فرجة مكتملة بإنقلاب لم يكتمل ! .. بقلم: ابراهيم عثمان
17 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
salaby2013@yahoo.com
———————–
منذ بداية المحاولة الإنقلابية في تركيا انقسم الناس بين شامت ومشفق ، كلٌ حسب انتماءه السياسي والفكري ، الإسلاميون كلهم تقريباً ضد الإنقلاب في موقف واحد ثابت منذ البداية تعاطفاً مع أردوغان ووقوفاً مع الديمقراطية التي ثبت أنها دائماً في مصلحة الإسلاميين ، فهم في الغالب يفوزون في ظلها ويحكمون أو يعارضون في أجواء طبيعية دون خوف مطاردات وسجون ومنافي ، والعلمانيون و”أشباههم” كلهم تقريباً مع الإنقلاب ، وموقفهم تذبذب من الفرحة العارمة في البداية ، إلى محاولات إنكار الفرحة ومحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه عند ثبوت فشل الإنقلاب عبر القول بأنه ليس في كل ما قلناه ما يثبت أننا أيدنا الإنقلاب. طبعاً هنا أقصد الذين يؤبه لهم من الذين تهمهم صورتهم ، أما الكائنات اللزجة الزئبقية من المزغردين والمزغردات المجاهرين أصحاب السوابق والفرقعات والشو الذين لا يملكون الحد الأدنى من الإحترام حتى لأنفسهم أمثال فجر السعيد ومن لف لفها وتقفى خطاها ، فهؤلاء لا ينبغي أساساً أخذهم مأخذ الجد و تحليل مواقفهم .
الواتساب والفيسبوك وتويتر وفرت فرصة أفضل لمتابعة فورية لمواقف الساسة والمسيسين من النخب والناشطين ،فكثير من مشاهير العلمانيين ظلوا يتابعون ويعلقون منذ البداية ، وهذه ميزة لم تكن تتوفر في الماضي لمن يحاول أن يرصد مواقف هؤلاء المشاهير في تدرجاتها وانتقالاتها وانفعالاتها الطازجة الفورية ، كانوا في الماضي يعلقون بعد أن تكتمل ملامح الحدث وبعد أن يضبطوا تصريحاتهم وتعليقاتهم على مقاس الحدث عند اكتماله بما يحفظ صورتهم ويجنبهم اتهامات الخفة وانكشاف النوايا ، المتحفظون منهم ركزوا أكثر على الرصد الإخباري مع بعض التعليقات ، والمتهورون أظهروا مواقفهم بصراحة ووضوح منذ لحظة البداية . الفرق بين انحياز النوعين كان فرق درجة لا نوع ، فالمتحفظون (على الأقل العينات التي أتيحت لي فرصة متابعتها) ظلوا ينتقون من الأخبار ما يشير إلى احتمال نجاح الإنقلاب اعتماداً على أخبار قناة العربية وسكاي نيوز المنحازتين ، للإنقلابيين تتخلل ذلك تعليقات شماتة في إسلاميي مصر في معظم الحالات ، وحتى لاجئي سوريا الموجودين في تركيا في بعض الحالات النادرة ، إضافة إلى تعليقات عن أخطاء أردوغان التي ربما تفسر ( إن لم أقل تبرر ) الإنقلاب وعندما بدأت تظهر علامات فشل الإنقلاب بدأ بعضهم يتحدث عن أن أردوغان إذا لم يعالج الأسباب التي أدت إلى محاولة الإنقلاب ستتكرر المحاولات ، وبعضهم بدأ يتحدث ويجادل بأن الأمر لا يعدو كونه مجرد مسرحية أخرجها أردوغان ، ويعددون المظاهر التي تثبت ذلك ، في نقض وتفنيد لكل ما كانوا يجادلون به قبل لحظات ، لأن كل همهم كان هو رصد العلامات التي تدل على قوة الإنقلاب وسيطرته وتهاوي سلطة أردوغان الذي طلب اللجوء إلى ألمانيا !
السؤال المهم هنا : على أي ليلى كانوا يغنون وعلمانيو تركيا وقفوا صفاً واحداً ضد الإنقلاب؟! ،لماذا لم ينصروا إخوتهم العلمانيبن وقت المحنة ونصروا العسكر مجهولو الهوية والتوجه ؟! ألأنهم يظنون أن علمانيي تركيا يمارسون التقية وينشغلون بمكايدة خصومهم الإسلاميين أكثر من حرصهم على الديمقراطية ؟! أم لأنهم غير معنيين بعلمانية الأحزاب التركية لأنها حتى إن فازت في الإنتخابات فإنها لن تحظر الإسلاميين وتنصب لهم المشانق ؟ الأرجح أن مكايدة الإسلاميين والرغبة في أن يتولى السلطة سيسي تركي يستطيع أن يفعل ما لا تستطيعه الأحزاب العلمانية في ظل الديمقراطية هو ما جعلهم يؤيدون الإنقلاب ، بل لماذا لم ينصروا أردوغان نفسه ومنهم من كان يجادل الإسلاميين بأن أردوغان علماني أكثر من معظم العلمانيين العرب و أنه ما نجح في نقل تركيا هذه النقلة الكبيرة إلا لوجوده في نظام علماني راسخ وقوي ومحمي ؟! الواضح أنهم لم يقفوا معه لأنهم لا يغفرون له بعض الحريات التي انتزعها انتزاعاً مثل حرية ارتداء الحجاب وغيرها من الحريات الدينية التي كانت تحرمها العلمانية التركية . والمستغرب أن بعضهم يعير الإسلاميين بأن الخمر والعرى والزنا مباح في تركيا وأن “أردوغانكم” لم يستطع محاربتها ، متناسين أن هذه بعض مظاهر إرثهم العلماني الذي يفتخرون به وينسبون له نجاح أردوغان ! ، وأن ما يحرس هذا الإرث هم الأتاتوركيون المتطرفون الذين لدى أي علماني – كما يبدو مما يصرحون به علناً – رغبة قوية في أن يراهم حاكمين ومسيطرين وآتين على كل ما فعله أردوغان فيما يخص حرية المسلمين في ممارسة إسلامهم .
والغريب في الأمر أن العلماني السوداني الذي أيد للتو محاولة إنقلابية لم يؤيدها حتى علمانيو تركيا ، ولا يعلم من وراءها ولا توجهات القائمين عليها وخلفياتهم ونواياهم ، يسأل إسلاميي السودان : لماذا تقفون ضد إنقلاب تركيا وأنتم وصلتم إلى السلطة عن طريق إنقلاب؟! متجاهلاً أنه أيد من قبل على الأقل ثلاثة إنقلابات علمانية ، في الجزائر ومصر والسودان نفسه ! .والسؤال الأهم الذي يتغافل عنه هو : لماذا تبيعون قضيتكم بهذا الثمن الرخيص وتؤيدون إنقلابا خديجاً في دولةٍ ديمقراطية لم تتضرروا منها وتفقدوا حجتكم بذلك ؟! ، ولماذا لم تصمتوا لساعات على الأقل حتى لا تجعلوا سؤالكم ذلك خالي من أي مضمون؟! الأمر كالتالي : هناك الآن وفي هذه اللحظة إنقلاب على نظام ديقراطي يجري تنفيذه وهناك من أيد هذا الإنقلاب وهناك من رفضه ، فإذا تمت معايرة هذين الموقفين بأي مقياس فأنت الخاسر ، أما الموقف من إنقلاب الإنقاذ فذلك جدلٌ آخر حتى لو فزت فيه فقد أتيت على هذا الفوز بموقفك الآخير .
حاشية :
استبق ناشط “إسلامي” سوداني معارض أي مساءلة من هذا النوع لأصدقاءه العلمانيين عندما رأى نشوتهم بإنقلاب تركيا ، بمنشور في الفيسبوك يقول بأنه لم يصدر أي بيان رسمي من الأحزاب العلمانية يؤيد الإنقلاب، ليدافع عنهم بما كانوا مشغولين عنه في تلك اللحظات ، لذلك حسب قوله لا يصح اتهامهم بتأييد الإنقلاب ، ولم يدلنا سيادته بأي بيان أصدره أي حزب في الدنيا بتأييد الإنقلاب قبل إكتماله ….ظاهرة غيرة (بعض) الإسلاميين المعارضين على سمعة أصحابهم العلمانيين تحتاج لدراسة فقد وصلت مرحلة الهوس والهاجس اليومي .
ابراهيم عثمان
salaby2013@yahoo.com