عن صحيفة لوبوان الفرنسية: الصراع في إثيوبيا، التفسير الإثني لا يكفي، بقلم سيرج دويل .. ترجمة ناجي شريف بابكر

الثلاثاء السابع من ديسمبر
.
الجزء الأول:
الحرب التي تدور رُحاها في إثيوبيا تدفع بمخاطر جمّة، وقد تقود البلاد لإنفجار غير مسبوق. هذا النزاع الذي كان قد إندلع في نوفمبر 2020، في التغراى، وهو إقليم يقع إلى الشمال من إثيوبيا يقطنه حوالى سبعة ملايين من السكان من إثنية التغراى، ما يعادل بالتقريب 6% من إجمالي سكان البلاد. قد أعقب صراعا آخر كان قد إندلع في الجنوب، هذه المرة في الإقليم الذي تشغله طائفة الأرومو التي تتكون من 35 مليون من المواطنين، ما يعادل 30% من سكان إثيوبيا. الأرومو الذين يقدمون أنفسهم بإعتبارهم طائفة إثنية واحدة، نجد أن إنسجامهم الإجتماعي، الثقافي، اللغوي، والسياسي المنشود يبدو في واقعه هدفا بعيد المنال.

جيش تحرير الأورومو (أو إل إيه) وهي قوات تحمل السلاح وتتمرد في مواجهة النظام القائم في أديس أبابا، وهو الآخر لا يبدو أنه يمثل كل شعب الأرومو. قد كون برفقة حركات مناهضة آخرى، تحالفا مسلحا مع جبهة تحرير التيغراى (تي بي إل إف). عبر مجهودات بدأت منذ شهر أغسطس، ثم تمخضت في الخامس من نوفمبر المنصرم، عن تشكيل التحالف الذي ضم ال(تي بي إل إف)، ال(أو إل إيه)، وستة حركات تمرد أخرى أقل حجما. كان هذا التحالف يهدف منذ تشكيله لالإستيلاء على العاصمة أديس أبابا، حلماً بدا اليوم أنه قد تم تعطيله أو على الأقل تأجيله إلى حين، بواسطة قوات الجيش الفيدرالي.

إن الدوافع والرؤيا لدى الأرومو والتيغراى بخلاف مطالبهم بالحكم الذاتي لإقاليمهم وفق سلطات واسعة أو مطلقة، ربما تبدو مختلفة في جوهرها، بحيث أن التيغراى الذين يدّعون أنهم ينحدرون من سلالة الإثيوبيين الأصليين، قد ظلوا منذ قرون فاعلين أساسيين في فصول الرواية القومية، هذا بخلاف الأورومو الذين لم يمثلوا سوى كتلةً تابعة، بل ضحايا لطغيان واستغلال كان يمارسه النظام الذي يهيمن عليه الإثيوبيون الشماليون منذ القرن التاسع عشر. إن التاريخ والذاكرة الشعبية، يروي كلاهما ذلك التمايز فيما بين الشعبين.

الرواية القومية:
تتمحور الرواية القومية لإثيوبيا حول كيان أكسوم في منطقة التيغراى في الشمال الإثيوبي (أنظر الخريطة1 ضمن المداخلات) بقدر تمحورها حول الأحداث المفصلية في سيرة الشعوب الإثيوبية، والتي يجسدها الإعلان الملكي الذي تحولت بموجبه إثيوبيا للديانة المسيحية حوالي العام 325 من الميلاد (يوافق هذا التاريخ إنعقاد مؤتمر نيقيا الذي إعتمد عقيدة الثالوث، وانفصلت في أعقابه كنيسة الإسكندرية عن سلطة البابا في روما). مملكة أكسوم التي إزدهرت علي الهضاب الشمالية من أراضي اإثيوبيا وأريتريا الحاليتين منذ القرن الأول وحتى السابع الميلادي، مثلت الإلهام الأساسي والكامل للمصفوفة الثقافية لإثيوبيا، دورا ظل يتشكل عبر عصور طويلة.
إن الدولة السليمانية في إثيوبيا (1270- 1974م) كانت قد تأسست على هذه الإزدواجية المرجعية الدينية الطوبوغرافية، . فمنذ النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، تم تعضيد الروابط مع أكسوم القديمة جنبا إلى جنب مع التعاقب الإنجيليكاني لملوك إثيوبيا، يتمثل ذلك في تعزيز الأسطورة القومية (الملوك ذوو الدماء النبيلة) بإستدعاء الحقب التي شهدت زيارة ملكة سبا لقصر الملك سليمان.

إن خيط الدم الذي مثله الطفل الذي توّج ذلك اللقاء الملكي، قد كان باكورة السلالة الملكية (النجاشية) في إثيوبيا. فبموجب تلك الواقعة كان لتابوت العهد أن ينتقل من أرض إسرائيل لبلاد أكسوم. لذلك كله فإن الأسطورة القومية المتعلقة بنبل الدماء الملكية (كيبرا نقاست)، قد إستندت على حبلين من القداسة، أولئك المنحدرون من السلالة الملكية للملك الإنجيليكاني سليمان، وأولئك المنحدرون من السلالة الإثيوبية المختارة كأمناء ومستودع مقدّس لهيكل العهد.

أضف إلى ذلك فإن ال (غي إيز) لغة دولة أكسوم، وهي لغة عامية ذات أصول سامية، كان قد تم الإهتمام بها والمحافظة على دورها وتطويرها كلغة مكتوبة ووعاء ثقافي حتى القرن العشرين، وكلغة للتعاليم الإنجيلية حتى يومنا هذا. إن الإلهام الذي تمنحه حضارة أكسوم للدولة الإثيوبية يعود لعهود قديمة. ففي القرن الرابع عشر كانت بداية عهد ملك الملوك أمادا تسيون (1314-1344) والذي كان قد خاض غمار أزمة سياسية عبأت الشعوب في شمال البلاد في مواجهة ملك الأمهرا، الذي كان قد أسس للأسرة السليمانية في 1270 م، (في البدء كان إسم الأمهرا يعود لإقليم في إثيوبيا، قبل أن يصبح مرجعا إثنيا لسكانه).

بموجب هذا السياق كان قد بدا تسويد النصوص التي شكلت فيما بعد كيبرا ناقاست أو (الدماء الملكية النبيلة) لدى التيغراى. كان مراده بذلك وفق الدلالات المتاحة، أن يقيم الحجة لنواياه في إحكام السيطرة على إثيوبيا من خلال تمتين الروابط بأكسوم. في أعقاب إندلاع النزاع الراهن آنذاك، قام ملوك الأمهرا بإستدعاء نفس الأسطورة القومية وربما حرفها عن مرماها الأساسي.

منذ القرن الخامس عشر فقد درج ملوك الملوك في إثيوبيا أن يتم تتويجهم في أكسوم. كما أن المرجعية لأكسوم قد عادت للظهور مجددا منذ خواتيم القرن التاسع عشر، ومن ثم تلقائيا القرن العشرين، على سبيل الخصوص عبر مجسد المسلّات الأكسومية.

ساهمت هذه المرجعية في القرن العشرين في تأكيد الشرعية للطبقات الحاكمة، كما أنها فوق ذلك قد عززت السعي لضم أراضي أريتريا الحالية إلى إثيوبيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إستنادا على أن نفوذ دولة أكسوم كان يشمل كافة أراضي البلدين.

هذا الإرث كان يجرىدي الإحتفاء به لدى قدر كبير من المواطنين في إثيوبيا حتى القرن التاسع عشر. وقتها كانت تقتصر حدود البلاد على الهضاب السبطية، من أريتريا وحتى مشارف تعاريج النيل الأزرق، ثم تمتد قليلا في إتجاه الجنوب الشرقي.

بخلاف الأورومو القاطنين في الهوامش الجنوبية والشرقية منذ القرن السابع عشر والثامن عشر، فإن أراضي إثيوبيا التاريخية قد كانت تشغلها بصفة أساسية إثنية الأمهرا في الجنوب، والتغراى في الشمال. على أية حال فإن الحملات التي جرت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشرمن قبل منليك ملك “شوا” حتى العام 1889، الذي لُقّب لاحقا بملك الملوك (إمبراطور إثيوبيا) حتى وفاته في 1913، قد وسعت بصورة كبيرة رقعة الأراضي الخاضعة لإثيوبيا. لقد ضم الإمبراطور تحت نفوذه العديد من الشعوب التي لم تكن جزءا من ذلك الإرث الثقافي التاريخي الذي تم فرضه عليهم منذ ذلك الحين. كان من ضمن تلك الشعوب الولايتا، السدامو، وقطاعا فائق الأهمية من شعبية الأورومو.

