عودة لمسألة مفوضية العون الانساني: هل هناك حوجة لمفوضية للمجتمع المدني .. بقلم: د. سامي عبد الحليم سعيد
28 يناير, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
اكتب هذه الورقة للمساهمة في تعميق النقاش حول ما هي افضل المناهج لادارة و تنظيم عمل المجتمع المدني في السودان في و بعد الفترة الانتقالية.
بحسب ما هو مشهود فان فضاء المجتمع المدني قد اتخذ حيزا أكبر من ان تغطيه مفوضية العون الانساني، بصورتها القديمة. و بالنظر في لماذا كانت مفوضية العون الانساني (هاك) بتك الصورة و الهيكلة و الاختصاصات، نجد انها اقتبست ذلك النموذج لتتسق مع طبيعة الدولة و اهدافها في تلك المرحلة، و استدعى الامر السيطرة على المنظمات العاملة في العون الانساني و الاغاثة و فرض رقابة رصيقة على انشطة المنظمات الدولية خلال فترة الحرب، فنتج عن ذلك ان كانت المفوضية عبارة عن هيئة بكفاءات أمنية و ليس بكفاءات حقوقية.
و بالعودة الى موضوع اتساع نطاق المجتمع المدني في السودان، نجد ان المفوضية كانت تغطي حيز ضيق من المجتمع المدني بالتسجيل و الاشراف، و يقع الجزء الاخر من المنظمات تحت غطاء مؤسسات أخرى برغم انهم يقومون بالعمل المدني نفسه، و اصبح من الصعوبة ان تميز من حيث طبيعة الاختصاص بين المنظمات المسجلة في مؤسسات مختلفة. لشرح هذه النقطة: نجد عدد من المنظمات غير مسجلة في هاك و لكنها تقوم بنفس الانشطة و المهام التي تقوم بها المنظمات المسجلة في هاك، اذن لماذا هذا التباين في قواعد التسجيل و المؤسسات المشرفة على التسجيل و الانشطة.
من منظور حقوقي، من المهم جداً ان تتم حماية الحقوق( التجمع – التنظيم – التعبير) بصورة موحدة، تتجنب التباين والتضارب، وهو التزام حكومي، على الحكومة ان تقدر ظروفها و امكانيتها في ان تنشئ الهيئآت التي عليها ان تقوم بحماية هذه الحقوق.
في سبيل توفير الحماية للحقوق الثلاث، ليس هناك تقييد دستوري، او تحديد ، بل الدستور كان مرنا و ترك امر حماية و تنظيم هذه الحقوق للقوانين. مع العلم ان المفوضية كمؤسسة لم يتم الاشارة اليها في الدستور، اذ لم يذكرها ضمن قائمة المفوضيات التي سينشئها مجلس الوزراء او تلك التي سينشئها مجلس السيادة، و في ذلك مساحة للتفكر و التأمل حول افضل السبل لكفالة حرية التنظيم و التجمع، اذ حسنا فعل الدستور الانتقالي أن ترك الخيارات البدائل مفتوحة امام الحكومة الانتقالية بما يمكن المجتمع المدني من القيام بدوره بافضل الطرق.
بالنظر لمستقبل المجتمع المدني، و المنهج الذي يمكن اتباعه في الاصلاح التشريعي و المؤسسي، اود ان اقدم المقترح التالي مع بعض التفصيل:
اولا: اجراءات مؤقتة:
في ظني ان الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر تتطلب بصورة سريعة وضع الجهود كلها في اطار تنفيذ متطلبات المرحلة الانتقالية، و بالتالي لا اعتقد بان الاجراءات الطويلة، و تكوين اللجان المتفرعة من لجان، لن يساعد في تفعيل دور المجتمع المدني خلال الفترة الانتقالية، اذ ان عدم وضوح الاجراءات و تبدل السياسات سيجعل من الصعب استقرار عمل المجتمع و الشروع في تنفيذ برنامج يدعم بناء السلام و الديمقراطية في السودان. لذا من الافق عمل:
– (1) اصلاح قانون 2006 و الابقاء على نظام المفوضية بصورتها القديمة، والغاء المواد و الاجراءات المقيدة لعمل المجتمع المدني،
– (2) المواصلة في الاصلاح المؤسسي و الهيكلي بتحرير المفوضية من المهام الامنية و التحقيق في الممارسات الفاسدو
– (3) الشروع في عقد مؤتمر للمجتمع المدني يتم التحضير اليه بتروي، للخروج برؤية استراتيجية للمجتمع المدني، يتم بموجبها اصلاح القوانين و انشاء المؤسسات.
ثانيا: اجراءات طويلة المدى:
و هذه الاجراءات القصد منها التوافق ما بين النظرة الحقوقية، و كذلك افضل الطرق الادارية و الحكومية للاشراف و المتابعة.
بالنظر للمفوضية كمؤسسة – في سياق حماية الحقوق – يفترض انها تكون ذات طبيعة مستقلة. و ان لا تقوم بادوار تنفيذية للحكومة، كما كان الحال في ظل قانون 2006. هناك ادوار عديدة (حتى انها تكاد تستغرق عمل المفوضية) ذات طبيعة تنفيذية و ليست من واجبات المفوضية – لذا كانت المفوضية مرهقة باعمال هي من اختصاص سلطات اخرى، و مترهلة باقسام و ادارات لا حصر لها.
و بعد التأكيد بأن المفوضية الحالية (وفق قانون 2006) قد تم انشائها في سياق منظومة ديكتاتورية تعمل على مركزة السلطة و احكام السيطرة على المؤسسات التي تعمل خارج منظومة مؤسسات الحكومة، بما في ذلك المجتمع المدني. اعتقد في رايي المتواضع ان اصلاح نظام المفوضية، يجب ان يتضمن تحريرها من المهام التنفيذية المتصلة بمسائل المراقبة الامنية و اجراءات تسجيل المنظمات، و ان كان من المهم جدا ان (تراقب) تلك العمليات، و ان تصدر بخصوصها (تقارير(.
العديد من المؤسسات الحكومية تقوم بمهام تسجيل المؤسسات غير الحكومية / الطوعية، كما هو الحال مع وزارة الشباب و الرياضة، وزارة العدل، وزارة الثقافة و غير ذلك، و كل ذلك لا يخضع لاختصاص المفوضية. و في ذلك انا اقترح ان تقوم وزارة الرعاية الاجتماعية و العمل، من خلال لجنة او ادارة من اداراتها، و تكون في ذلك مثلها مثل الوزارات الاخرى.
اعادة لما في اعلاه، اذا كانت العديد من مؤسسات السلطة التنفيذية تقوم بالتسجيل، و تكفل للناس حقوقهم بطرق ووسائل تنسجم مع مقتضيات المجتمع الديمقراطي، و كذلك يمكن لوزارو الرعاية الاجتماعية ان تقوم بنفس المهمة مثلها مثل بقية الوزارات، اذن ليس من المنطقي الا ان يكون وضع المفوضية أحد امرين:
– (ا) ان لا تختص بتسجيل مؤسسات المجتمع المدني، و ان تترك الامر برمته للسلطة التنفيذية/ الوزارات.
– (2) أن تختص بتسجيل كل مؤسسات المجتمع المدني دون استثناء/ تفاديا للتضارب و التباين في سياسات المجتمع المدني.
اذا لم تقم المفوضية بتسجيل المجتمع المدني و تم اعفائها من الجوانب التنفيذية، ماذا ستعمل المفوضية:
(ا) اذا ذهبنا حسب توصيف الدستور الانتقالي للمفوضيات فانها هيئآت مستقلة، يختص بانشائها مجلس الوزراء، لان المفوضيات التي يتم انشاؤها تحت مجلس السيادة مذكورة على سبيل الحصر (4 مفوضيات) اما المفوضيات التي يتم انشاؤها بواسطة مجلس الوزراء فانها قابلة لانشاء مفوضيات غير المذكورة في الدستور. و بالتركيز على عبارة (مستقلة) و ان يتم تعيينها بواسطة مجلس الوزراء، يسحب عن وزارة الرعاية الاجتماعية اختصاص تكوين المفوضية و الاشراف عليها، وز بالتالي اي محاولة لانشاء مفوضية حسب الدستور يجب ان يجعلها مستقلة.
(2) اذا اردنا ان نقوم بانشاء مفوضية للمجتمع المدني، مستقلة عن السلطة التنفيذية – مستقلة عن وزارة الرعاية الاجتماعية – فانها يجب ان تكون من نفس شاكلة مفوضية حقوق الانسان – تراقب و تقدم اراء استشارية للحكومة و المؤسسات الرسمية الاخرى، ترفع تقارير دورية مع الجهات الدولية التي تشرف على الحقوق بشكل نظامي وفقا لما تنظمه الاتفاقيات. و هذا الدور من الممكن ان يكون ضمن مفوضية حقوق الانسان الموجودة حالياً، و من الممكن ان تكون مفوضية جديدة متخصصة في المجتمع المدني، كما هو الحال لمفوضية المراة و المساواة النوعية و التي نص عليها الدستور، و التي هي مفوضية \ات طابع حقوقي و لكنها متخخصة في موضوعات الجندر.
(3) كل الاجراءات المقترحة اعلاه، تتطلب اجراء اصلاحات تشريعية عاجلة تبدأ بالغاء قانون العمل الطوعي لسنة 2006 و حل مفوضية العون الانساني و مهامها و اختصاصاتها، و ايلولة اعمالها و ممتلكاتها ، لوزارة الرعاية الاجتماعية الى حين المصادقة على قانون جديد ينظم العمل الطوعي بالصورة التي ينص عليها القانون.
advosami@hotmail.com