غياب النقد الرأسي او التراكمي مأزق نوعى يجد الفكر السوداني السياسي والاجتماعي والثقافي نفسه عالقا في شِراكه، ومعتصرا بين انيابه.
فالطبيعة الافقية للنقد الفكري وبناء الافكار في غالب منتجنا الثقافي، والفكري، والفلسفي تقوم بسبب علات متعددة تكتنف الخطاب النظري الجامع، العام.
فقد ظللنا وعبر عقود طويلة ننقل، و نناقش، ونطرح الافكار، ونطلق القدرات النقدية النظرية و الفلسفية في قراءة الواقع الكلي السوداني دون احقاق اوانصاف باتخاذ نظام بنائي نشَيد فيه على ما سبق، وما قدمه غيرنا من بني جلدتنا من جهود متخصصة وافكار نوعية في خدمة المجتمات السودانية. فالشعوب والمجتمعات لا تتطور بنقل افكار الغير، بل بافكار رجالها ونسائها الذين ابلوا بلاء حسنا في التاريخ الحديث لبلد كالسودان.
وحسب مناهج البحث العلمي فان ما يتلاحق من وقائع يدل فيما يدل اما على عدم اطلاع كافٍ عندنا لتراث الافكار الوطنية الخاصة برجالنا ونسائنا، او تجاهل عن عمد يوفر التبرير اللازم لطرافة ما تمت معالجته او الاتيان به.
ومن الابجديات الاخلاقية للتفكير والاسهام العلمي من بحث واوراق وغيره، التطرق بالذكر والاشارة اولا للافكار وصانعيها ممن سبقونا الى مناطق خدمتها واقاموا بصمة فيها، ومن ثم المناقشة النقدية لما كتبوه وادلوا بدلوهم فيه.
تيار عريض من المنتجين الفكريين من الشباب، والطاعنين في السن معا لا يألو جهدا في الحالتين في تقديم نفسه كفاتح او مستكشف، او مقتحم اول للفكرة والافكار فلا يبني على ما سبق. وتلك لعمري عادة مهلكة، مدمرة ليس في حيز تفاعل الافكار فقط وتنميتها ولكن بتوفرها كعقبة كؤود في طريق تطور الفكر السوداني في المجالات كافة.
فالبداية من الصفر وباعتبار ان ما سبق من تاريخ خلو من المساهمات الجليلة عادة يتبعها الكثير منا. اما عدم المناقشة، او عدم الاسناد الى الاصل، ولفت النظر الى خدمات من سبقونا، والتقدم بافكار او اطروحات متفقة او مناوئة لمنتجاتهم فهى تبدو واحدة من أوضح الظواهر المعيقة للبناء.
وبالرغم من ان الظاهرة تحمل في طياتها ابعادا من القدرة على الاحتيال اوالغش العلمي والوطنى العام فهى تؤشر بكامل اصابعها الى توفر مستوى من الخلل، والاختلال النفسي والعقلي في مجمل الاداء الجمعي لنا في سبيل صناعة التطور الوطني العام.
فالافكار بقدر ما تكون هى صانعة الخراب بقدر ما تكون الصانعة للتغيير والرافعة للتقدم. وافكار التغيير والتقدم تبنى على ما سبق من افكار سبقت وتجارب تطبيقية قام بها ابناء وبنات السودان، ومنهم الاحياء، ومنهم الاموات من مبدعينا الثقافيين والفكريين المجيدين وهو ما لا يغلق الباب امام التعرف والتفاعل الايجابي الحى مع المفاهيم والفكر المعاصر الكوني دون تعصب او تحيز لمصادره الجغرافية، او مواقع انتاجه.
شهد التاريخ الثقافي للسودان امثلة كثيفة لعقول اعطت مساهماتها في شان التطور العام بغض النظر عن الارتباطات والابعاد السياسية لانتاجهم ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عرفات محمد عبد الله، واولاد عشري، والتيجاني يوسف بشير، ومعاوية محمد نور، ومحمد احمد محجوب، وعبد الخالق محجوب، ، ومحمود محمد طه، وربما الصادق المهدي وحسن الترابي ومنصور خالد وجون قرنق وآخرين معاصرين.
ولقد شهدنا في العقود والسنوات التي خلت العديد من الاطروحات المهمة التي كانت بحاجة الى فتح المناقشات كاطروحة الدكتور النورحمد في العقل الرعوي كمثال فقط ولكننا وجدنا وكعادة ردود الفعل التاريخية استخدامات مخلة لها، هذا ان لم نشهد من عملوا على عدم التطرق لها واعتبارها حدثا عابرا.
لقد سبقت ذلك ومن ضمن ما اوردناه من امثلة لافكار نقدية لسودانيين كاحمد الطيب زين العابدين، وعبد الله بولا، وحيدر ابراهيم، وعبدالله على ابراهيم، وكمال الجزولي، والخاتم عدلان ، والحاج وراق، ومحمد جلال هاشم، والباقر العفيف وغيرهم دون ان نجد توسعا لدائرة النقاش وبذل الحوار عن أعمالهم المنشورة بغرض محاورتها و النقد بالتطوير والاثراء.
وبوصف ان الفكر الانساني في طبيعته فكر تراكمي يبني على التطور ولا يبني على الهدم فاننا بحاجة ماسة الى التصالح مع الانجازات والمنتجات الفكرية للاخرين من بني جلدتنا وانصافهم بدلا عن تجاهل ما قاموا به.
اضافة لما سبق فان افة الافات تخرج بما يسمى ( لطش الافكار) وتجيير مساهمات الغير لانفسنا والاخذ بوصفات افكارهم وقع الحافر بالحافز او وقع الطائر على الشجرة.
في نصيب من تفكير و تاملات عن الاسباب الدافعة لبيان استحكام تلك الظاهرة وجدت ان في مركب الافندي المتعلم، وفي خاصية التلقين والحفظ بالعقل العام لدينا وتوظيف تلك الخاصية في الحصول على الامتيازات والتميز ولو على حسالب الغير باعتبارها هدفا استراتيجيا وليس اعطاء الحقوق لاصحابها بذكر ما ساهموا به وما صنعت اياديهم فيتم البناء عليها. فالناس تركض دون عناية بقوانين رياضة العدو بالافكار. والسودانيون على انموذج ( الافندي) ومنذ ذيوع صيت سطوته وتحققها في المجتمع والدولة لا تمانع في عدم الاخذ بمسؤليات التفكير والابتكار بالخضوع لاشراطه واشتراطاته، وهى وفي خضم عملها المخزي هذا تعبث بالنظام والحقائق.
وتلعب عادة المحاكاة والتقليد دورها البارز هنا في انتاج الظاهرة باستبعاد لخيار ممكن وسهل يتمثل في القيام بذلك (رغم سوئه) ولكن بتحسين للعرض والمنتج المسوق. فصاحب البقالة الذي يفتح بقالة مجاورة لسابقه لا يفكر في عرض بضاعة ومواد تخلو منها رفوف العرض والمنتج المسوق لجاره ورائد الفكرة، بل يعيد عرض وتسويق ذات المنتج او المنتجات وقد تكون مستجلبة ومشتراة من ذات المصدر او المصادر.
ان القيام بذلك في سوق الفكر والافكار سيسبب اعادة انتاج لما سبق وانتجه قبلنا الاخرون الذين لا يستحقون الاشارة لهم فقط ولكن الحوار والمحاورة مع افكارهم وليس التجني بتجاهلهم وعدم الانخراط في مسؤلياتنا باعمال التفكير النقدي الراسي المتراكم بغرض الافادة المعرفية.
ان ما سبق من التطرق له كظاهرة يساهم في توسيع رقعة الفوضى الثقافية والفكرية الصادرة اصلا من مجالنا الحياتي التطبيقي الحيوى بعدم انجازنا وممارستنا لفضيلة التحديث والتطوير للواقع ولانفسنا وبذات النحو الذي تصدر فيه خنوعا لفكرة دائرية التطور وافقيته في انجازاتنا النظرية بالسياسة، والمجتمع، والثقافة الامر الذي يفاجئنا عند لحظة التحولات والثورات بحاجتنا الماسة له ولكننا ناتي في الساعة الخامسة والعشرين بحيث لا نتمكن من الاستفادة منه واعتباره تراثا اصيلا وفخما.
السودان حاليا وفي تشظيات مجتمعاته السياسية والاجتماعية والثقافية ، وفي ورود وتوارد اجيال جديدة يرسل اغلبها غضبا تجاه الماضي وما يشبه الكراهية لما سبقته من اجيال يعبرعن غرور ضار، وضيق معرفة بالتاريخ الآخر،وبالآخر وتاريخه، تاريخ البسالة النقدية السياسية والثقافية الذي خاضته اجيال سبقته وهو ما يستوجب النظر له بدافع التعرف عليه، والاستزادة من تجاربه بتجميع وتصنيف مستخلصاته من التاريخ والمنجز الفكري والنقدي والاشتغال عليه بغية تنظيم نفسه، والانشاء على فكرة التطور والترقية للاخذ بالتطبيقات الاكثر تلاؤما واستجابة مع متطلبات النهضة. دون ذلك وبلا شك سيعود الناس الى اعادة اختراع المخترع ونبذ الحقيقة دون ادلة دامغة على فسادها كلها.
wagdik@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم