عن الزغاوة… وقبائل السودان

مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
دعاني الأستاذ بشارة يوسف، المحامي، للمشاركة في نقاش كتابه الجديد “إضاءات من التاريخ الاجتماعي والثقافي للزغاوة”، والذي صدر في كمبالا في الشهر الماضي عن دار عزة للطباعة والنشر. وقد سعدت بالدعوة والمشاركة لأسباب عديدة، يمكن تلخيصها في نقطة ظل الناس يتحدثون عنها كثيرًا، وهي أننا لا نعرف تاريخنا وثقافتنا بشكل جيد، بل ولا نعرف بعضنا البعض. وأخطر ما يحدث عندنا هو انتشار الصور النمطية للمجموعات الإثنية والثقافية واللسانية السودانية بصورة مشوهة ومسيئة، خاصة في النكات ثقيلة الدم التي انتشرت مؤخرًا. لذلك تبرز حاجة شديدة لأن يكتب السودانيون عن أنفسهم وقبائلهم ومجموعاتهم السكانية.
كثير من الكتابات عن المجموعات السودانية كتبها أجانب، سواء من الباحثين والرحالة أو موظفي الخدمة المدنية البريطانيين؛ فكتب ناختيغال، وأوفاهي، وأليكس دو وال، وليدوين كابتيينس عن دارفور وقبائلها، وكتب أحمد الشاهي (البريطاني العراقي الأصل) عن الشايقية، الذين ارتبط بهم حتى “تشيّقن”، وكتبت ويندي جيمس عن الأودوك في النيل الأزرق، وإيان كنيسون عن البقارة، بجانب مكمايكل في “العرب في السودان”، وترمنغهام عن “الإسلام في السودان”… إلخ.
لهذا حرصت على قراءة نسخة الكتاب التي بعثها لي الكاتب، ثم حرصت على المشاركة في الأمسية المخصصة لنقاشه مع رفقة جميلة من الدكتور قاسم نسيم والأستاذ تاج الدين نيام. وقبل الولوج إلى تفاصيل الكتاب، أقول إن الأمسية نفسها كانت تتحدث عن جانب مهم ورد فيه، وهو قوة الترابط الاجتماعي بين أبناء الزغاوة؛ فقد كان الحضور غير مسبوق بالنسبة لمناقشة كتاب، وكان الإحساس بينهم أن الأمسية ملكهم جميعًا، طالما تتحدث عن تاريخ وثقافة وعادات وتقاليد الزغاوة.
جاء الكتاب في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتم تقسيمه إلى حوالي 42 عنوانًا فرعيًا، تنقل بينها الكاتب برشاقة وبساطة، فجاءت أقرب إلى التداعيات. وتنوعت بين التاريخ والعادات والتقاليد، والفولكلور الشعبي من موسيقى وغناء ورقص، وأنواع الأطعمة والمشروبات، وتقاليد الخطوبة والزواج عند الزغاوة، والحِكم والأمثال الشعبية، والطب الشعبي، ومكانة المرأة في مجتمع الزغاوة، وتقاليد الفزع والديات، وأدوات الزينة، وأسماء الزغاوة ودلالاتها، والضرا والمسيد، وطقوس الأعياد… إلخ. هذا التنقل بين التداعيات المختلفة جعل قراءة الكتاب ممكنة وسهلة المتابعة والهضم.
يشير الكاتب في بداية الكتاب إلى اتفاق معظم الباحثين على أن الزغاوة ينتمون إلى الشعوب النيلية-الصحراوية القديمة، التي استوطنت مناطق الصحراء الكبرى والساحل منذ آلاف السنين. لغتهم البِرِي (Beria) أو الزغاوي تعكس ارتباطهم التاريخي بهذه المجموعات. ويقول إنه، على الرغم من وجود روايات تقليدية تربط بعض فروع الزغاوة بالنسب العربي، فإن الدراسات الحديثة تميل إلى اعتبارهم من السكان الأصليين للصحراء الممتدة بين دارفور وتشاد. ويبدو أن تأثير البيئة الصحراوية قد شكّل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية منذ القدم، فاعتمدوا على الرعي وتربية الماشية والتجارة عبر الطرق الصحراوية. ويظهر من التقديم الحقيقة المعروفة بأن الزغاوة من المجموعات السكانية العابرة للحدود، وتتوزع بطونها وأسرها الكبيرة بين السودان وتشاد.
من مطالعة الكتاب، تكتشف درجات التشابه، إلى حد المطابقة، في كثير من العادات والتقاليد، مثل الفزع (العمل الجماعي عند الملمات)، ومستوى التكافل الاجتماعي في الزواج والديات، وزينة المرأة التقليدية مثل الشلوخ ودق الشفاه والزمام، وهي بالطبع من العادات التي صارت محصورة في ديار القبيلة، في حين تخلى عنها الذين نزحوا إلى المدن. وهناك أيضًا الدور الذي يلعبه “الدمباري”، وهو “الكجور” في بعض المناطق و”الفكي” في مناطق أخرى، والتشاؤم من أيام وأحداث بعينها، ونفير الحصاد، ووسم الحيوانات للتعرف عليها. ومثل كثير من القبائل البدوية والرعوية، هناك نظرة دونية لبعض الحرف والأعمال اليدوية، ولعلها صفة مشتركة بين كثير من قبائل دارفور. وهناك النكتة المعروفة لأحد أبناء دارفور الذي رفضت أسرته تزويجه بمن يحب، فهددهم بأنه سيتسبب في فضيحة كبيرة لهم بأن يذهب إلى سوق الفاشر ويعمل “جكاكي” (ترزي)!
أما فيما يتعلق ببعض التقاليد الخاصة بالزغاوة، فهم -على غير عادة كثير من المناطق الأخرى- يتمسكون بمؤخر الصداق، والذي عادة يكون مكلفًا، ولديهم عادة خطف الزوجة، مثل بعض قبائل الجنوب، إذا رفضت أسرتها تزويجها لمن يحبها، وغالبًا ما يتم إخفاؤها في مكان لا يصله أهلها، ثم تبدأ الوساطات ويتدخل كبار القوم للوصول إلى تسوية، يتم بعدها إشهار الزواج.
مجتمع الزغاوة مجتمع متماسك ومتكاتف، ويتقاسم الناس المسؤوليات الأسرية ولا ينفرد بها أحد، لدرجة أن بعض الأسر لا تتقاسم الميراث عند وفاة الأب، وإنما يتولى الأخ الأكبر إدارة المال والممتلكات مكان الأب، ويتولى مسؤوليات الصرف على الأسرة.
لا يغفل الكتاب التغيرات الاجتماعية والسلوكية التي تحدث لمجتمع الزغاوة، خاصة بين من هجروا الديار بحدودها المعروفة واتجهوا إلى المدن الكبرى؛ فهناك يتطبعون بطابع الحياة الحديثة ويتخلون عن بعض العادات والتقاليد، ومن ذلك ازدياد ظاهرة الزواج من خارج القبيلة. ومن مظاهر التغيير أيضًا الاختفاء النسبي للأسماء التي كان يتميز بها الزغاوة مثل: صندل، جاموس، كردة، دوسة، أركو، سِبي، هِريو، فاشر، باسي، نهار، وكذلك انتشار استخدام اللغة العربية، وهي في النهاية طبيعة الحياة.
الكتاب ممتع جدًا، وهو الإصدار الثالث للكاتب؛ إذ سبق له أن نشر كتابين، وبالتالي فهو من المولعين والغاوين للكتابة. وقد اعتمد على ما هو مكتوب عن الزغاوة، كما بحث وتحدث مع كثير من كبار السن وزعماء البطون والعشائر، وسجل ذلك كجزء من التوثيق المطلوب لإصدار الكتابة.
كتاب ممتع ومفيد..أنصحكم بالاطلاع عليه.

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

الدراما السودانية: شخصيات تبحث عن سيناريست

مؤانسة الجمعةفيصل محمد صالحالذي يتابع الدراما السودانية التي عُرضت في شهر رمضان هذا العام والأعوام …