abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
يحمد للاستاذ الحاج وراق اقتراحه لقوي الحرية والتغيير لاستعادة وهجها، تبني قضية الجرحي والمصابين. وبما ان هذه القضية من الحساسية والاهمية بمكان، لذا هي تتعدي قوي الحرية والتغيير المشغولة بضغوطات وتسارع وسيولة الاوضاع السياسية، لتشمل كافة قطاعات الشعب وافراده، ومن باب اولي ان تتصدي هذه القطاعات والافراد لهذه المسؤولية كفرض عين. خاصة في ظل تعقيدات الاوضاع الاقتصادية في البلاد بصفة عامة، ولاسر هؤلاء المصابين بصفة خاصة (اضافة لعبء المعيشة تضاف تكاليف العلاج). اما ما يلي الاحزاب وغيرها من المهتمين بقضايا الانتقال والتغيير، عليهم ان يعملوا علي ان تتضمن مواثيق الانتقال ومخططات التغيير، بنود واضحة تكفل لاسر الشهداء والمغيبين والمصابين، امتيازات ايجابية كجزء من حقوق مواطنيتهم، وليس منحة او منة من احد. وان لا تترك مساحة للحياء او الرفض لهذه الحقوق، بل تترفع الي قلادة شرف تعادل الكرامة الوطنية او تزيد.
اما بقية افراد المجتمع ومكوناته المدنية فالمساحة امامها مفتوحة، للاستفادة من وسائل معتادة، او ابتداع طرق مبتكرة، للمساهمة في هذه القضية كجزء من مشروع الثورة والتغيير. اي كل من لم يستطع الخروج بنفسه في هذه المواكب في الداخل او بسبب هجرته للخارج، فقد واتتهم فرصة المشاركة الايجابية في الثورة دون مبارحة اماكنهم، سواء بالمساهمة العينية المادية او اللوجستية (اذا جاز الوصف) لعلاج هؤلاء المصابين في الداخل والخارج. وفي هذا الاطار يمكن الاستفادة من تجربة الجاليات في المهاجر، وكذلك فكرة القومة للوطن وما احرزته من نجاح منقطع النظير، ويمكن كذلك توظيف كل من قناة سودان بكرة وراديو دبنقا، كفضاءات اعلامية داعمة للثورة، للترويج لهذا المشروع واستقطاب مزيد من الدعومات المادية، والتعريف بالمصابين ونوعية اصاباتهم، مما يمهد لكل جهة تقديم ما تستطعه من مساعدة.
وما يهم في مثل هذه المشاريع، ان تتيح فرصة للمساهمة في الثورة لغير الناشطين والمهووسين بالسياسة، التي اصبحت ككرة القدم تستقطب كل الجهد والنشاط والاهتمام، ولكن من دون اي مردود حقيقي علي ارض الواقع يكافئ هذا الهوس. وعليه، اي جهد في هذا الاطار يجب ان يتخلص من عيوب تجربتنا السياسية وامراض العمل الجماعي، التي رزءنا بها! وجزء اساس منها عدم الفصل بين الشخصي والعام، في العمل العام والفعل المؤسسي! وكذلك بين دور القائد ومهنة القيادة والمهمة المنوطة بالجهة التي يقودها او يرأسها! بعني هنالك خلط بين المسؤولية العامة والملكية الفردية تسم الشخصية السودانية (اذا صح ان هنالك شخصية هكذا!) بدلالة ان اي مشروع او مبادرة او عمل ناجح، يرتبط بصاحب او اصحاب هذه العمل، ومن ثمّ يصبح هو/هم المعادل الموضوعي للمشروع او العمل نفسه. ولذا مسألة تداول القيادة اصبحت من المحرمات، لانها مرتبطة من جهة، بالجهد المبذول والتضحيات المُقدَمة، ومن جهة وسمها بالنكران والجحود ومس الكرامة الشخصية، اذا ما طرحت هذه المسألة لمجرد التداول! اما في المقلب الآخر، طرح اي مشروع او مبادرة او فكرة غض النظر عن جدواها، غالبا ما تجد الرفض ممن لم يشارك فيها، او يكون له دور مؤثر فيها، او يستمتع بجزء من ريعها، ويشمل ذلك الاحزاب والمؤسسات والجمعيات بما فيها الاهلية وللغرابة حتي الخيرية! واحتمال هذا ما يفسر كثرة الانشقاقات داخل تلك الكيانات، قبل ان يضعف استمرارها ويمنع تطورها، والاهم انه في الاطار العام، غيَّب التوافق علي مشروع وطني مشترك.
المهم، هذه اللعنة التي تسم الشخصية السودانية، تعيق العمل داخل منظومة، وتُضمِّر قابليتها للانقياد، وتستبطن روح الاستبداد في القيادة. واذا صح ذلك، فهذه الشخصية الملتبسة تحتاج لحفريات تاريخية واجتماعية وثقافية لاستكناه خباياها، ومعرفة صلة ذلك بكل هذا الخراب المطرد منذ استقلال البلاد. والاسوأ من ذلك حالة التشرذم والاختلاف التي تجتاح الساحة السياسية راهنا، وهي تواجه اختبار مصيري يتعلق بسلامة البلاد وامان العباد. وغالبا مرد هذا التشتت والتناقض في هذه الشخصية، يرجع لان البلاد نفسها حصيلة تشكل او اجتماع عدة جهات واعراق وثقافات، استجابة لضغوط خارجية (استعمارية). وبعد ذهاب هذا المحدد القهري، حنت هذه التكوينات لجذورها الاصلية، بعد ان اضاف لها الاستعمار تباينات طبقية ومدنية ريفية. وعجزت هذه التكوينات المتنافرة عن ابتداع توليفة للتعايش داخل دولة موحدة، بعد غلبة نزعة التسلط من جهة، وممانعة الانضباط والتقيد بروح المدنية، كطابع للدولة الحديثة، من جهة.
المهم، قضية الجرحي اتاحت فرصة للمهتمين بالشأن العام، لاجتراح بدائل جديدة للعمل، يمكن ان تستقطب اهتمامات الكثيرين، ممن لديهم قدرات ادارية ومهارات قيادية، لم تتح لها الفرصة للظهور، في ظل سطوة الفاعلين السياسيين والامور السياسية، واحتكارهما لكافة الاضواء والفضاءات العامة. اي هي فرصة لتفجير الطاقات في قضايا ذات مردود انساني ومجتمعي وثوري، والاهم انه يوسع دائرة الاهتمام بالشان العام، خارج نطاق السياسة وصراعاتها العبثية! او اقلاها يوسع دائرة السياسة لتشمل جهود اخري في مجالات اخري اجدي نفعا واسرع نتائجا واكثر تاثيرا، مما ينعكس علي سمعة السياسة بصورة جيدة. والحال كذلك، ينفتح مدرك التغيير علي مجالات واهتمامات واساليب عمل جديدة، ليس خارج نطاق ذات النخب السياسية، وانما بطريقة مغايرة لطريقة تعاطيها مع الشان العام، التي اورثتنا هذا البؤس المقيم.
وليس بعيد عن ذلك، تجدر الاشارة للموقف النبيل الذي وقفته مستشفي الجودة الخاصة، وغيرها من المستشفيات والكوارد الطبية، وما تقوم به من جهود وطنية وانسانية في ظل مضايقات وتهديدات امنية رهيبة، كما وثق ذلك احد النشطاء علي قناة الجزيرة مباشر، وهو ما يتطلب من ناحية الاقتداء بمثل هذه الادوار، ومن ناحية يجب تقديم كل العون والدعم لهذه المستشفيات والكوادار الطبية العاملة بها، بل وتخليد اسماء هؤلاء الابطال علي سجل شرفاء الثورة.
واخيرا
كل الامنيات بوقف جريان الدم ومغادرة لغة الرصاص والاصابات والحقد والكره، والانفتاح علي لغة السلام والحوار، لبناء وطن ممكون، لم يجد طوال تاريخه سوي التجارب الفاشلة، بسبب الصراع علي السلطة. وتقبل الله شهداءنا النبلاء وعاجل الشفاء للجرحي وعودة المفقودين. ودمتم في رعاية الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم