إبراهيم برسي
في البداية، ربما لا ينتبه أحد إلى الحاجز.
طريق كان الناس يعبرونه منذ سنوات. شاحنات تحمل البضائع من مدينة إلى أخرى، بضعة رجال بالزي العسكري يحملون السلاح، وسائق يعرف، من غير أن يسأله أحد، أن عليه أن يخرج شيئًا من جيبه على مضض كي يكمل طريقه.
يدفع ويمضي.
بعد مسافة يجد حاجزًا آخر. ثم آخر. وقد يصل إلى السوق أخيرًا، لكن المبالغ التي دفعها في الطريق لن يتحمل خُسارتها وحده. سيدخلها في ثمن البضاعة، وسيضيف التاجر هامشه، وفي آخر السلسلة تقف امرأة أمام كيس دقيق أو سكر وتدفع ثمن حرب ربما لم ترَ مقاتليها أصلًا.
أفكر أحيانًا أن اقتصاد الحرب يبدأ من أشياء صغيرة كهذه، لا من اجتماعات وزراء المالية ولا من النظريات الكبيرة. يبدأ حين يكتشف حامل البندقية أن الطريق يمكن أن يدر مالًا، وحين يكتشف آخر أن المعابر ونقاط الارتكاز كنز لم ينتبه له من قبل، وثالث أن المنجم لا يحتاج إلى عقد ملكية بقدر ما يحتاج إلى قوة السلاح.
ثم تتكاثر الاكتشافات.
مع الوقت أنشأت الحرب في السودان اقتصادها.
لم يجلس البرهان وحميدتي، بالطبع، ليقررا إنشاء هذا الاقتصاد، ولم يصدر به مرسوم من وزير المالية… نما في الفراغ الذي تركته الدولة او شبحها وهي تتراجع: حاجز هنا، جباية هناك، طريق تغير مساره، سوق ظهر قرب منطقة سيطرة، وقود يعبر من مكان إلى آخر بسعرين أو ثلاثة، وذهب يخرج من باطن الأرض ويختفي قبل أن يصل إلى خزينة البنك المركزي.
لكن بعض الأشياء التي تبدو اليوم من طبيعة الحرب لم تكن غريبة تمامًا عن السودان من قبلها.
كانت البذرة موجودة.
دخل الاقتصاد السوداني الحرب وهو يحمل تاريخًا طويلًا من اختلاط السلطة بالسلاح والمال. خلال سنوات الإنقاذ تمددت المؤسسات العسكرية والأمنية في النشاط التجاري، واتسعت الشركات التابعة لها أو المرتبطة بها، حتى بلغ الإنفاق على الجيش والأمن، في بعض الموازنات والتقديرات، نحو ٨٠٪ من جملة الموازنة العامة. وفي الأطراف كانت الحركات المسلحة تسيطر على مناطق وطرق وموارد البلاد، ثم ظهر الدعم السريع وتحول بالتدريج من مليشيا تستخدمها الدولة في دارفور إلى قوة لها رجالها وشركاتها وذهبها وعلاقاتها الخارجية.
وحين فقد السودان معظم موارده النفطية بعد انفصال الجنوب في ٢٠١١، تقدم الذهب بسرعة إلى قلب الاقتصاد. ومنذ ذلك الوقت أصبح السؤال عن الذهب سؤالًا عن الدولة نفسها: من يملك المناجم؟ ومن يشتري ما يخرج منها؟ ومن يصدره؟ وهل تعرف الدولة أصلًا مقدار ما ينتجه السودان؟
تشير بعض التقديرات التي نُشرت قبل الحرب وبعدها إلى أن كميات كبيرة من الذهب السوداني ظلت تخرج خارج القنوات الرسمية. وفي ٢٠٢٥ وصل الإنتاج المعلن إلى نحو سبعين طنًا، بينما لم يظهر في الصادرات الرسمية سوى جزء من تلك الكمية. والفارق، بالطبع، لا يتبخر في الهواء. له طرقه وتجارُه وحدوده وشبكاته.
وهنا يصعب النظر إلى الذهب باعتباره معدنًا يمكن أن ينعش الاقتصاد ويسهم في رفاهية المواطن. فهو في السودان مال وسلاح وعلاقات خارجية، وأحيانًا سلطة. المنجم يمول الرجال الذين يحمونه، والرجال يحمون المنجم الذي يمولهم، وبعد فترة يصبح من الصعب أن تعرف أين ينتهي النشاط الاقتصادي وأين تبدأ المؤسسة العسكرية.
تحضرني هنا روزا لوكسمبورغ. لم تكن تكتب عن السودان، بالطبع، لكن ما لفتها قبل أكثر من قرن في العلاقة الملتبسة بين العسكرة وتراكم رأس المال يصلح لأن يفتح نافذة صغيرة على ما نراه الآن: السلاح لا يستهلك الموارد فقط، ففي ظروف معينة يعيد ترتيب حركتها ويخلق حوله مصالح تجد مكانها في استمرار العسكرة.
ومن هذا المنطلق تبدو عبارة “الحرب دمرت الاقتصاد” صحيحة، لكنها ناقصة.
الصحيح أن الحرب دمرت اقتصادًا، وصنعت فوق أنقاضه اقتصادًا آخر.
أغلقت مصنعًا وفتحت سوقًا للتهريب، عطلت طريقًا ورفعت قيمة طريق آخر، أفقرت موظفًا وأغنت وسيطًا، أغلقت بنكًا ووسعت سوق التحويلات غير الرسمية، وجعلت بعض الأراضي بلا قيمة، فيما أصبح منجم أو معبر أو شاحنة وقود أثمن مما كان قبل الحرب.
لهذا لم تتوزع الخسارة بالتساوي.
هناك من فقد بيته أو متجره أو مزرعته أو راتبه، وهناك من اكتشف في الفوضى تجارة لم تكن متاحة له قبلها. ولا يعني هذا أن كل تاجر يعمل أثناء الحرب تاجر حرب؛ فالناس يحتاجون إلى الطعام والوقود والنقل، ومن الطبيعي أن تستمر التجارة. يبدأ الأمر في التغير عندما يصبح الربح قائمًا على غياب القانون نفسه: السيطرة على الطرق وبناء الحواجز، احتكار بعض الموارد بالقوة، فرض الجبايات بقوة السلاح، شراء المنهوب، تهريب الذهب، أو تحويل الرهائن والمحتجزين أنفسهم إلى مصدر للمال.
هناك تصبح الفوضى أصلًا من أصول التجارة.
لكن الأمر لا يحدث في مناطق الدعم السريع وحدها، وهذه نقطة ضرورية لفهم الصورة كاملة. في الجانب الآخر توجد حكومة أمر واقع تحاول أن تعمل وهي نفسها طرف في الحرب. تحتاج إلى رواتب ووقود وسلاح وإمداد، وتحتاج في الوقت نفسه إلى مستشفيات وكهرباء وخبز ومدارس. ومع تقلص الإيرادات يصبح السؤال القديم أكثر إلحاحًا: من أين يأتي المال؟
في يناير ٢٠٢٥ تحدث وزير المالية جبريل إبراهيم عن موازنة تعطي أولوية للمجهود الحربي إلى جانب الخدمات، وفي نوفمبر من العام نفسه أعلن الأمين العام لديوان الضرائب أن حصيلة ضريبية تقارب ٢٫٨ تريليون جنيه وُجهت إلى المجهود الحربي.
لا أرى في مجرد تمويل الدولة لجيشها أثناء الحرب مشكلة. المشكلة السودانية في مكان آخر: المواطن يدفع الضريبة إلى دولة تحارب، فيما تُهرَّب موارد البلاد، وعلى رأسها الذهب، إلى دول الجوار عبر شبكات يشارك فيها نافذون في الدولة نفسها وبعض أمراء الحرب.
ومن الصعب هنا ألا يظهر اسم جبريل إبراهيم، لا بوصفه متهمًا في محاكمة افتراضية، وإنما لأن موقعه نفسه يكشف شيئًا من المعضلة. جبريل وزير للمالية، وهو في الوقت ذاته رئيس حركة العدل والمساواة، وهي حركة لها قواتها وشاركت في الحرب إلى جانب الجيش.
هذه الصورة وحدها تستحق التأمل.
الرجل المسؤول سياسيًا عن المال العام يأتي أيضًا من تنظيم مسلح لم تُحسم بعد بصورة نهائية مسألة سلاحه داخل جيش قومي واحد. ولا يحتاج المرء إلى اتهام شخصي حتى يسأل إن كانت هذه بنية طبيعية لدولة تريد الخروج يومًا من اقتصاد الحرب.
والسؤال نفسه، بصورة مختلفة، يصل إلى مني أركو مناوي. فهو حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، وله قواته أيضًا. وفي ١٦ نوفمبر ٢٠٢٣ أعلن مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى تمبور التخلي عن الحياد الذي حاولت بعض حركات دارفور الحفاظ عليه في الشهور الأولى، ثم انخرطوا في القتال إلى جانب القوات المسلحة.
قد تكون لهم أسبابهم العسكرية والسياسية، خصوصًا أمام تمدد الدعم السريع والانتهاكات المنسوبة إليه. لكن ما يشغلني ليس قرار الأمس بقدر ما هو اليوم التالي للحرب.
ماذا سيحدث لكل هذه البنادق؟
هذا سؤال نؤجله كثيرًا في السودان.
نحمل السلاح لأن الضرورة تقتضي ذلك، ثم نقول إننا سنحل المشكلة لاحقًا. والدولة نفسها فعلت شيئًا قريبًا من ذلك في دارفور: احتاجت إلى رجال يقاتلون عنها، سلحتهم، وأجلت سؤال الغد.
ثم جاء الغد.
ولهذا أشعر بالقلق كلما قيل إن تشكيلًا مسلحًا جديدًا ضروري “في هذه المرحلة”. المراحل المؤقتة في السودان تملك عادة عمرًا أطول مما نتوقع.
حتى مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة والقادم هو نفسه من تاريخ طويل في العمل المسلح، حذر في يناير ٢٠٢٥ من تحول الحركات التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة إلى “جيش موازٍ”، ودعا إلى جيش قومي واحد.
ومصطفى تمبور يقدم وجهًا آخر للمشكلة. زار البرهان معسكر قواته في القضارف في فبراير ٢٠٢٤، كما زار معسكر قوات العدل والمساواة في كسلا، وأشاد بمشاركتها في الحرب. وقد تكون الضرورة العسكرية مفهومة، لكن كل قوة تنمو أثناء الحرب تحتاج إلى طعام ورواتب وعربات وسلاح ووقود.
أي إنها تحتاج إلى اقتصاد.
وهنا لا يعود تعدد الجيوش مشكلة أمنية فقط. كل قوة مسلحة تنشأ حولها، مع الوقت، مصالح وموارد وأشخاص يعتمدون عليها. وعندما يأتي السلام لا تكون الدولة مطالبة بنزع بندقية من يد رجل وحسب؛ عليها أن تقدم بديلًا للدخل والمكانة والنفوذ والشبكات التي صنعتها البنادق.
ومن هنا يصعب فصل هذه المسألة عن اتفاق جوبا للسلام.
الاتفاق الذي وُقع في أكتوبر ٢٠٢٠ أراد إدخال الحركات المسلحة إلى الدولة، لكن قادة الحركات دخلوا مؤسسات السلطة قبل أن تُحسم بصورة نهائية مسألة الجيوش المتعددة. أصبح لدينا وزير مالية له حركة مسلحة، وحاكم إقليم له حركة، وقيادات في مجلس السيادة جاءت من حركات لها قواتها.
ثم جاءت الحرب قبل أن يكتمل الدمج.
فدخلت الدولة الحرب وهي تحمل التناقض داخلها.
وفي الشرق كانت هناك قصة أخرى تكشف الشيء نفسه من زاوية مختلفة. محمد الأمين تِرِك لم يحتاج إلى وزارة المالية كي يكتشف قوة الاقتصاد.
في ٢٠٢١ استطاع أنصاره، عبر إغلاق الموانئ والطرق في شرق السودان، أن يجعلوا أزمة سياسية محلية تمس البلد كله. تعطلت التجارة وتأثرت الواردات والصادرات، وأصبح الميناء نفسه أداة ضغط سياسي.
كانت الرسالة واضحة حتى قبل الحرب: من يسيطر على الشريان لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على القلب.
ثم جاءت حرب أبريل، وانتقلت مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، فأصبح الشرق الذي كان يضغط على العاصمة من بعيد هو نفسه مقر العاصمة الفعلية. وفي البيئة نفسها ظهر شيبة ضرار وقوات أخرى، ووقعت اشتباكات مسلحة في بورتسودان في سبتمبر ٢٠٢٣.
لا أضع هذه الأسماء كلها في سلة واحدة، ولا أملك دليلًا يسمح لي بتحويل الخلاف السياسي إلى اتهامات فساد. ما يعنيني هو الشيء الذي يتكرر خلف الأسماء: السلاح يمنح صاحبه وزنًا سياسيًا، والوزن السياسي يقربه من الموارد، والموارد تساعده على الاحتفاظ بالسلاح.
أما مبارك أردول فيدخل إلى الحكاية من باب الذهب. كان مديرًا للشركة السودانية للموارد المعدنية، وأثار استخدام أموال المسؤولية المجتمعية في عهده جدلًا واسعًا، وصل في ٢٠٢١ إلى استدعائه من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لشرح استخدام جزء من تلك الأموال في ترتيبات استقبال مناوي في الفاشر. ثم أُقيل أردول من الشركة في أكتوبر ٢٠٢٣.
لا أحتاج هنا إلى تقرير من هو الفاسد ومن هو البريء. المسألة التي تهمني أقدم وأوسع: حتى قبل الحرب كان المال القادم من التعدين يجد طريقه سريعًا إلى السياسة.
ولهذا أصبحت أقل اهتمامًا بسؤال “من هو الفاسد الأكبر؟” وأكثر اهتمامًا بالنظام الذي يجعل المال والسلاح والسياسة يلتقون بهذه السهولة.
الفرد يرحل.
البنية تبقى.
والحرب لا تعيد ترتيب المال فقط. تعيد ترتيب القيمة السياسية أيضًا.
تضع رجلًا كان على الهامش في قلب المشهد لأنه يملك رجالًا أو طريقًا أو علاقة، وتحول منطقة بعيدة عن القرار إلى موقع استراتيجي لأن فيها ميناءً أو معبرًا، وتجعل حركة كانت تواجه سؤال الدمج قوة يحتاجها الجيش، وتمنح التاجر الذي يعرف الطريق الجديد وزنًا لم يكن يملكه قبل الحرب.
وهكذا تعيد الحرب ترتيب المجتمع من غير دستور.
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي.
ليس أن هناك من يسرق أثناء الحرب. ذلك قديم قدم الحروب. الخطر أن يبني عدد متزايد من الناس حياتهم على الظروف التي صنعتها: شاب حمل السلاح في ٢٠٢٣ ولم يعد يعرف وظيفة أخرى، تاجر بنى شبكة جديدة على الحدود، قائد أصبح له رجال وعربات ونفوذ، مهرب يحتاج إلى حدود لا تعمل جيدًا، وسياسي منحه الاصطفاف موقعًا لم يكن يملكه.
لا يحتاج هؤلاء إلى الاجتماع في غرفة واحدة والاتفاق على استمرار الحرب. ليست المسألة مؤامرة بهذا المعنى الساذج.
يكفي أن يريد كل واحد الاحتفاظ بما كسبه.
وهكذا تستطيع المصالح الصغيرة، من دون عقل مركزي يديرها، أن تصنع مأساة كبيرة.
لهذا يصبح سؤال السلام أصعب مما يبدو.
نحن نسأل: كيف نقنع البرهان وحميدتي بوقف الحرب؟
لكن ماذا نفعل بالاقتصاد الذي نشأ تحت أقدامهما؟
إذا وُقع اتفاق غدًا، ماذا سيحدث للحواجز والجبايات وشبكات تهريب الذهب والأسواق التي نشأت بين مناطق السيطرة؟ ماذا نفعل بالحركات التي كبرت أثناء الحرب، وبشركات المؤسسات العسكرية، وبعشرات الآلاف من الرجال الذين صار السلاح بالنسبة إليهم وظيفة؟
ومن يعيد هؤلاء إلى اقتصاد مدني لا يملك اليوم ما يكفي لاستيعابهم؟
الحرب يمكن أن تتوقف في يوم.
أما مصالح الحرب فلا تتوقف بقرار.
وهنا تختلف إعادة بناء السودان عن إعادة بناء الخرطوم. يمكن إصلاح جسر، وإعادة الكهرباء، وفتح مصنع، وإعمار بيت. الأصعب هو إعادة بناء العلاقة بين العمل والثروة والقوة.
ثم هناك السؤال الأصعب: كيف تقنع المؤسسة العسكرية نفسها بأن الجيش القوي لا يحتاج إلى إمبراطورية تجارية لكي يكون قويًا؟
هذه ليست أسئلة تأتي بعد السلام.
هي جزء من السلام نفسه.
ولهذا أعود إلى الحاجز الصغير على الطريق.
الرجل الذي يقف هناك بالبندقية قد لا يعرف شيئًا عن روزا لوكسمبورغ، ولا عن اقتصاديات النزاعات، ولا عن تقارير البنك الدولي. ولا يحتاج إلى أن يعرف.
لقد تعلم درسًا أبسط:
أن البندقية تستطيع أن تنتج دخلًا.
ولهذا، حين نقول إن الحرب صنعت اقتصادها، فنحن لا نتحدث عن الذهب والتهريب والجبايات وحدها. نتحدث عن مجتمع يتعلم، يومًا بعد يوم، طرقًا جديدة للعيش في غياب الدولة.
بعض الناس يعيشون رغم الحرب.
وبعضهم يعيشون داخلها.
والفرق المخيف يبدأ عندما يظهر من لا يستطيع أن يعيش بالطريقة نفسها إذا انتهت الحرب.
عندها لا تعود المشكلة أن الحرب تحتاج إلى المال كي تستمر.
يصبح هناك مال يحتاج إلى الحرب كي يستمر
Sent from Yahoo Mail for iPhone
