عَـن أنـيس وَكارلوس والترابي

(1)
كنت دبلوماسياً في السفارة السودانية في العاصمة الإيرانية تهران، نائباً لرئيس البعثة الدبلوماسية بين 1991 و1994. مثل كلِّ دبلوماسي يتولى تمثيل بلاده في بلد أجنبي ، قمت بتوثيق علاقاتي مع رصـفائي، ومن هم في مثل درجتي الدبلوماسية، ومن العديد من البعثات العربية في تهران .
في حفل دبلوماسي في السفارة الفلسطينية ، التقيتُ صديقي الدبلوماسي اللبناني ، الذي أخذني جانباً وهمس بصوت خفيض أنه سـيعرّفني إلى شخصٍ مهم وصل إلى إيران منذ وقت قصير، وأنه من الضروري أن أتعرّف عليه. رجل ٌ قصير له وجه مستدير أصلع وبلحيـة صغيرة وبنظارات طبية ثقيلة . تلك ملامح بدتْ لي عادية وأستطيع أن أقول بريئة . حيّـاني بحرارة، ، ومضيت إلى حالي وإلى بعض أصدقائي في ذلك الحفل الدبلوماسي. . لكن بعد أن انبأني صديقي اللبناني عن الرُّّجل ، نحَّيـتُ انطباع البراءة بعـيداً . إنَّ الرَّجلَ اسـمه “أنيــس” وقد وصل تهران قادماً من فرنسا بعد ان أكمل عشرة سنوات في السَّجون الفرنسية. أدهشني الخبر ، فأوضح صديقي اللبناني أنّ الرّجل كان متهما في محاولة اغتيال “شهبور بخـتـيار”، رئيس وزراء شاه إيران السَّابق أوائل الثمانينات، وهي محاولة فاشلة كان وراؤها خفية جهاز الأمن الإيراني. ألقـتْ الشرطة الفرنسية القبضَ على كلِّ المتورّطين في العملية الفاشـلة، وأولهم “أنيـس” وحكم عليه بسنوات عشرة. خـيَّروه من باريس بعد اكمال مدة سـجنه ليغادر إلى أيّ جهة يريد، فجـاء إلى تهران.
لم يكن الأمن الفرنسي يعلم أنَّ “أنيـس” هو اليدُ اليمنَى لـِ “كارلوس” في عملية اختطاف وزراء منظمة أوبيك عام 1975 في فـيينا، وإلا لما أفلت من يدهم بتلك السّهولة.

(2)
مضتْ أسابيعُ وربَّما أشهرٌ في عام 1993، وكدتُ ان أنسى فيها حتى ملامح الرَّجل الذي قابلته في ذلك الحفل الدِّبلوماسي في ســفارة فلسطين، لكن لم أنـسَ ما همَسَ لي به صديقي الدبلوماسي اللبناني في تهـران، عن خلفية حقيقة الرّجل . ممَّا أسـرّ إليّ به صديقي الدبلوماسي ، هو أنّ الرّجل كان أحد المشاركين في عملية استرهان وزراء النفـط وهم في مؤتمرهم الرَّاتبٍ في مقر منظمة “أوبـيـك” في فيينا عام 1975. تلك عملية شهيرة نفـَّذها “كارلوس” لحساب القضية الفلسطينية. كان “أنيس” هو أحد أهم مساعدي “كارلوس”، ذلك الذي لم تكـفَّ الأجهزة الأمنية الفرنسية عن مطاردته لسنوات طوال منذ أوائل سبعينات القرن العشرين، لقتله عنصريين أمنييـن فرنسيين في باريس، ولم تعثر له على أثر. .
حينَ فشـلتْ العملية التي قادها “أنيـس” لاغـتيال “بختيار” في سويسرا عام 1982، وتسلَّل هارباً إلى فرنسا، حيث تمّ اعتقاله وقُـدِّم للمحكمة الفرنسية وحوكم بعشرة أعوام، قضاها في السجون الفرنسية. لدهاء الرَّجل، لم يكن ثمّة ما يدفع الأجهزة الفرنسية للشكِّ في أن تكون له صـلة بعملية خطف وزراء منظمة “أوبيك” الشهيرة قبل سنوات.

(3)
كان السَّـفير المعتمد في تهران من غُلاة الإسلاميين المعينين في وزارة الخارجية السودانية ، ولأن مساعدي الدبلوماسي أصوله توافق منطقة أصول ذلك السَّــفير، فكثيرا ما يعهد إليه ببعض المهام التي ربَّما يتعمَّـد ألّا يكلفني بها لقلة ثقته – بصِفة عامة – فيمن هم مثلي من الدِّبلوماسيين المهنيين. حدث ذات يوم، أن بادر ذلك السفير بتكليف مساعدي بأمرٍ غاية في السِّــرية ويتصل باستخراج جواز سفر لمستثمر إيراني- كما قال له السَّـفير- يطلب أن يزور الخرطوم في سِــرية تامَّة . أكمل مساعدي للشؤون القنصلية تلك المهمة، ولأني أثقُ ثقة تامة في أدائه، فهو دبلوماسي مهني يدرك أصول مهنته ومتطلباتها ، فقد أســرَّ لي بتفاصيل تلك المهـمَّة التي كلفه بها ذلك السفير، وهي باختصار استخراج جواز سفر سُـوداني لشخصٍ اســمهُ “أنيــس”. ولمّا أســرَّ لي باسمه كاملا ، أدركتُ أنه “أنيــس” الذي أعـرف. دهشـتُ لأن تكون تلك السِّرية أيضاً متعلقة باختفاء جنسية الرجل الأصلية، وأنا أعلم مما جاء ني من صديقي الدبلوماسي اللبناني أنه “أنـيس” مساعد “كارلوس” القـديم. قال لي مساعدي أن الرّجل يرغب في الاستثمار في السودان فيرغب في السفر إلى السودان بجواز سوداني ليستعمله في زيارته إلى الخرطوم. لم أتابع أمـر شكوكي، ونسيت الآمر برمته.
غادرت تهران في أواسط عام 1994، وقبل أن أكمل مهمتي فيها بعام. في الخرطوم تابعت مثل غيري ما تناقلته القنوات من أخبار عن وجود “كارلوس في الخرطوم وكيف تمّ تسليمه عبر عملية استخباراتية إلى السلطات الفرنسية .

(4)
تمرّ سـنوات طوال، تدرّجتُ خلالها في مهنتي في رئاسة وزارة الخارجية حتى 1999. ثم ابتعثتُ إلى لـندن ســفيراً مسـاعداً للسَّــفير المعتمد هناك. ممَّن توثَّقـتْ علاقتي بهم في لـندن، اللواء أمن المتقاعد والمقيم في لندن وقتها هاشـم أبا سعيد. لقد كان هاشم هو النَّجم الخفيّ الذي شارك وصاغ سيناريو تسـليم “كارلوس” المشهور بـِ “ابن آوى”. زاد اهتمامي بقصَّة الرَّجل وظللتُ ألحُّ على صديقي هاشــم وهو قد تقاعد عن مهنته وبقي مقيماً في لندن ، أن يخبرني عن قصته مع “ابن آوى”، لكن هاشــم ممّـن يلزمون أنفسهم بحفظ أســرار مهنته، فهو قليل الكلام بطبعه. لم أكثر في الالحاح عليه، ثمَّ رحل -يرحمه الله- وما ظفرتُ منهُ بشيء عن تلك القصَّة. لكنّي كنتُ أعرف أنَّهُ مِمَّن تحفَـظَ لهم السَّـفارة الفرنسية في لـنـدن، تقديراً عظيما.

(5)
تأخذني مهنتي فأذهب سـفيراً للسودان في بيروت بين الأعوام 2006 و2009 . لم تبرح ذاكرتي قصَّـة “كارلوس” ، وإن انتهى ملفه بتسليم السُّـودان له لأجهزة الأمن الفرنسية بعد تعقـيدات وملابسات، ثمّ سـجنه مؤبَّداً في سجون فرنسا. في يوم بيروتي دافئ ، جاءتني مخرجة سينمائية لبـنانيـة تعمل مع فريق فرنسي ولبناني مشترك، تطلب ترتيب تأشيرات دخول إلى الخرطوم لتصوير مشاهد لشريط سينمائي يعدونه عن “ابن آوى” . كان احساسي أنَّ في انتاج شريط سينمائي عن “كارلوس”، وبعد أن سلمته الخرطوم لطالبي الثأر منه في باريس، يمكن أن يساعد في تحسين صورة البلاد في تعاونها للخروج من دوائر اتهامها بمناصرة الإرهاب الدولي.
لم تشاركني وزارة الخارجية وَمَن كانوا وراء قراراتها وقتذاك، ذلك الإحساس، إذ لم تهـتمَّ حتى بالردِّ على رسـائلي حول الموضوع، فاضطررتُ للاعتذار للمخرجة اللبنانية بأوهَى ما تيسَّـر لي من مُبرّرات. بعدها شــاهدتُ الشريط مُتـاحاً في الشبكة العنكبوتية. لم يخطر ببـالي أنّ الخرطوم لا ترغب في الاحـتفاء بدورها في القبض على “ابن آوى” لسبَبٍ يخصّها، وليسَ لسـفيرها في بيروت أنْ يعـلـمه. لربَّما يريد النظامُ في الخرطوم تناسـي ذلك الدور المُخـزي.

(6)
ممَّا جاء في كُتبٍ كثيرة تناولتْ قصصَ “كارلوس”، وعن ملابسات الدّور السُّوداني في تسليمه إلى السلطات الفرنسية ، اطلعت على كتاب لكاتب صّحفي استقصائي لبناني “غسَّـان شـربل”، وهو من أجرى حواراً مطولاً مع “كارلوس” في محبسه الفرنسي نشره في ذلك الكتاب. ممّا جاء من “كارلوس” في حديثه مع “شربل”، أنَّه تلقى طعنة في الظهر من السودانيين الذين وثق فيهم. لقد قرّر اللجوء إلى السودان بعد أن تأكد له أن الشيخ حسن الترابي عَـرّاب النظام الحاكم، لا يمانع من استضافته في السُّـودان ، ولعلّ ما زاد في اطمئنانه، أنَّ وزيراً ســودانياً كان في ذات الرَّحلة التي حملته من الأردن إلى السودان.
ثم إنِّي وفي متابعاتي لبعض القنوات العربية ، شاهدتُ صديقنا القـديم “أنـيس”، في لقاء تلفزي يتحدَّث إلى مضيفه عن علاقته بـِ”كارلوس” وتفاصيل اعتقاله من قبل السلطات الفرنسية في الخرطوم. هاجـم “أنيــس” السُّــودان الذي قام بتسـليم “كارلوس”، مؤكِّداً أنَّ الرَّجل جـاء إلى الخرطوم بعلم وموافقة القيادة السودانية والشخصية النافذة فيها ، وأنَّ تسـليمه للسلطات الفرنسية، كان خيانة وعبر مكيدة دبَّرتها السَُّـلطات السُّـودانية. لم يُخفِ “انـيـس” عن استهجانه للخرطوم التي باعتْ للفرنسيين من جَـاء لائـذاً بهـا. ما لم يقلهُ صراحة أنّه- أي “أنـيـس”- جاء إلى الخرطوم من تهران بجواز سـفرٍ ســوداني بصفته مستثمراً إيرانيـاً، رتبه له السَّـفير السوداني في تهران باسم “جمـالي” لأمرٍ يتصل بمهمة سِــريَّة للرَّجل في الخرطوم، ولا أجزم إن أحاط “أنيـس”السفير بتفاصيل تلك المهمة أم لا .
وصل المستثمر الإيراني “جمـالي” والتقى في الخرطوم- فيما يبدو من تلميح صديقنا “أنيـس” في ذلك اللقاء التلفزي – بالدكتور الترابي. بغرض مُحدَّد يتعلق بصديقه القـديم الذي تعرّض لمضـايقات من طرف الأجهزة الأردنيــة، فالتمس المستثمر “جمالي” من الشيخ الدكتور الترابي، الموافقة على استضافة “كارلوس” في الخرطوم.

(7)
لربَّما قصَدتْ السلطات السودانية وقتذاك، غسلَ ما لحـق باسمها جرّاء تهمة رعاية الإرهاب الدولي، فـأقدمَّت على قبول صفقة تسـليم الرّجل على هذه الخلفية، ولكن تظلَّ المَرارة والحُـزن وخيـبة المسعَى والتي عبّرَ عـنها جميعها، لسَـان “أنـيـس” في ذلك اللقاء التلفزي والذي أجريَ معه بعد سنوات قليلة من الحادثة، تفسِّـر تماماً احساسه العميق بالخذلان الذي صاحب قصّة قدوم “كارلوس” إلى الخرطوم، ثم تسليمه للسلطات الفرنسية. الرّجل الذي ظلّ يحسـبَ نفسه مناضلاً ومن كبار مناصري القضية الفلسطينية، لم يتصوَّر أنَّ السُّـودانيين يغدرون به ويسلمونه للسُّلطات الفرنسـية، وربَّما بثمن بخـس. أحَـسّ “أنـيـس” بنـدامة كبرى، ومرارة أكبر، إذ هو مَن ورّط صديقه بقرار المجيء إلى السُّودان، ليقع بين براثن من ظـلََّـوا يطاردونه لعشـرين عاما، منذ السبعينات وحتى منتصف تسعينات القرن العشرين، فنالوا منه في الخرطوم.
ما حكيتُ هنا يظلّ فصلاً استثنائياً، لم يقع رصده في كلِّ ما كتب عن “كارلوس”، ويفضح بجلاء ميكافيلية قيادات إسلاموية ،لا تبالي كثيرا لتداعيات قد تنجم من مواقفٍ تحمل شـيئاً مِـن الخسَّـة والغـدر . وإنّي أحفظ لنفـسي كاملَ الحُـزن وكثيرَ المرارة، لسببٍ خاصٍ ولسـؤالٍِ أكثر خصوصية ولا علاقة له مباشرة بـ “كارلوس”، وهوَ لمـاذا اختـار سـفير السودان في تهـران في عام 1993، اسـماً مستعاراً مثل اسمي “جمال”، ليكتبه في جـواز سـفر سـوداني قـدّمه لذلك المُستثمر الإيراني المُــزيّـف. والذي اسمه الحقيقي “أنيـس” . ؟
ولأن القصَّة صارتْ جزءاً من تاريخ قديم، فإني أدعو بالرّحمة لأبطال مقـالي: السَّـفير السُّـوداني الأسـبق في إيران، والدكتور العرَّاب التاريخي للحركة الإسلامية في السودان، وأنيس نقّـاش (1951-2021). أمَّا البطل الرئيس في المقال، فهو لا زال مقـيماً في محبسه الفرنسي. .

القاهرة – 11/9/2025

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …