فانوس حياتى!!! .. بقلم: إبراهيم هُمَام

أصبحتُ أتردد كثيراً عن شكرِ الآخرين و ذلك بعد أنْ أصبحت أشعر أنهم يعتقدون أننى أجنبى أو غريبٌ عن البلادِ!! فمثلاً لا أحد يقولُ “للكمسارى” شكراً بعد إسترداد الفكة (ده لو رجعها طبعاً) تشجيعاً له على إنو ما ينوم بيها!! و التى إنْ صدرت منك فإنك ستتعرض لبعض نظرات الدهشة و بعض النظرات من قعرِ العيونِ الشمشارة.. و قد نسوا أنَّ من لا يشكرْ الناسَ لا يشكرْ اللهَ.. و ليس هذا فحسب بل إنَّ التعبيرَ عن أى نوعٍ من المشاعرِ يعتبرُ عيباً و ضعفاً و إنهزاماً و حتى إنَّه رضوخٌ حسب المفهوم العام.. فمن سابعِ المستحيلاتِ أنْ تسمعَ فى المجتمعِ السودانِى كلمة شكراً, آسف, أحبك.. دائماً ما أطرح على نفسى هذا السؤال: من أين نشأ سُلوك إخفاء المشاعرِ خلف أسوارِ الصدورِ؟ و هل أصلاً هناك مشاعر إيجابية؟ هل هذة الأجواء العامة بسبب بيئتنا شبه الصحراوية القاسية و شمسنا الفاقعة أم هى نتيجة أفكار و عادات و تقاليد غُرِست لتنموَ كنبتة شيطانية يستحيل إجتثاثها؟ فأصبحت كلمة شكراً تمثل “الرضوخ” و آسف تمثل “الإنكسار” و أحبك تمثل ” الانهزام” حسب المفهوم العام, و ذلك بعد أنْ سادت على المدى الطويل أُسس التفرقة و العنصرية و القبلية; لتَخلقَ أجيالاً تحملُ تلك الأفكار فى اللاوعي و لاشعورياً, و أخذَت بعض تلك الافكار طابعاً دينياً بحتاً رسخَ فى وجدانِ “بعض” المتدينين; حيث أنَّ الكتبَ المقدسةُ هى بحور يمكن تسخيرها لاستعبادِ الشعوبِ, و قد أدرك ذلك جيداً الامبراطور الفرنسى نابليون بونابرت حين قال: “الإسلامُ كالمسيحية تفسدهما السياسة ويلعب القائمون عليهما بالنارِ إذا تخطوا حدود أماكن العبادةِ لأنهم يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان”. أحد أصدقائى قال لى أننا شعب تربى تربيةً شرقية إفريقية (ليست دينية) عنيفة جافة حيث الكلمة العليا هى للذكورِ, و تَغييب دور المرأة تماماً فى المشاركة لإدارة الساقية التى ظل يحتكرها الذكورُ “التيران” دائماً, و ظل الفهمُ الخاطئ للدينِ ” أو إستغلالِه” هو المُغذى لفكرةِ تهميش الاخرين.
لكنى أؤمن تماماً أنَّ الطيبةَ و حسنُ الأخلاقِ و الحنيةِ ماتَزال موجودةً هناك بالداخل, حيث أنَّ جزءً منها ينعكسُ فى التصرفاتِ العامة لتظهرَ كم هو شعبٌ طيبٍ و خلوق..
و ليس بعيداً عن المشاعرِ يُحكى أنَّ أحد أصدقاء العائلة و زوجتة كانا فى رحلةٍ إلى مصر الشقيقة, و فى أحد الأيام دعاهما أحد الأصدقاء المصريين لوليمةِ عشاءٍ بالمنزلِ هو وزوجتة فكانت وليمةً عامرة حيث لم تخلُ من الجدادِ و السلطاتِ و المُمْبَارِ (و لمن لا يعرفْ المُمْبَارَ فهو عبارة عن شىء شبيه بالسجق لكنه محشى بالرز المشطشط).. فكان المصرى يغازل زوجتَة “ناولينى العيش يا حبي, و خدى دى حتة مُمبارية ياحياتى” و كان صاحبنا نفسو داخلة فى السلطة الجمب مرتو فقال ليها: ناولينى السلطة دى يا وليـــة.. فإنبهط صاحبو المصري و ماعِرف كيف يستدرك الإحراج!! وقال له: بدل ماتقول يا حياتى, ياحُبي, يا جميل, يا قمــر حياتى!! فاستدركت الولية (جاها الكلام فى وجعة): قمر حياتى شنو هو دة يا فانوس حياتى ما بيقولها لى!!!

ibrahimmsaid@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً