hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في روايته الخالدة “عرس الزين”، لم يكتب الأديب الراحل الطيب صالح مجرد قصة عن زواج رجل “مبارك” من حسناء القرية، بل نسج ملحمة استعادية لوطنٍ كان يجد عافيته في التسامح، والبهجة، والتصالح مع التناقضات. تتحول تفاصيل القرية السودانية في هذا النص من مجرد جغرافيا منسية على ضفاف النيل إلى متنٍ صوفيٍّ باذخ الجمال؛ فليست “نعمة” هنا مجرد عروس، وليس “الزين” مجرد درويش، بل هما طرفا معادلة الروح السودانية في أنقى تجلياتها قبل أن يخدشها اغتراب الحداثة أو تمزقها أنياب الصراعات المريرة.
تطلُّ “نعمة” في الرواية كرمزٍ للوطن الذي يعرف ما يريد، فهي ليست تلك الأنثى السلبية التي تُساق إلى قدرها، بل هي “ذاكرة الوطن الجريح” التي تبحث عن الجوهر خلف المظهر. وباختيارها للزين، كانت نعمة تعلن انحيازها الصريح للبركة على حساب المادة، وللقلب على حساب القالب؛ إذ تمثل في المتن الروائي ذلك “التوازن” المفقود، فهي القوية الرزينة التي رأت في الزين — المطرود من منطق العقلاء — سكنًا وطمأنينة لا يعرفها إلا العارفون بأسرار القلوب.
إن “عرس الزين” هو اللحظة التاريخية والروحية التي تصالح فيها السودان مع نفسه؛ ففي ذلك الاحتفال الأسطوري، تلاشت الفوارق بين “الناظر” و”الدرويش”، وبين “المتدين” و”العربيد”. كان العرس بمثابة طهرانية جماعية غسل فيها النيل أدران الفرقة، واجتمع الكل تحت خيمة “الجمال” التي نصبها الطيب صالح ببراعة مدهشة، ليؤكد أن الزين لم يعد فرداً، بل صار رمزاً لتيار الحياة المتدفق الذي لا يقيده قيد.
وعندما نقرأ هذه الرواية اليوم، ونحن نرى جراح الوطن تنزف، يبدو العرس كأنه مرثية استباقية؛ فالطيب صالح لم يكن يوثق لحدث ريفي عابر، بل كان يضع يده على “السر” الذي جعل السودان صامداً لقرون، وهو القدرة الفائقة على استيعاب المتناقضات. فالزين هو الوجع الساخر والمحبة الفطرية التي لا تنتظر مقابلاً، ونعمة هي الأرض الطيبة التي تقبل بذور المحبة مهما كانت غريبة الأطوار.
لقد كان ذلك العرس “ترياقاً” ضد القسوة، وحين نعود لهذه الرواية الآن، فنحن لا نقرأ أدباً فحسب، بل نتحسس ملامح وجهنا القديم الذي شوهته الحروب؛ ذلك الوجه الذي كان يضحك بملء فيه مع الزين ويطمئن لرزانة نعمة. إنها دعوة لاستعادة السودان الذي كان يرى في “المختلف” بركة وفي “البسيط” كنزاً، وتذكير بأن جراح الأوطان لا تلتئم بالسياسة وحدها، بل بالعودة إلى “الفطرة” و”اليقين” اللذين جسدهما أبطال الطيب صالح.
الطيب صالح
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم