غَيَّم حزن كل اليَتامَى، وانْشَرَّ بَيْن كُل العِباد: وإِنَّا لحُزنك، وفقدِنا الجَلَلِ لَمحزُونونَ، أَخي عركي .. بقلم: د. حسن محمد دوكه/ طوكيو/ اليابان
15 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
(1)
تأمّلْ، ولا تَتَعجَّب. لِأَنَّ قُوَةَ الحياةِ ترفُضُ إلاَّ أن تكونَ اُغنيَةً في قلبِ فنَّانٍ، وأطفالٍ سَيكبُرون.والأيام بتفاصيلها الحياتية المعطونةِ رخاءً، ومحبةً، وتآخٍ، وسلاماً نفسيّاً واجتماعيّا، تطرز ديار الزَّوليَّة الرحبة بخيوط العشق الإنساني الفَارِهِ للأرض والزَّرع والضَّرع والفضاء السُّودانويِّ السمح،كان الفيتوري يبثُّ حلمه الكونيَّ فينا،متدفقاً شعراً حكيماً، صادحاً يُحجِّينا:
أعلم، أَنَّ الموتَ حقٌ، والحياةَ باطلةٌ
والمرء لا يعيش، مهما عاش، إلا ليموت
وكل صرخةٍ مصبّ نهرِها السكوت
وأروع النُّجومِ هاتيكَ التي تُضِيْءُ دَربَ القافلة.
على ضفاف سيد الأنهار، الذي هوَ بحر من البِّحار السودانية (بحر أبيض)،كان مسرحنا مولداً ونشأةً وتسامياً في دروب الزُّولية المُمَهَّدَةِ بالتَّضام والتَّآزر والتَّكاتف وتنزيل القيم الإنسانية وهي تسرحُ في مرحها الأشمِّ بين الناس طفلاً وصبياً وشاباً وكهلاً ومعمراً، نتخذها ‘”عكازات” وعصي، ندَّخرها ملاذاتٍ للهشِّ بها على أَغنامِ الزمان الضالة في سعيها الحثيث نحو إفراغ العالم من مغزي خلق الإنسان ودلالاته.
كُنَّا، وكان الحلم هو ما نعيش ونعتاش به، ونعايشه. حيث كان وما زال:
” أمل الغبش،
ينزل سحاب
يروي الأرض ويحي التراب
العيش يطول وقت الحصاد، زرعاً غزير، ما أنضرو! ”
وأطلَّ عركي علينا بين جدول و”سَرَابَةٍ” و”تكنت” و “أبو عشرين” و “ترعة” ونيل. أطلَّ شامخاً في دفقة الإنساني أصيل المنبت والحال والموائل. أطَلَّ، وما زال يُطل فينا ساق شَهْدٍ “عُنْكُوليبة” تقطر حلاوة ضاربة الطعم المضمخ بالتراب والطين الولود وشمس الدرت. وجاييك يا آخر المواني، من ظلمة البحر الممد في الفراغ، جاييك من غربة الجزر المسورة بالهواجس والضياع، جاييك معاي، ملح التجارب، وزي محارب، مطعونوخايض في الغبار! لكني ثابت في المدى، واقف أنا ودايس على الإبر المسممة بالكلام، علَّمني ظلم الناس أشوف، واتحدى نار كل المصايب والظلام.
(2)
كُنَّا، وكانت المناديلُ تُغْزَلُ مُطَرَّزَةً بالروح الحميم ، والعبق الإنساني الهميم، قَبْلَ توشيحها بخيوط اللون القزحي دلالات انتماء بني الإنسان في البلدِ الماهلِ المَهول لفضاءات إعمار الأرض وفلاحتها إنباتاً وأنْسَنَة. وتظل نافذتنا (هنا امدرمان) مفتوحة المدى المعرفي التثفيفي التروبوي التعليمي الأخلاقي الإبداعي، كُنَّا، وكانت إطلالة عركي الحنينة تحكي لنا عن غناء الحبيبة، عن هوانا وأفراح الحزانى، والحمامات الحزينة قامت أدَّتا من حنانا “بُرْتُكانه”. كُنَّا، ومازالت الذاكرة طريةً ترسم مفردات ثقافتنا التي تمشي بين الناس كظلٍّ مُحَبَّب له سلطة التحقيق، وسطوة التجلي بنظرة سريعة في “ست التوب المالاقاني أجمل منو “.
كُنَّا، وكانت دُرَرُ الرَّاحل سعد الدين إبراهيم (تَتَنَزَّل عليه الرحمة والمغفرة) تتخلَّل الدواخل قارةً في النَّفس، ناقشةً جميل الكَلِمِ طَيِّبَهُ وهو ينداح مُوَقَّعَ النَّبرةِ والطَّلةِ والألقِ المُوشّى بما نعهده من صدق واندغام يُعرف به عركي، ويتفرَّد مغرداً واصفاً الأصيلة التي يماثلها مضاهياً إياها ذلكم الشُّعاع المُرْسِلُ طاقة ضوئه الحيوي كامل اللطافة والصحو، منبعثاً من مهد مرقده الدافئ المسالم النَّبيل الحميم، ساكناً رواكيبنا وأوضنا. وكانت أول مرَّه في عمر المدينة. وكُنَّا أول مره في قلب السكينة. وجاءت نسمةٌ تُسَاِئُل عنكَ، قالت لنا في وَصْفِكَ العجبَ العجيبا.! كُنَّا هناك، وكانت النسمة تَلُمُّ شباكها، وتغني لنا والبحر، بحر أبيض نواحي القريض الجنة (وداكونه)، غَنَّتْ، وما انقطع الغناءُ طوال خمسة عقود مرَّت كصرخةٍ مَصَبُّ نهرِها السكونُ الذي يسبق الترقب فالانبهار، والسكوت الذي يمحضُهُ الحق فَيُثَار، وما بين السكون والسكوت يُطِلُّ وجهُك الإِنساني المنتمي لذاته الزُّولية الودود الولود الصادقة العفيفة. وأَنتَ هناكَ يا عركي، وكُنَّا هناكَ، وفي عينيكَ “عِفَّة ” غريبة، عِفَّه ملانه محنَّة وطيبه.
(3)
كُنَّا، وكنتَ هناك يا عركي فينا، في ليالينا المقمرة عند قريتنا الحبيبة (وداكونه)، حيثُ العقلُ لا يخاف، والرأسُ مرفوعةٌ عالية، حيثُ المعرفةُ حرة، والعالم لم تمزِّقه جدرانُ التَّعصب. كُنَّا نتسامر في تسابقٍ صَبيٍّ نحو انتياش الانتشاء بسناراتِ طَيِّب الكلام مفارِقِهِ. كُنَّا، وكنتَ، وكانت الحُجوات تندلق على صمت القرية حديثاً مُدِرَّاً للأُمنيات الخُضْر كلوروفيلاً للتَّوحُّد والتَّضام والوئام، وحديثُ (ناويلا) سليل أبناء المك، هؤلاء الشلك كاملي الزُّولية مُعَبِّراً : ” كاااان في واحد… اتنين …، مليون ميل مربع …”. وكنت أنتَ مُحَفِّزاً لنا، عارشاً شَدوَكَ الحنينَ على “رواكيب” عَشَمِنا العنيد في تجلِّيْهِ ” أضحكي، تضحك الدنيا وتفيل. تصحا الكهارب في الشوارع، ينكسر سور الموانع، وتبدا أَعراس المزارع والمصانع، وتوصل الناس الروايع، ياروايع، أضحكي…”،وما ضحكنا، ولكنَّ عفافاً تَبِسَّمَتْ واعِدةً بالضَّحِكِ الذي يُشْبهُك !.
كُنَّا، وكنتَ هناك فينا، واثقَ الخطوات مرتقيًا بالذَّوق نحو ذرى المآلات الإنسانية وهي تَحتفِي بثرائها المترع،ونقائها الأروع، ومفرداتها الأبدع، وانطفاء المُثبِّطات وكلِّ ما يمنع، ولا يَنفع. كُنَّا هناك في بقعة البقعة (هنا امدرمان)، والبلادُ تزدهي مزدانةً بالصَّحو والطَّلق الذي على صَدْرِ حماماتها اِستوى إلَّا من بعض حريقٍ ممتدةٍ أَلْسِنَتُهُ تلتهم صعيد الجسد الزُّولي في حرب طَال أمدها وتمدَّد. وكنتَ أَنتَ، وجِئتَ أَنت، وخَطَّابٌ، تَخُطَّان رسماً بليغاً،أنْ حَانَ لِلاحْترابِ هَجر النُّفوس قَبْلَ المكان، وآنَ للفوضى التي عَمَّتْ، والناقصة التي تَمَّتْ، آنَ وحَانَ اِندلاقُ عطر السَّلام، والسَّلامُ الطَّعام، والطَّعامُ الكلامُ الذي يَشجُب مُديْناً تَفجُّرَ خُطُوطِ التَّماس. لقد كنتَ هناكَ صديقي، وكانتْ عفاف.
كُنَّا ” بواكير ثمانينات القرن الذي ولى”، طالبي علم ومعارف نواحي الخرطوم المدينة. وكنتَ أنْتَ هناك، كُنتَ ونفسك، ذاتك، كُلّك، بعضك، و كان ما بينكما عفاف. كُنَّا قَرويِّينَ في قلبِ المدينة، وكُنتُما مَدينةً سَفِيْنةً في بحْرِ تفاصيل ملامحنا القرويَّة الحلوة وهي تحلم وتشتهي حال الحواضر، تنتقي خيوط الطهارة والنقاوة والمحنة والسَّماحة والأَصالة، والعفاف، لِتنسجَ الدرب الفسيح في سخائه الـمُأَسْطَرِ بالخِلاسِيِّ الـمَفروُش بالرَّمل، والمجدولِ من شعر أغنية، فَقَد كُنتَ بعضَ الرَّحيفِ، وكانتْ هي البرتقالة.