إن إستغلال أراضي الجنوب بمجرد إخضاعها بواسطة أرستقراطيي الشمال بالأخص المنحدرون من إثنية الأمهرا، بالإضافة للسياسات المركزية المتمثلة في فرض هوية الأمهرا بواسطة ملك الملوك الأخير هيلا سلاسي (1916-1974م) قد خلقت نزاعا ثقافيا عملت الأنظمة الإمبراطورية حتى العام 1974، والنظام العسكري الماركسي الذي أعقبها (1974-1991) على قمعه.

إن رواية هذه الملحمة الإثيوبية العظيمة المتدثرة بالسلطة سواء أكانت ضمن وقائع الفتوحات في عهد منليك، أو كانت هندسة مستحدثة للوقائع التاريخية من نظم الرواة في القرن العشرين، فإنها قد قلصت حتى نفيها على الأقل، من الوقع الإجتماعي لتلك الفتوحات، لكنها فوق كل ذلك قد مهدت لتلك الفتوحات بحسبانها إستردادا لإخضاع تلك الأراضي التي كان من الواجب أن تبقى تحت سيطرة الملوك الإثيوبيين.

تم فرض هذا الخطاب وتسويقه إبان الحملات التي شنتها الأمهرا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بصورة غير مسبوقة في إتجاه الجنوب وحده. الممر الجنوبي للوادي المتصدع مع الهضاب الحدودية قد تم إخضاعها لحملات الجيش المسيحي في القرن الخامس عشر. أبرشيات تم إنشاؤها بينما أخرى تم تدميرها ونسيانها منذ عدة قرون.

ذكرى وتجسيد:
تلك الملحمة القومية التي تعود للثلث الأخير من القرن التاسع عشر، قد راكمت الحنق لدي قطاعين من الشعوب الإثيوبية: التغراى الذين يرون أنهم المؤهلون لتقلد السلطة الإمبراطورية في البلاد والتي كانت قد إنتزعت منهم بواسطة الأمهرا التابعون لمملكة شوا، من جانب، ومن جانب آخر العديد من شعوب الأرومو التي تتضجر من كونها تجد نفسها خاضعة للإستغلال وللإحتلال.

إن نظام الدرك الماركسي (1974-1991) قد مارس سلطة مركزية غاشمة لا تقل سوءا من تلك السلطة الإمبراطورية التي كان قد إنقلب عليها بالقوة. فعلى الرغم من التظاهر الفلكلوري المبذول حول القومية الإثيوبية فإن المعادلة ما بين الإثيوبية والأمهرية قد ظلت عقيدة سياسية سائدة هناك.

في كل الأحوال فإن تمردا فائق الأهمية ضد الحكومة يتم التنسيق له في كافة الأقاليم الإثيوبية المختلفة وقد بدا بسرعة كبيرة، يتجذر في العمق الإجتماعي: جبهة تحرير شعب أريتريا، جبهة تحرير الأورومو، جبهة تحرير شعب التيغراى، جبهة تحرير غرب الصومال، إلخ.. في العام 1989، تحت قيادة جبهة تحرير التيغراى كانت هذه الجبهات مجتمعة قد أسست تحالفا قوميا تمثل في الجبهة الديمقراطية الثورية لتحرير الشعب الإثيوبي والتي تمكنت من إحراز النصر على نظام الدرك في العام 1991.

شَكَّلَ هذا التحالف في أعقاب النصر، حزب الدولة تحت قيادة جبهة تحرير التيغراى (تي بي إل إف) والذي حكم إثيوبيا حتى العام 2019، التاريخ الذي تم فيه إستبداله بحزب بروقريس كحزب واحد حاكم تم تأسيسه على يد رئيس الوزراء أبي أحمد، الحزب الذي رفض التغراى الإنصياع له.
يتبع…

الجزء الثاني:
إن الإنجاز الثوري العملاق الذي أقامته الجبهة الثورية الديمقراطية لشعب إثيوبيا (إي بي آر ديه إف) كان قد تمثل في دستور جديد تم نسخه في العام 1994، ومن ثم إعلانه في العام 1995، إنعكست فيه الطبيعة العشائرية للتحالف الثوري الطائفي، والذي نص على تقسيم إثيوبيا لإقاليم وفقا للهوية اللغوية لمجتمعاتها.

دون الغوص في الإشكالات التي كان قد أنشأها هذا التقسيم القومي، والتي في مقدمتها أن غياب التطابق الكامل ما بين الحدود اللغوية وجغرافيا السكان، قد كان مصدرا لتوترات إقليمية، وأن مفهوما جديدا قد تم غرسه في إثيوبيا يجذر لنعرات الإنتماء العشائري.

هذا المبدأ الدستوري الذي تم إقراره منذ ربع قرن من الزمان، جعل مالا يقل عن 60% من السكان في إثيوبيا يصطفون وفقا لهذه الهويّات العشائرية. يجدر بنا إستدعاء بداية التسعينات من القرن المنصرم، حينما كان يتم التأسيس للنظام الفيدرالي، فقد كان وقتها الإنتماء الديني هو العامل المحوري لدى الإثيوبيين، وكانت الزيجات على اختلاف الأديان شيئا رائجا في المجتمعات هناك، وليس أدل على ذلك من والدي رئيس الوزراء أبي أحمد نفسه.

كانت العقيدة الغالبة لحوالي 45% من السكان هي كنيسة التوحيد (ميافيزيت)، يليها الإسلام السني (35%) ثم الكنيسة الإنجيليكانية (25%) من السكان. ثم أقلية كاثوليكية ناتجة عن النشاط التبشيري وتقدر ب 1% من السكان. إن المظاهر الدينية في إثيوبيا لا تبدو مكتملة دون ترديد الطقوس التقليدية، بالأخص فإن ذلك يتمثل في الجنوب الغربي من البلاد كما أنه في الطريق للإضمحلال.

مما يجدر ذكره هنا، أنه لكي تكون من الأمهرا، فإن ذلك يتطلب أولا أن تتحدث باللغة الأمهرية، أن تنتمي للكنيسة التوحيدية الإثيوبية، وأن تأكل فيما تأكل الأنجيرا، أكثر من أن يتطلب ذلك كونك تنحدر لأب وأم من عرقية الأمهرا. يؤيد هذا الزعم كون أن ملايين الإثيوبيين ينحدرون من آباء وأمهات لا ينتمون لنفس المورد الثقافي. إن إهمال أسماء العائلات في إثيوبيا، وعدم حمل الزوجات لأسماء أزواجهن قد ساهمت كظواهر في تلطيف الإستقطاب العشائري فيها.

على أية حال، فإن الفيدرالية في إثيوبيا قد مهدت الطريق لنزاعات تحت طائلة الهوية. إن الصراعات التي عرفتها البلاد خلال العقد المنصرم، والتي من السهل الإشارة إليها كنزاعات عشائرية، تنطوي على أسباب أكثر عمقا، تتعلق بالنزاع على الأرض والاقتصاد، لكنما تتدثر بقميص عشائري، وإن ذلك ينطبق بالطبع على النزاع الذي بين أيدينا الآن.

لقد شهدت مقاطعة أديس أبابا الفيدرالية توسعا لم يكن في مخيلة المشرعين في ذلك الوقت الذي تم فيه تحديد الفواصل العشائرية، لكنه اليوم مدفوعا بطبيعة ما تشهده المدينة من الإزدحام وضيق الرقعة، قد جعل يلتهم في الرقعة شبه الحضرية من أرض الأورومو. لامندوحة في أن أديس أبابا في خواتيم القرن التاسع عشر قد صارت كيانا إمبرياليا تقترن في منحاها التوسعي بالفتوحات التي قادها الإمبراطور منليك، مع ملاحظة أن الجنرالات البارزين في حملات منليك كانوا ينتمون للمفارقة لطائفة الأورومو.

فوق ذلك فإن المدينة، الإقليم، المقاطعة، العاصمة القومية، حيث تسود اللغة الأمهرية، تقع في مجملها داخل إقليم الأورومو، وأن كل دفعة لتوسع جديد لها يراه الأوروميو عدوانا إمبرياليا عليهم كسابقاته. إن النزاعات في الأراضي التي تولدها تلك التوسعات توقظ لدى شعوب الأورومو ذكريات الحشود العسكرية للأمهرا، الشئ الذي حول المقاومة الريفية في مواجهتها تبدو كعداء عشائري، تزيد من توتره الكتابات التاريخية من هنا ومن هناك. فعلى الرغم من أن حقيقة منشأ العداء كانت تنطلق من تنافس إقتصادي ونزاع حول الأراضي، إلا أن عناصر فاعلة تجتهد في نسيان كل ذلك من أجل أن يبدو الأمر وكأنه لا يعدو كونه صراعا إجتماعيا ثقافيا، ولغوي، يظل بالإمكان تعريفه كنزاع عشائري.

بالعودة للتغراى، ربما يلزم أن يتم تناول الأمر من خلال منظور مختلف، فبالرغم مما يبدو عليه الأمر من عداء في مواجهة الأمهرا. وهنا من جديد ينطبق التوصيف العشائري للنزاع، تلك النعوت التي يتم إستدعاؤها كلما نشأ نزاع في أفريقيا، وهي لا تعدو كونها تفاسير مبسطة وساذجة لحقيقة الأوضاع. لا خلاف في أن التوترات العشائرية لها حظها من الواقع، لكن إعتبارها الباعث الوحيد لتلك الصراعات لا يتيح الوصول لجوهر الإشكال.

إن عشيرة التيغراي تجد نفسها منقسمة ما بين إثيوبيا (سبعة ملايين و 6% من السكان) وما بين إريتريا (ثلاثة ملايين 80% من السكان). اللغة الرئيسية في إريتريا هي التكرنجة، بل إن الرئيس في أريتريا نفسه ينتمي لعشيرة التغراى، كل ذلك لم كافيا كيما يكفّ التيغراى على جانبي الحدود من الإنخراط في مواجهة مسلحة مميتة فيما بينهما خلال فترتين من النزاع (1998-2000، و2021).
يتبع..

الجزء الثالث والأخير:
خضعت الإقاليم التي تشكل أريتريا الحالية، جزئيا لإدارة العثمانيين منذ القرن السادس عشر، ولمدة وجيزة لإنتداب ثنائي ضم بريطانيا ومصر في القرن التاسع عشر، لكنها ظلت خلال ذلك تعتبر كمحمية إيطالية تم تأسيسها في العام 1890. خضعت خلالها أريتريا للقانون الإيطالي حتى العام 1941، ثم للإستعمار الإنجليزي حتى العام 1952، تبع ذلك خضوعها للأنظمة الإثيوبية المتعاقبة حتى العام 1991. عندما يلتقي التيغراى الإثيوبي برصيفه الإريتري فإن ما يبدو أول وهلة هو الإنتماء الإثيوبي، بينما أن طائفتي التيغراى على جانبي الحدود قد عبرتا خلال السنين أقداراً سياسية وثقافية متباينة.

إن خطيئة منليك إمبراطور الأمهرا (والذي في عروقه بعض من دماء الأورومو)، من وجهة نظر التيغراى، تتمثل في أنه قد سحق الأطماع الإيطالية بنصره الداوي في عدوة في العام 1896. وقد خلص إثيوبيا من براثن الإستعمار، لكنه كان قد ترك متعمدا جزءا مقدرا من التيغراى في أيدي الإيطاليين الذين مثلوا قطاعا كبيرا في مستعمرتها في إريتريا. هكذا، على الأقل كانت الأحكام تطلق لدى التيغراى على ماضيهم تحت السيادة الإثيوبية.

تبدو الحقيقة أكثر تعقيدا، فإن تقسيم الخصوم للتمكن من إستعبادهم، ربما كانت الإستراتيجية الإمبراطورية الداعية للتخلي طوعا عن طائفة من التيغراى كيما تخضع لسيطرة الإيطاليين. لكن الشاهد أن موارد جيش الإمبراطور وقتها كانت قد قاربت النفاذ، صادف ذلك حالة الأفقار الحادة التي كانت تعيشها الإقاليم التي أهلكت حشود الجيش مواردها، رغم معاناتها مما تعاقب عليها من سنون الجدب والأوبئة. لذلك فمن الوارد أن يكون ما أتخذه منليك من خيارات محكوما بأولوياته الإستراتيجية.

لم ينل منيليك على أية حال رضى التيغراى، ففي 1889، في مسعى لإبعاد التيغراى، كان قد قرر أن يتم تتويجه في عاصمته المؤقتة “أنتوتو” أو أديس أبابا، بدلا عن أكسوم، كما اتخذ نفس المنحى من أعقبه من الملوك (زوديتوت في 1917، وهيلاسلاسي في 1930) فقد جرى أيضا تتويجهما في أديس أبابا. هذا على الرغم من أن أكسوم كانت على طول الوقت المدينة النمطية لمقام الملوك، وعقد المراسيم السيادية.

إن القداسة التاريخية لأكسوم قد تمثلت بصورة ساطعة في المساعي التي كانت تهدف لإستعادة المسلّات وإعادة تشييدها في العام 2005، بعد أن كانت قد إستولت عليها روما تحت أوامر موسوليني. النصر الذي تحقق في تلك المعركة الدبلوماسية المتطاولة، والتقنيات المعقدة التي تمثلت في الجسر الجوي لنقل الأجزاء الثلاث للمسلات ثم إعادة زراعتها في موقعها التاريخي، قد عزز كل ذلك من مكانة جبهة تحرير التغراى ال “تي بي إل إف”، وبصفة خاصة من مكانة عشيرة التيغراى التي تقف من وراء
ذلك كله. إنطلاقا من ذلك فقد سعوا لتأكيد أهليتهم للحكم، إستنادا على ما أنجزوه في ذلك، بل وأستنادا على إرث ثقافي يمتد لألف عام، يُعضّد مصيرهم ككيان عشائري مع المصفوفة الإثيوبية المتمثلة في أكسوم التيغراى.

نزاعات سياسية أكثر من كونها عشائرية:
ظلت الدعوات الإنفصالية في إثيوبيا إستثناءً، فقد جعلت القومية الإثيوبية تضع تفردها في المقدمة وتحرص في المحافظة على حيوية ذلك التفرد. فمنذ بداية العمل بالدستور الفيدرالي الإثيوبي في العام 2005، لم تتلاشى أصوات المتنبئين ببلقنة الدولة الإثوبية. الحديث نفسه ظل يتكرر إبان النزاع مع أريتريا (1998-2000) وأثناء التوترات في العام 2005 و2015، فإن عشاق النهج العشائري لتفسير الصراع في إثيوبيا لم يعدموا رصيدهم من الكلمات. بالطبع فعلى الرغم من أن تلك الأزمات السابقة قد أنطوت على مدى أقل من الخطورة مقارنة بالنزاع الراهن، إلا أن تمسك الغالبية العظمى من المواطنين بالهوية الإثوبية يظل عاملا أساسيا يلزم التعويل عليه في شتى المناحي.

ففوق طبيعتها العشائرية، فإن حرب التغراى تظل تمثل في حقيقتها نزاعا سياسيا، يتمثل في الصراع من أجل السلطة. صراعا يبدو في غماره أن ستة بالمائة من السكان يرغبون في التحكم لوحدهم في مصائر البلاد بحالها، ربما بالتحالف مع آخرين، ولكن بفرض سيادتهم فوق ذلك التحالف.

إذا ما كان رئيس الوزراء أبي أحمد يعود لأم من عشيرة الأمهرا، فإنه ينتمي فوق ذلك لتشكيل من الأرومو عضو في الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (إي بي آر دي إف) و في ال (أو بي دي أو) التي أتت به إلى الحكم. وقتها لم تُبدِ جبهة تحرير التغراى معارضةً لتسميته للحكم، وأن من سبقه للحكم، لم يكن هو الآخر من المنتمين لعشيرة التيغراى. لقد سعى تشكيل ال (أو بي دي أو) في بذل جهود هدفت لتقليص تسلط التيغراى داخل تنظيم ال (إي بي آر دي إف) وفي نفس الوقت للتشكيك في النظام الفيدرالي ذي الطبيعة العشائرية. إن الممانعة المتعلقة بهذا التشكيك هي بالضبط ما أشعل غمار النزاع الحالي، وهو ما يفسر بوضوح الطبيعة السياسية للنزاع.
إنتهى..

nagibabiker@hotmail.com
////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor