د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
ظلت ألحان الأناشيد والمحفوظات، ملمحاً ملحوظاً ومحبباً للنفوس، يزين أجواء العملية التربوية والتعليمية والثقافية والفنية المتكاملة، التي كانت تتسم بها المدارس الاولية أولاً، ثم الابتدائية لاحقاً ، في شتى أنحاء السودان.
وبصفتي إبناً لواحد من المعلمين، فإنني أود أن أدندن قليلاً حول هذا الموضوع، من خلال هذه الكلمة الموجزة، مشاركةً مني في الاحتفاء باليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق اليوم الخامس من شهر اكتوبر من كل عام.
وهنالك تساؤل مشروع نود أن نطرحه من بين يدي هذه الكلمة، ألا وهو: هل تلحين الأناشيد والمحفوظات المدرسية، تقليد تفتّقت عنه عبقرية رجال التربية والتعليم عندنا في السودان فحسب، أم أن هنالك على الأقل، دولاً عربية أخرى، يلحن المدرسون والتلاميذ فيها، بعض المحفوظات الشعرية المقررة عليهم، تحبيباً فيها وتسهيلاً لحفظها؟ ولعله موضوع مناسب في مجال البحث التربوي المقارن.
كان المعلمون يقومون هم بأنفسهم عادةً، بتلحين الأناشيد والمحفوظات، وخصوصا بالنسبة للأطفال الصغار في السنتين الاولى والثانية مثلا ، لأن حصيلتهم من الألحان تكون محدودة جداً بالطبع، نظراً لقصر وضآلة تجاربهم. ولكن ربما بدأ المدرسون يطلبون من التلاميذ أنفسهم، اختيار الألحان المناسبة للنصوص الشعرية المقررة عليهم، إبتداءً من السنة الثالثة فصاعدا، وفي ذلك بكل تاكيد، تربية فنية للصغار، وفرصة سانحة للتعرف على ملكاتهم ومواهبهم الغنائية منذ وقت مبكر، وتدريب لهم على الشجاعة الادبية، فضلاً عن تلمس مخايل الإيقاع السليم، والأذن الموسيقية المرهفة، والحس الفني لديهم عموما.
ومنذ تلك السن المبكرة، تنمو براعم الابداع الغنائي لدى الأطفال ذوي الموهبة في هذا المجال، تلك البراعم التي سوف يتعهدونها لاحقا ، مع التقدم في مدارج المراحل السنية، بالمران والتدريب والصقل.، اذ من بينهم غالباً، يخرج المغنون والموسيقيون، وربما الشعراء أيضا.
حدثني أستاذنا البروفيسور يوسف فضل حسن ذات مرة، أنّ المطرب الكبير الاستاذ عبد الكريم الكابلي رحمه الله، قد كان من أبناء دفعتهم بمدرسة بورتسودان الوسطى، وأنه كان يلحن لهم الأناشيد منذ أن كانوا تلاميذ بتلك المرحلة في أربعينيات القرن الماضي، فلا غرو أن أصبح المغني ملء السمع والبصر فيما بعد.
تأتي الألحان الموضوعة للمحفوظات المختلفة عادةً، نسجاً على منوال ألحان بعض الأغنيات السودانية المسموعة سلفاً، والتي يؤديها مطربون معروفون، خاصةً عبر أثير الإذاعة الوطنية: هنا أم درمان.
ولعل مما يجدر بنا ذكره أيضاً في هذا المقام، أن عدداً من المغنين والموسيقيين المشهورين في السودان، اتفق أنهم هم أنفسهم، قد كانوا من فئة المعلمين في الأساس. نذكر منهم على سبيل المثال فقط الأساتذة: محمد وردي، وعلي مرغني، والطيب عبد الله، ومحمد مرغني، وعبد القادر سالم، وصديق عباس، وعبد الله محمد، ومصطفى سيد احمد، وغيرهم.
هنالك محفوظات جاءت جميعها على لحن واحد في جميع مدارس السودان كما يُلاحظ. ولعل السبب في ذلك أنها ربما تكون قد خرجت ملحنة هكذا منذ البداية، عند أول العهد بتأليفها، سواء بمعهد التربية ببخت الرضا أو غيره. ثم أداها التلاميذ بمدرسة مبروكة التجريبية الملحقة بذلك المعهد مثلاً ، كما نتصور ، ومن ثم انتقلت من بعد، لكي تنتشر بلحنها المعياري ذاك في بقية المدارس بالبلاد.
وجل المحفوظات ذات اللحن النمطي الواحد، قد جاءت على قالب بحر الرّجَز، وهي من قبيل المنظومات التعليمية في مواد بعينها. مثل منظومة: ” رحلاتي إلى أصدقائي “، الملحقة بكتاب ” سبل كسب العيش في السودان ” في الجغرافيا المحلية، ذلك النشيد الذي مطلعه:
في القولد التقيتُ بالصدّيق
أنعِمْ به من فاضلٍ صديقِ
أو منظومة ” نشيد الطيور ” في العلوم الطبيعية أو ” علم الحيوان ” بالتحديد، تلك المنظومة التي مطلعها:
نحنُ الطيورُ أيها الإنسانُ
بذا الجمالِ خصّنا الرحمنُ
وكلا المنظومتين هما من تأليف الرائد الوطني، والمربي الكبير الأستاذ عبد الرحمن علي طه رحمه الله.
وبطبيعة الحال، فإن ألحان الأناشيد والمحفوظات بصفة عامة، تجري عادةً، على نهج الأغاني المسموعة كما أسلفنا، متدرجة مع تدرج الزمان، وتعاقب أجيال المغنين والأنماط اللحنية والموسيقية نفسها.
فعلى سبيل المثال، راج لحن في كثير من المدارس بالسودان، لمحفوظة: ” في قدرة الله ! “:
انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبّةٍ وكيف صارت شجرة
جاء منسوجاً على لحن أغنية شهيرة من أغاني ” الحقيبة “، هي الاغنية التي صاغ كلماتها الشاعر سيد عبد العزيز، وأداها الفنان ” عبد الله الماحي “، ومطلعها هو:
نظرة يا السمحة ام عجن
لو كان قليل تبري الشجن
أعرف صفا الأيام وافيق
وانظر جمال تلك الوِجَن
كان الجيل القديم من المدرسين، مثل الوالد وأترابه رحمهم الله، يلحنون المحفوظات على قوالب ما كانوا يعرفون ويألفون من أغنيات مطربي عصرهم بطبيعة الحال، مثل إبراهيم الكاشف، والتاج مصطفى، وعثمان الشفيع وأضرابهم.
وكأمثلة على ذلك، محفوظة: ” ألا طيري ألا طيري .. وغني يا عصافيري “، التي ألبسوها لحن أغنية الكاشف ” فراق حبي المولّع ناري .. حرق قلبي وزاد لحساري “، ومحفوظة ” غنمي ترعى طول اليوم ” التي أجروها مجرى لحن أغنية التاج مصطفى: ” السادة لونو خمري .. قلبي حبّاه “، وهكذا.
حتى إذا ما جاء الجيل الذي تلاهم من المعلمين ، متقدماً في مدارج الحداثة مع الزمن، رأيتهم يختارون للمحفوظات ألحاناً من ألحان مطربي حقبتهم، وخصوصا إبراهيم عوض ومحمد وردي. وهكذا لحنوا محفوظة ” شكل مصباحي جميل .. ماله عندي مثيل “، بلحن أغنية الفنان الذري ” يا عيد تعود يا عيد “، ولحنوا أنشودة ” هيا للمرعى يا غنمي .. سيري واستمعي للنغم “، بلحن اغنية وردي الشهيرة ” لو بالصد أبيتيني ” بايقاعها ونغمها الراقص.
ولنا أن نفترض أيضاً، أنه ربما تكون هنالك محفوظات، قد لحنت بالحان أغان ذات طابع جهوي أو مناطقي، مما يعكس أثر البيئة المحلية.
وأخيراً ، حكى لنا أخي أحمد قبل سنوات، أنه قد جئ لهم اذ هم طلبة بمدرسة ام روابة الوسطى، بمدرس جديد من الخرطوم كان متعجرفاً نوعاً ما كما وصفه، فلحن لهم قصيدة عن الظل، يقول مطلعها؛
أيها الأسود قل لي
كيف قد أصبحت ظلي
فزعم أنه لحنها لهم على منوال أغنية صلاح مصطفى من كلمات اسحاق الحلنقي:
مشي أمرك يا قدر
انت أحكامك مطاعة
وقال انه كان يقسم كلماتها هكذا ليستقيم له اللحن
أيها الأسودُ قل لي
كيف قد أصبحتَ ظل. لي !!!
ونحن نضحك من طريقة احمد الكوميدية في تقليد ذلك الاستاذ !!.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم