علي عثمان .. الأدوار الظاهرة والخفية “1”

 


 

جمال عنقرة
21 June, 2015

 


كلام للوطن


أكثر السياسيين تجارب وخبرات، ويضع رأسه قبل قدميه

رفضه رئاسة البرلمان عزز ثورة البشير الإصلاحية، وأتي بالبروف الثائر

        لقد سبقت تشكيل الحكومة الأخيرة إرهاصات وتكهنات عدة، إلا أن ما أعلنه الرئيس جاء مخالفاً لكثير مما سبق، لدرجة يمكن أن يوصف معها بالمفاجأة، لكنها مفاجأة تدخل في عداد السعيدة، بما حوته من ملامح تحمل سمت المرحلة المطلوب. ورغم أن ذلك كله حدث وأنا خارج البلاد، في أرض الكنانة، مصر أخت بلادي الشقيقة في رحلة عمل امتدت لثلاثة شهور، كانت بدايتها الدورة التفاعلية للقيادات الصحافية السودانية، مع المجتمع المصري، برعاية الناقل الوطنى الخطوط الجوية السودانية، والمشغل الوطنى شركة سوداتل، وهاتفها السيار "سوداني"، بعد رعاية سفيري البلدين المعتقين السوداني عبد المحمود عبد الحليم، والمصري أسامة شلتوت، والتي أتاحت لي فرصة استعادة كثير من الأراضي والمساحات التى افتقدتها في مصر بسبب الغياب لنحو أربعة أعوام، فعدت بحمد الله تعالي كاتباً راتباً في الصحافة المصرية، عبر مقال أسبوعي ينشر كل يوم إثنين في صحيفة "الجمهورية" وشاركت خلال هذه الفترة في أكثر من عشرة برامج تلفزيونية وإذاعية، إلا أن ذلك لم يخف عنى خفايا كواليس المطبخ السياسي في السودان.

        فكرت أول مرة تسمية هذا المقال "ملامح التشكيل الوزاري الجديد" لكننى وجدت أهم من ملامح التشكيل، الموقف الحاسم الذي ينسب للأستاذ علي عثمان محمد طه، والذي كان له دور كبير في أن تسير الأمور إلي ما صارت إليه، ووجدتها فرصة للوقوف علي بعض مواقف الرجل، والتى كان لها دور كبير في تحديد ملامح السياسة السودانية، سواء بالنسبة للحركة الإسلامية، التي يحتل فيها موقعا لا يزاحمه فيه أحد، أو علي مستوى السودان كله، وما شجعنى علي كتابة هذا المقال ودفعني إليه، أن البعض حاول اختزال المواقف، واعتبار كل ما جري صراع بين تيارات قبلية، أو مجموعات منافعية داخل النظام.

        سعد كثيرون من أهل السودان، ــ وأنا واحد منهم ــ بما رشح قبل تشكيل الحكومة، من خبر يفيد بأن علي عثمان تم ترشيحه من قبل الحزب ليكون رئيساً للمجلس الوطنى، ومبعث سعادتنا أن علي عثمان يعتبر الأنسب لهذا الموقع، ليس من بين أعضاء المجلس الوطنى المنتخبين وحدهم، ولا من بين كل عضوية المؤتمر الوطنى والحركة الإسلامية كلها، لكنه الأنسب له من بين أهل السودان جميعاً، فتجربة علي عثمان البرلمانية علي المستوى القومى، انطلقت منذ العام 1978م، ولم تنقطع أبداً، وتسبقها تجارب، هي التي وضعت أساس الرجل السياسي والقيادى المتين.

        فعلي عثمان لمع نجمه السياسي والتنظيمى منذ ستينيات القرن الماضي، عندما صار رئيساً لإتحاد طلاب مدرسة الخرطوم الثانوية القديمة، ولم تكن له بسطة، لا في المال ولا في الجسم، سوي مواهب قيادة وتنظيم، وقبول لدى الناس، وفن خطابة، وحسن حديث وتصرف، وشموخ شخصية، من بعد توفيق الله تعالي، وتطورت تجربته في جامعة الخرطوم، فقدمه الطلاب لقيادة أول إتحاد لهم بعد إنقلاب مايو عام 1969م، فنضجت تجربته السياسية، ودائماً ما أقول أن ممارسة السياسة في الحياة الطلابية، مثل كرة الشراب بالنسبة للاعبي كرة القدم، فمثلما تكسب كرة الشراب لاعب كرة القدم مهارات خاصة، كذلك ممارسة العمل السياسي والتنظيمى، والعمل العام عموماً في مرحلة الدراسة، والذي يدخل السياسة من غير هذا الباب غالباً ما يكون "أشتر"

        بعد التخرج سلك علي عثمان مسلكاً يعزز تجربته، ويصقل مواهبه، ويزيد من معارفه، ويميز شخصيته، فعمل بالسلك القضائي، وكانت له مواقف مشهودة، في قضايا تاريخية، منها ما دونته سجلات محاكم الأبيض حاضرة إقليم كردفان، التي كانت أولي محطات خدمته في القضاء أوائل السبعينات، ثم دخل عالم المحاماة من أوسع أبوابه، فعمل في مكاتب عمالقة القانون في السودان، أمثال محمد أحمد محجوب ومحمد يوسف محمد يرحمهما الله تعالي، وصار له بعد ذلك اسمه الخاص.

        اختار علي عثمان منذ التخرج أن يبقي في السودان، دون الخروج إلي اغتراب أو هجرة أو دراسات عليا، وكان كل ذلك متاحاً له، فمكنه هذا من التمدد في مجتمعه، وفي كافة الأوساط التي يوجد فيها، فلما تمت المصالحة الوطنية بين الرئيس نميري وبين الجبهة الوطنية في العام 1977م، بعد الانتفاضة الوطنية المسلحة في الثاني من يوليو عام 1976م، لم تصعد الحركة الإسلامية علي عثمان مثلما فعلت مع غيره، ممن قدمتهم للتوظيف السياسي والتنفيذي في ما أتيح لها من مقاعد حصة في المشاركة في السلطة، ولكنها ألقت به في غمار المنافسة الشعبية، فخاض إنتخابات مجلس الشعب القومى في دائرة جغرافية، محل سكنه، وهو ذاته مكان ميلاده، ونشأته، وملاعب الطفولة ومراتع الصبا، في "الحلة الجديدة" ولأنه من الناس وبهم، صوتوا له علي حساب المرشح المدعوم من السلطة، فلم يجد النميري أفضل منه ليكون رائداً لمجلس الشعب.

        ولما سقطت مايو في انتفاضة رجب أبريل عام 1985م، وعادت الأحزاب، دفعت به الجبهة الإسلامية مرشحاً للجمعية التأسيسية في ذات دائرته الإنتخابية، ورغم تبدل الحال، لم يبدل أهل الحلة الجديدة نائبهم ابن الدائرة، فقدموه علي الذين توهموا إسقاطه، بما رفعوا من شعارات مضللة، مثل "أسقطوا مرشحى جبهة بقايا مايو" وبنظرة الدكتور الترابي البعيدة اختاره نائباً له في الأمانة العامة للجبهة الإسلامية القومية، وقدمته الجبهة زعيماً للمعارضة في البرلمان.

        وتجربة علي عثمان في الإنقاذ معروفة، ومشهودة، منذ أن كانت فكرة، وهو الوحيد من بين قيادات الصف الأول للحركة الإسلامية الذي لم يحتم خلف أسوار، ولم يختف وراء جدران، يوم التغيير، وإنما ظل يحرك الأمور مع الطليعة الإسلامية التي قادت الثورة بقيادة العميد الركن عمر حسن أحمد البشير، في تناغم وانسجام، ونعود في حلقات قادمات بإذن الله تعالي للوقوف علي بعض مواقف الرجل، في عهد الإنقاذ الحالي، بالإضافة إلي بعض مواقفه السابقة.

        وفضلاً عن بعض ما ذكرت سالفاً من ملامح تجاربه السياسية والتنظيمية، التي تؤهله لأن يكون الأجدر لقيادة البرلمان في هذه المرحلة، فهو الأكثر قبولاً عند الآخر، ويدعمه في ذلك عفة لسانه ونظافة يده، واحترامه للناس جميعاً، فلو أنه ارتضي أن يكون رئيساً للمجلس الوطنى لما اعترض عليه أحد، ولكن ميزة علي عثمان، أن فكره يسبق حركته، فيضع رأسه قبل أن يرفع قدمه، ناهيك عن وضعها، فنظر إلي مخاطر قبوله رئاسة البرلمان، قبل أن ينظر إلي ما يمكن أن ينجزه.

        ولو أعاد أي واحد النظر في قائمة الترشيحات التي ضمتها الباقة التي حملت علي عثمان محمد طه رئيساً للبرلمان، لوجد أنها كانت تحمل أكثر القيادات الذين خرجوا في ثورة الإصلاح الأولي، ورغم أنى أعترف أن بعض الذين خرجوا كان عطاؤهم أفضل من الذين أتوا بعدهم، ولكنها سنة التغيير، يجب أن تمضي بكل توابعها وملحقاتها، فعودة الذين خرجوا بذاك الشكل الذي كان مطروحاً، كانت تشكل لطمة قوية لثورة الإصلاح التي يقودها الرئيس البشير، وليس علي عثمان من يهزم رفيق دربه، ويخذل قائده، فضحى بنفسه من أجل إفساح الطريق للرئيس لاستكمال ثورة التغييروالإصلاح.

        ومن حسنات رفض علي عثمان رئاسة البرلمان، أنها أتاحت فرصة لأن يأتى البروفيسور إبراهيم أحمد عمر لهذا الموقع، ولعله لم يكن مطروحاً، ولعل المواصفات الظاهرة قد لا تكون في صالحه، لدي كثيرين، ولكنه منذ اللحظة الأولي أكد أنه الرجل المناسب لدعم ثورة التغيير والإصلاح، ومعرفتي بالبروف لصيقة وعن معايشة وتجارب مباشرة، ففضلاً عن جيرة أم درمان القديمة التى تجمعنى معه في أشياء كثيرة تتيح فرصاً للمعرفة، فكانت أول محطة تكليف تنظيمى لي بعد التخرج في الجامعة تحت إمرته، عندما كان أميناً للطلاب، وأخترت من بين خريجى الجامعات المصرية للعمل في أمانة الطلاب، لضخ روح تجربتنا في تجربة الداخل، وعهد إلي بمكتب المناشط، مؤسساً له، فقدمت برنامجاً مختلفاً تماماً عن الذي كان سائداً في المعسكرات والمناشط والعمل الصيفي، وكان لرعاية دكتور إبراهيم دور كبير في إجازة البرنامج وتنفيذه، بفضل الله تعالي.

        التجربة الثانية مع البروف عندما فكرنا في تسويق مبادرة الشريف زين العابدين الهندى للإسلاميين، اتخذت منه مدخلاً لذلك، فبعد أن وافق الشريف يرحمه الله علي فكرتى بإرسال وفد مقدمة للسودان للتمهيد، وحملنى رسالة للرئيس البشير بذلك، ثم لحق بي وفد المقدمة الذي تكون من الدكتور أحمد بلال عثمان، والبروفيسور علي عثمان محمد صالح، رتبت أول لقاء للوفد مع الإسلاميين في منزل البروف إبراهيم، وحضره من الإسلاميين، المرحوم الشيخ محمد محمد صادق الكاروري، والمرحوم عبدالله بدري، وخليفة الشيخ، والدكتور عثمان عبدالوهاب، والمرحوم فتحى خليل، والدكتور أحمد إبراهيم الترابي، والدكتور حسن مكى محمد أحمد، وآخرون، وحضره مع وفد المقدمة، راعي المبادرة من الإتحاديين المرحوم الحاج التجانى محمد إبراهيم، وكان هذا اللقاء بمثابة جواز سفر لمرور مبادرة الهندي.

ولما وصل الشريف زين العابدين الهندى للسودان، احتميت للمرة الثانية بظهر البروف إبراهيم ونظمت أول ندوة جماهيرية يتحدث فيها معارضون وعائدون، أقمتها في ميدان البيان في حي الركابية والكاشف باسم المؤتمر الوطنى بالحى الذي كنت رئيساً له، وتحدث في الندوة الشريف زين العابدين الهندى، والعميد أروك طون، وعثمان عمر الشريف، والمرحوم غازى سليمان، والشهيد محمد طه محمد أحمد، إلي جانب القيادات الإسلامية، البروف إبراهيم والمرحوم الدكتور عبدالله سليمان العوض، والدكتور محمد الأمين خليفة، ونقلتها كل وسائل الإعلام والصحافة المحلية والعالمية.

        وحاولت مرة ثانية أن أحتمى به لحماية صحيفة الأزمنة التي أسستها قبل أكثر من عشر سنوات لتكون منبراً للحوار الوطنى، وملتقي للإسلاميين، بعد أن فرقتهم المفاصلة، وقد فعل، ولكن قصيري النظر كانوا أقوى منه ومنى، فحاربوها، واغتالوها غيلة وغدراً، بعد أن تمكنت من الصمود لعام وزيادة شهر، وبضعة أيام.

ومجئ البروف إبراهيم أحمد عمر لرئاسة المجلس الوطني، يشكل دعماً كبيراً لثورة الإصلاح السياسي التي يقودها الرئيس البشير، ولعل ما رشح من مداولات الشوري، حول جرح وتعديل المرشحين، يؤكد صدق ما أقول.
gamalangara@hotmail.com
//////////

 

آراء