريحة ربما لا نلاحظها إلا في دوائر ضيقة في المدن الكبيرة ولكنها تتواجد في مناطق عديدة خاصة في مناطق تواجد العمالة الموسمية التي تشتغل بالزراعة وتغادرها مع انتهاء الموسم.

amirkf04@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً