عــــدة الشــغـل … بقلم: د . أحمد خير / واشنطن

 


 

د. أحمد خير
16 August, 2009

 

aikheir@yahoo.com

 

 

العالم أصبح قرية ،  إن لم يسمع الجار جاره فيها  فهو يراه . إذن ليس هناك شيئا خفيا . عليه ، ندعو أن من يهمه  الأمر فى السودان أن يعى أن كل صغيرة وكبيرة لها من يرصدها ويقوم بتحليلها لغرض ما ربما تظهر نتائجه فى الحاضر أو فى المستقبل . وللحفاظ على ماتبقى لهذا البلد من كرامة كان لابد وان ننادى بإستخدام  ذلك الشئ الهلامى الكامن فى الجمجمة الذى يطلقون عليه أحيانا مسمى " مخ " .  وكما يعلم الجميع أن بعض أهل السودان يطلقون على ذلك النخاع فى تجويف عضمة  الساق ، أو العمود الفقرى لفظة " مخ " . وبالبــلدى يطلقون عليه إســم   " طايوق " !  فإذا أردنا أن نستنكر حدث أو فعل ما قام به شخص ننعت الشخص بقولنا " الزول ماعندو طايوق " أو " ماعندو مخ " أو كما كان يقول الخواجه " مانولى " و " خرستو " عندما يواجه أحدهما بتصرف غير عقلانى يقول وهو يشير بإصبعه ناحية رأسه  " مخ مافى " . نحن بدورنا سنظل نصرخ ونطالب بإستخدام "المخ " برغم من يقيننا بأن المخ مافى !

 

المتتبع لمسيرة الإنقاذ منذ وصولها إلى السلطة ، لابد وأن يكون قد لاحظ أفعال كثيرة يمكن ردها إلى مرتبة " مخ مافى " أو "مافى طايوق " . وربما يقرن الملاحظة مع تساؤل مصحوبا بالدهشة: لماذا  تجرى الإنقاذ وراء أفعال " تفقع المرارة ؟!"

 

لم أسمع طوال حياتى  كما لم أقرأ فى تاريخ الأمم عن مجموعة حكمت وتحكمت ثم تأسدت على المواطن .  تبحث عن المشاكل ، وإن لم تجدها تتشاجر مع نفسها كما تفعل السلطة الحاكمة فى السودان!  إذا نشرت جريدة فى الدينمارك كاريكاتير عن الرسول الكريم ، يكون لمانشر ردة فعل فى السودان أقوى وأشد عنفاً من ردة فعل العالم لعربي كله من أقصى حدود مسقط إلى حدود المغرب ! هل ذلك لأن السلطة فى السودان أكثر إيمانا وأشد تمسكا بتعاليم الإسلام وحامية حمى الإسلام وخليفة الله على الأرض ؟! أم لأنها   بالدارجى كدى " قلة شغله " ؟! أم أنها أفعال يراد بها أن ينشغل المواطن عن الحالة المتدنية التى وصل إليها ، التى كلما حاول أن يفيق منها ، خرجوا عليه بتمثيلية أخرى ، تماما كما حدث أن إتخذت السلطة موقفا من المعلمة البريطانية التى أطلقت على دمية " دب " إسم " محمد " بالرغم من انها لم تكن تعنى بالتسمية تشبيه الدب بالرسول الكريم "ص". 

 

الإسلام هو دين محبة وعدل ومساواة . وفوق كل ذلك هو دين مودة  ورحمة . فما أدرى راسم الكاريكاتير بسيدنا محمد " ص" وكيف له أن يتعرف عليه فى خضم مايحدث من حوله من تناطح وتنطع وإستئصال ؟! ثُم أين نداء " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " ومن الذى سيدعو بالحكمة و بالحسنة فى ظل الغوغائية القادمة فى صحبة بندقية كلاشنكوف أو مدفع  آربى جى ؟!      الإسلام يا هؤلاء هو دين القيمة ، هو دين تسامح ، هو دين أفعال . فماهو الفعل المحبب الذى تقوم به السلطة فى الخرطوم ليتقرب إليها من لايعرف دين سيدنا محمد  رسول البشرية !

 

ياهؤلاء ، الدين ليس جدلا سياسيا ، ولا هو دين إنفعالات . انه دين راسخة دعائمه . يحتاجه الصغير ليشب عليه ويحتاجه الكبير ليموت متمسكا به . إذن إغرسوه فى النفوس ولاتحملونه عصا تخوفون بها خلق الله .

 

أسوق هنا مثالا واحدا لأبرهن لكم أن القشور من الدين التى أرهبتم بها صغار السن من الفتيات ،  برهنت لى عجزكم التام فى غرس الدين فى النفوس . لقد كنت فى إحدى رحلاتى قادما من لندن إلى الخرطوم وتصادف  أن كانت فى المقعد المجاور لى فتاة جامعية عائدة من زيارة أقرباء لها يقيمون فى إحدى الدول الأوروبية . عندما إقتربت الطائرة من الخرطوم ، تناولت حقيبتها " كارى أون " وأخرجت منها قطعة من قماش " إيشارب " . وضعت الإيشارب على رأسها وإلتفتت نحوى " ربما لمحت علامات إستفهام على وجهى " قائلة : عـدة الشـغل !

 

سنوات مضت ولم تبرح مخيلتى مافعلته  تلك الفتاة . حتى أصبحت عادة فى زياراتى اللاحقات للسودان أن  أرقب حركات النساء القادمات إلى بلدهن " الحبوب " كما قال الصديق الشاعر الدبلوماسى سيد احمد الحردلو . وأحسب كم منهن وضعن عـدة الشغل ! ليمتثلن إلى قرار حكومى ، فرضته الدولة ولم ينبع من النفوس ! تماما كما يحدث فى بلد عربى مجاور من المفترض أن يكون أكثر تدينا ، ولكن ممارسات أهل " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" جعلت البعض يضعن الحجاب والنقاب تخوفا من أن تطالهن يد ،  وينزعن النقاب فور تسلقهن سلم الطائرة !

 

اللباس المحتشم هو من الفضيلة والرضى عن النفس . فإذا صار اللباس من أجل إقناع الآخرين  وليس نابعا من الذات تصبح الفتاة او السيدة مسخا مشوها بلا إرادة . فمن منكم يود أن يرى إبنته أو شقيقته أو والدته أو زوجته بلا إرادة ؟!

 

إنظروا لما يحدث فى بعض الدول الأوربية التى حاولت أن تحد أو تمنع الحجاب ، سترون مقاومة من الفتيات والسيدات ، وتحدى يصل فى بعض الأحيان  إلى حد الإشتباك مع السلطة . لالشئ إلا لأن الحجاب ترتديه الفتاة عن إرادة وشموخ تعتز فيه بإسلامها ولو كره الكارهون ! فمن أين أتت قوة إرادة الزود عن العقيدة ؟! بالطبع أتت نتيجة إقتناع  وأسلوب حضارى نشأن عليه ، قوى من عزيمتهن وعملن من خلاله إلى إثبات وجودهن . وما أجمل أن يكون الفعل ناتج عن قناعة .

 

المضحك المبكى فى قضايا شغل الناس فى السودان . نجد أن السلطة بدلا من أن تركز فى قضايا محورية تهم الوطن والمواطن مثل قضية دارفور والشرق وجبال النوبا وبؤر التفجر الأخرى ، بالإضافة إلى لقمة العيش التى يطفح المواطن الدم من أجل الحصول عليها  ،  نراها تشغل نفسها وتشغل الجميع بقضايا أخرى تحاول إلباسها لباسا دينيا تمس به وترا حساسا فتخرج الجماهير منددة أو مساندة ، أو المهم انها تخرج والسلام ! 

 

الصحافية الأستاذة/ لبنى أحمد حسين لها قلم شهرته فى وجه السلطة ، ليس لمغنم شخصى ولكن وقوفا مع الحق . فكانت ردة الفعل أن إتهمتها السلطة بتهمة تواجه معها عقوبة الجلد ، مبررة تلك العقوبة بأنها قد إرتدت  سروالا ، إعتبرته السلطة مخالفا لقوانين الحشمة والإحتشام . وكان قصد السلطة أن تخرج الجماهير منددة بالصحافية وبالصحافيين . وهنا توقعت السلطة أن تحرز نصراً ضد الصحافة التى ماتمكنت من كبتها بشتى الطرق . خاب أمل السلطة عندما لم تخرج الجماهير . وكانت الخيبة الكبرى أن تمكنت الصحافية من تحويل القضية إلى قضية رأى عام .

 

بتحويل القضية إلى قضية رأى عام ، أسقط فى يد السلطة . وبها كان لابد من القيام بمحاولة إلتفاف حول القضية . فأصدر رئيس الجمهورية عفوا بوقف العقوية ! ولكن أمام إصرار المتهمة على أنها لم ترتكب مخالفة وأنها لم ترتدى مايخدش الحياء  والذوق العام ، ولتبرئة سيرتها من تهمة مخالفة قوانين الإحتشام ، طالبت بإسقاط الدعوى ورد الإعتبار أو بتنفيذ العقوبة فى حضور مدعويين من مختلف الإتجاهات والجنسيات .

 

من العجب العجاب أن تقف سيدة أخرى وهى السيدة/ ساميه أحمد محمد ، وزيرة الرعاية الإجتماعية وشئون المرأة والطفل فى سياق حديثها عن قضية لبنى قائلة : أن من يتحدث عن إضطهاد المرأة فى السودان فهو كاذب ... ان المرأة فى السودان إحتلت منصة القضاء منذ الستينات فكيف تضطهد وقد مارست العمل السياسى منذ زمن بعيد " سودانيل"    

 

إذا ما أخذنا فى الإعتبار ماقالته السيدة الوزيرة حول " أن من يتحدث عن إضطهاد المرأة فى السودان فهو كاذب " فنقول لها ياسيدتى فى زمنكم لم تضطهد المرأة فحسب ، بل أضطهد العلماء والمهنيين وكل الأحرار ! فى زمانكم أضطهد كرام القوم من أساتذة الجامعات ! فى زمانكم أضطهد الدبلوماسى المحترف ، ورجل القضاء ، ورجال الشرطة والقوات المسلحة من أخيار الأمة !  ليحل محلهم  أناس أتيتم بهم من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ! فكانت العمارات والفلل والسيارات الفارهة ! وكانت الخصخصة التى حولتم بها ممتلكات الشعب إلى ملكيات خاصة بعد أن بعتم وإشتريتم كيفما تشاؤون!

وبعد ذلك تقولين ان من يتحدث عن الإضطهاد فهو كاذب !! أين الصدق إذن فى ماتقولين؟!

 

راجعوا أفعالكم ، ليس من أجلكم ، بل من أجل وطن مرغتم سمعته فى التراب . راجعوا أفعالكم ، ليس من أجلكم ، فأنتم تحصدون فى سراب . راجعوا أفعالكم ، ليس من أجلكم ، فأنتم حولتم الأرض إلى يباب ! راجعوا أفعالكم ، أن كنتم تؤمنون بيوم الحساب !          

 

آراء