– إنقلاب 17نوفمبر1958 صنيعة القيادات (الطائفية – الليبرالية).
– ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964 أوضح دليل على غياب المشروع الوطنى.
فاز حزب الأُمة بقيادة عبدالله خليل(رئيس وزراء) ، بأغلبية مقاعد البرلمان وتحالف مع حزب الشعب الديمقراطي (حزب الختمية) وشكل حكومة إئتلافية فى يونيو 1957 سلمت السُلطة للعسكر بقيادة المجلس الأعلى للقوات المُسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر1958 .
من المعروف و المؤكد ان السيد عبدالله خليل رئيس الوزراء لثانى وزارة سودانية بعد الاستقلال قد سلم السلطة للجيش السودانى بقيادة ابراهيم عبود ( تسليم وتسلم ).
عبدالله خليل من أبرز المؤسسين لـ حزب الأمة 1945 وقد انتخب كأول سكرتير عام للحزب. وفي حكومة إسماعيل الأزهري الائتلافية التي شكلت في فبراير عام 1956 عين وزيراً للدفاع والأشغال العامة. بعد سقوط وزارة الأزهري في يوليو 1956 تولى رئاسة الوزارة لأول مرة. شكل عبد الله خليل الوزارة التى ضمت بالإضافة إلى حزب الأمة ، وزراء من حزب الشعب الديمقراطي الذي يرأسه علي عبد الرحيم الأمين رئيس الحزب ووزير التجارة ، بينما كان فى المعارضة يوجد الحزب الوطني الإتحادي الذي يرأسه إسماعيل الأزهري زعيم الحزب.
وبحسب افادة الفريق إبراهيم عبود امام لجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر قال(قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبدالله خليل…وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثاً خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة).
بينما قال خليل ( انه، لم يكن فقط يعرف، بل كان اتفق مسبقا، وسرا، وشفاهة، مع عبود ليستولى على الحكم, وكان سبب ذلك خوف خليل من تحالف المصريين والاتحاديين لاسقاط حكومته. خاصة بعد سلسلة اجتماعات بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واسماعيل الازهري، زعيم الحزب الوطني الاتحاي. واخبار عن امول كثيرة ارسلها المصريون الى السودان.
وقال خليل انه اتفق مع عبود على اعادة الحكم الى المدنيين بعد ستة شهور. وان يعين عبود السيد عبد الرحمن المهدي رئيسا للجمهورية، واسماعيل الازهري رئيسا للوزراء
لكن، بعد مضى الستة شهور، ورفض عبود ترك الحكم، (هدد خليل بكشف الاتفاق السري معه).
وجاء فى الوثائق الامريكية المترجمة ان موس، السفير الامريكي في الخرطوم استغرب : “كيف ان رجلا في عمر عبد الله خليل، وتجاربه، ورئيس وزراء وطنه، يتفق اتفاقا غير مكتوب حول مصيره، ومصير حكومته، ومصير وطنه؟”
و اخيرا أكد نائب رئيس حزب الأمة اللواء (م) “فضل الله برمة ناصر”، لجريدة المجهر عام 2013 أن انقلاب 17 نوفمبر (1958) لم يكن انقلاباً حقيقياً بمعناه المتعارف عليه وإنما كان عملية (تسليم وتسلم ) قام بها رئيس الوزراء “عبد الله خليل”.
وتكتمل الصورة بان نذكر حقيقة انه في صباح 17 نوفمبر 1958م وهو اليوم المقرر لانعقاد البرلمان أذاع الفريق إبراهيم عبود بيانه الأول وأعلن استلام الجيش للسلطة، أوقف العمل بالدستور، وألغى البرلمان، وقضى على نشاط الأحزاب السياسية، وبارك انقلابه القادة الدينيون زعماء اكبر طائفتين دينيتين : السيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية.
اى ان استلام الفريق عبود للسلطة تم فى اليوم المقرر لافتتاح الدورة البرلمانية ،وإنه بمجرد اعلان استلامه للسلطة تلقى تأييد الزعماء الذين انقلب عليهم، زعماء الطائفتين اصحاب اكبر حزبين نالا اصوات اتباعهم السودانيين فى الانتخابات الديمقراطية !! الامر الذى يؤكد بالاضافة الى ممارسات اخرى كثيرة بما لا يدع مجالا للشك بان السياسيين السودانيين من طائفيين ومتعلمين متحالفين معهم ( آباء الاستقلال) ، لم يكنوا يقدرون المسئولية الوطنية و الاخلاقية التى تحتم الحفاظ على النظام الديمقراطى و ضرورة صيانة الديمقراطية من الاهواء و المصالح الشخصية ، الطائفية والحزبية. لقد كانت مصالحهم الطائفية اكبر فى نفوسهم من الوطن و الديمقراطية ، اذا فأن الطائفية الحاملة لبنية التخلف قد احتوت المتعلمين السودانيين الذين كانوا قد كونوا مؤتمر الخريجين وهى التى قامت بممارسة (الديمقراطية الليبرالية ) فى السودان ، لذلك فإن نموزج الديمقراطية الذى مورس فى السودان كان يعكس بنية التخلف المحمولة بواسطة الطائفية المسيطرة ، لذلك كان من السهل ان يسلم السيد عبدالله خليل السلطة الديمقراطية للجيش ، رغم عن انف الانتخابات ، اصوات الشعب ، ممثلى الشعب ، البرلمان بسلطتيه التشريعية و التنفيذية ، القضاء ،الصحافة وكان السبب الكامن خلف هذا السلوك المتخلف ( التسليم و التسلم ) هو المنافسة السياسية مع الاتحاديين ، اليس ذلك هو (العذر الاقبح من الذنب) فى انصع صوره !!
اطلق نظام عبود “مثلما يفعل غالبا قادة الانقلابات العسكرية ” الوعود للشعب السودانى بالنماء و الرخاء و السلام ، لكنه ما لبث أن زاد اوار الحرب الاهلية اشتعالا بحجة حسمها ، وعمل على قمع الشعب فانتفض ضده فى اكتوبر 1964 .
إنتفاضة اكتوبر المجيدة 1964:
أخذت انتفاضه اكتوبر 1964 زخمها وبريقها كما نرى من كونها حدثت فى وقت لم تعرف فيه افريقيا و الشرق الاوسط هذا النوع من الانتفاضات السلمية التى تنتهى باستسلام العسكر و قبولهم بتسليم السلطة للقادة المدنيين، واعتقد ان جل قيمتها كفعل ثورى سودانى و كمنجز تاريخى انسانى يكمن فى انها قد قد اكدت على مسالتين اولهما اهمية الديمقراطية كممارسة شعبية ، وثانيهما قدرة اداوات النضال السلمى ” وفق شروط محددة ” على قيادة عملية التحول الديمقراطي.
اهم القضايا التى طرحهتا انتفاضه اكتوبر 1964 هى ابرازها (نظريا) ، قضية الوحده الوطنية ممثلة فى قضية جنوب السودان ، لان مؤتمر المائدة المستديرة فشل عمليا فى حل مشكلة السودان فى الجنوب.
صحيح ان شعار مشكلة جنوب السودان تحول الى برنامج تجلى فى مداولات و مقررات مؤتمر المائدة المستديره ، وفى برنامج لجنة الاثنى عشر و التى اصبحت نقطة مرجعيه ارتكز عليها اتفاقية اديس ابابا و التى تم التوقيع عليها في 3 مارس 1972، وذلك بعد أن وضعت في صيغة قانونية سميت (قانون الحكم الذاتي الاقليمي 1972)، التى انهت الحرب الاهلية (1955 – 1972) ، ولكن زعماء الاحزاب التقليدية الشمالية ابان انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة لم يكونوا يرون ابعد من انوفهم.
مؤتمر المائدة المستديرة 1965
استجاب الساسة الجنوبيين لدعوة حكومة أكتوبر بالجلوس على طاولة المفاوضات، بعد أن أقر رئيس الوزراء سر الختم الخليفة في نوفمبر 1964 بأن القوة ليست حلا لمشكلة الجنوب. فانعقد في مارس 1965م مؤتمر المائدة المستديرة الذي ضم 18 ممثلا عن الأحزاب الشمالية و24 من السياسيين الجنوبيين بحضور مراقبين من غانا وكينيا وأوغندا ونيجيريا ومصر والجزائر. وكان ذلك المؤتمر أول محاولة سودانية جادة للبحث عن السلام.
واتفقت هذه الأطراف على تقديم ثلاثة خيارات للمؤتمر تمثلت في ( الفدرالية ، الوحدة غير المشروطة مع الشمال والانفصال)، وأبدى الجنوبيون رغبة في أن يكون البت في الخيارات الثلاثة عبر استفتاء عام، لكن الأحزاب الشمالية جميعها وقفت ضد تلك الرغبة، وأوضحت أن (أقصى ما يمكن أن تمنحه للجنوب) هو وضع خاص يشمل قيام مجلس تشريعي للإقليم ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في أمور التعليم والصحة والزراعة. وبالطبع رفض الجنوبيون ذلك العرض وردوا بالمطالبة بالفدرالية.
بعد نهاية حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية تشكلت حكومات ائتلافية تارة برئاسة محمد أحمد المحجوب وتارة أخرى برئاسة الصادق المهدي ، لم تر تلك الحكومات (الديمقراطية) في المشكل السودانى الجنوبي أكثر مما رأى الفريق عبود، السيطرة على قلة من المتمردين والقضاء عليهم ومن ثم فتح الباب للسلام.
هذا التبسيط المخل بحقيقة قضية جنوب السودان يؤكد على عدم إختلاف عقلية الساسة السودانيين فى الاحزاب الطائفية التقليدية ، التى تدعى انتهاج ( الديمقراطية الليبرالية ) ،عن عقلية العسكريين في نظام عبود، ومن المفارقات الغريبة عند الساسة السودانيين ان حكومة ديمقراطية على رأسها السياسي المحنك والقانوني الضليع ، والمثقف الكبير و الشاعر الفحل محمد أحمد محجوب ، تنتهج نفس السياسة التى اعتمدها حكم عبود العسكرى تجاه جنوب السودان ، فكانت النتيجة تصاعد العمليات العسكرية والتجاوزات وارتكبت المجازر من قبل هذه الحكومات المنتخبة بما فاق ما ارتكبه نظام عبود العسكري من عنف.
لم تول حكومات الائتلاف المختلفة بين الحزبين الكبيرين الاتحادي والأمة اى اهتماما من اجل حل قضية الجنوب وايقاف الحرب بل كان جل اهتمامها بالصراع على كراسي الحكم بين الحزبين. وقد دفع هذا الصراع أطرافه للاستعانة بالإخوان المسلمين القوة التى كانت تنافسهم على الارضية الدينية آنذاك، والتي كانت تطالب بالشريعة الإسلامية والدستور الإسلامي، حيث عمل كل منهما على الاستقواء بها في مواجهة الآخر ، وبذلك انعقدت سوق للمزايدة حول الدستور الإسلامي انتقلت إلى أروقة البرلمان وهناك نشب سجال بين دعاة الدستور الإسلامي من جهة والنواب الجنوبيين و اليساريين المنادين بالعلمانية من جهة اخرى.
المناداة بالدستور الإسلامي كان من أدوات الصراع التي حاولت بها الاحزاب الطائفية القضاء على المعارضة اليسارية وتحجيم الرفض الجنوبي ( إستغلال الدين لاجل اغراض الدنيا). هذه القوى التقليدية تناست مشكلة السودان الأولى الحرب في الجنوب ووجهت الضربة القاضية لتوصيات مؤتمر المائدة المستديرة، وقامت بالاعتداء على الدستور.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم