عيال الحديقة- (الحلقة الخامسة و العشرون) .. بقلم: عاددل سيداحمد
15 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
كان عيال الحديقة، من الأناتيك، أوّلاً، بحياة المرحوم، ثم من الأناتيك والمفروشات، معاً، على عهد مدير الصالة، كانوا متشابهين في أشياءٍ كثيرة، ومنسجمين بعضُهم مع بعض إلى حد كبير.
ومع إن العدد الكُلي، كان يفوق: (الأحد عشرة!) إنتيكة ومفرُوشة، فانه قلّما كان يكتمل نصابهم في الأماسي، بخلاف:(رحلات الجُمَع!)، إلى مناطق الخرطوم السياحية المعرُوفة… أوعندما تتم دعوتهم، غالبًا باقتراح وتمويل من السيد (عبد الرفيع)، إلى صيد الغزلان والأرانب: كل حسب مقامو! في صحراء بيُّوضة أوخلاء أمدُرمان.
ولكن الجوقة (الإحدى عشرية) هذه، كانت تُدار ويؤثر فيها أربعة أناتيك فقط، من حيث توجيه دفّة الأماسي وإثرائها، ومن حيث التّصدّي لواجبات وعواقب كلام الليل: في الصباح، لما كان يعتقد، توهُّمًا، بأنه إرادة عُليا للسادة: (سيف اليزل-عليه رحمة الله- و عبد الرفيع وبهاء الدين)… أورعاية مصالحهم المالية، بتذكيرهم بما قالوا، أو قيل، عن هذه الفُرصة، أوتلك، من النوافذ الدَّارَّة للدخل الساهل: (بالسمسرة !)… و المقايضات التي تتماهى، لدرجة كبيرة، مع القِمار .
وكان لإيحاءات (الخال)، دورٌ لا يُســـتهانُ به، في:صُنع رأي الروّاد و إجماعهم، وتشكيل مزاجهم العام، دون أن يتحدث حتَّى، في أغلب الأحيان.
كان ( الخال)، هُوَ، أهمَّ الأناتيك المهيمنة الأربعة… وكان يكبرُجميع حضور الأماسي: سنّاً، ويفوقهم حضوراً ورُوح نكتة… وبذلك فقد كانت له صلاحيات وأبهة (كبير القعدة)، وكان بحكم السن والخضرمة، يُدهش شباب الحديقة بحكايا وقِصَصٍ قديمة، من التاريخ، كانت جديدة عليهم…ولذلك، كانوا يؤثرون: تفادي (مُجادلته!)… وكانوا يكتفون، بالاستماع له، عندما يجود بأساطيره الخياليّة، الخالية من الدقة، والأمانة التاريخية، و يقدل على غرار : )بلداً ما فيها التُّمساح يقدل فيها الورل!).
ودون أن يتحرَّى الناس، المرتبطين بالحديقة، عن أصل اللقب (خال): قدموه، ووقروه، وأعلوا من شأنه، وكان فيهم، من يعتقد، أنه: خال هيام، و آخرين، يعتقدون، أنه: خال (سيف اليزل)… ولكن كانت القلة تعرف الحقيقة: أنه كان يقرب، من بعيد جداً لهُيام، من: أمها، (والمُرجح، إن: هُيام، هي، من أطلقت اللقب)…
وساعد الخالَ، قُربُ مسكنه من بيت ناس هيام، (بمصادفةٍ لم يندم عليها الروّاد)، في توطيد علاقة القربى هذه، حتى وصلت: رتبة خال بكامل المُخصصات والصلاحيات.
ولكن الخال كان على قدر المقام، فعلاً، من حيثُ قيادته الأماسي و توجيه دفتِها، كأمهر رُبّان… ورغم نومه متخشِّباً على كرسيه، بعد أن تنال منه الصهباء، في أحيان كثيرة: إلا أنه كان يعلم عن كلِّ صغيرة وكبيرة، من: أُمُور الحديقة، كما كان مُطَّلعًا، دائماً، على أسرار الأمس وأخبار الغد في كل ما يخص تلك الأماسي الزاهية.
وصار الدُّخول إلى بهوالحديقة، والانضمام لجوقتها، مرهوناً: بمباركة (الخال)، ورضاهُ، حتى إن الرواد الحاليين، باتوا يضعون، لغضبته: ألفَ حساب، بل ويستجدُونَ ودّه و يجتهدون في استرضائه: حتى لا يجد أحدهم نفسه فجأة: خارج (سور الحديقة العالي!).
وقد انصهر الخال وتماهى، بدوره في شؤون وشجون الحديقة، حتى: صار يتراءى، في نهاراتها، أقرب (لكبير الحاشية)… دون أن ينال ذلك من مكانته، (كبيرًا للقعدة)، وربانًا لها بالأمسيات.
و كان، قبل التخشُّب، يلقي على مسامع رواد الحديقة من الأناتيك و المفروشات، أجمل الأشعار و أقربها لدنيا الفلسفة و التأمُّل، مثل:
– قد سألتُ البحرَ يوماً… هل أنا يا بحر منك؟
و كان في أيّام الجمع، يرَدِّد قول الحلَّاج، غالباً بطلب من أحد الأناتيك المنتشين بالقعدة و الجو المُصاحب:
– ترفَّق أيُّها الساقي
قتلت القومَ بالسكرِ
شربنا ليلة الجُمُعة
و كانت ليلة القدرِ
بكاساتٍ و طاساتٍ
مع المحبوبِ للفجرِ
فأمسينا و لا نعلم
و أصبحنا و لا ندري!
amsidahmed@outlook.com
//////////////////