فرصة العسكر الأخيرة، وهل يتجه المشهد في السودان إلى سقوط الانقلاب؟  .. بقلم: محـمد أحـمد الجاك 

خرجت مواكب مليونية 24 يناير الهادرة في كل انحاء السودان يوم امس و صدح السودانيون بملء حناجرهم بالهتاف ضد الانقلاب كما يفعلون في كل موكب طلبا للحق في الحياة الكريمة و الحرية ويطلبون مدنية الدولة. و كالعادة قامت قوات الانقلاب باستخدام الرصاص الحي و الغاز المسيل للدموع بكثافة مع القنابل الصوتية، واحتسبت كل من الخرطوم و ود مدني شهيدين، بجانب العديد من الاصابات بحسب  احصاءات لجنة أطباء السودان الشرعية. تعدد مراكز الثورة بين المدن والأقاليم كان مقترحا، وحاليا تحول لواقع. تمدد جغرافيا الثورة جعل التركيز متساوي وربما رجح كفة الحراك الثوري ورفع الروح المعنوية للثوار وفي الجانب الآخر أضعف قوات الانقلاب وباتت روحهم  المعنويةفي وضع أقرب الي الانهزام ،واستقالات كثير من الافراد النظامية بو دمدني برهنت على ذلك. الشارع عنده العدد، وهم عندهم العنف المفرط فكلما توسعت المظاهرات جغرافيا على نطاق واسع تقل فعالية القمع تلقائيا، مدني هي ثاني أكبر مدينة، وقريبة من عدة نواحي من الخرطوم، مساحة وسكان وثقافة. لكن في المدن الصغيرة يكون القمع أصعب، نسبة لطبيعة التكوين الاجتماعي الأهلي. توسيع جغرافيا الثورة أبطل ادعاءات الانقلابيين السخيفة عن (السودان ليس ثلاثة شوارع) وزاد عدد الفاعلين.
في ظل هذا الانسداد الشكلي الذي يحرص العسكر على تمديد سيطرتهم عبره، دون أي قدرة على ذلك التحدي  كما تشير معطيات كثيرة  ثمة مَن يقيس أوضاع السودان اليوم على قياسات خاطئة ويقارنها بما جرى في المنطقة العربية من أحوال الربيع العربي التي جرت في مجموعة من دول المنطقة، لكن يمكن القول إن أي رهان على قياس آخر لمآلات الوضع في السودان لا يمكن أن يعكس سوية موضوعية لحقيقة الأوضاع التي تعيشها البلاد.
لا تعكس الأوضاع الجيوسياسية للسودان والثروات والقدرات المادية والبشرية التي ينطوي عليها أي مقارنة مع أي دولة من دول المنطقة العربية. وهذه كلها معطيات مختلفة وفارقة لجهة أن وضع الثورة السودانية الأخيرة التي ألهمت العالم بسلميتها إلى جانب تلك القدرات والثروات والإمكانات الجيوسياسية تضع السودان اليوم في درجة امتياز تجعل من القوى الدولية في العالم أكثر اكتراثاً للحرص على إنجاح الصيغة الديمقراطية فيه على الرغم من الانسدادات التي تبدو عليها الأمور.
الانقلابيون اليوم في السودان، يعلمون أكثر من غيرهم لطبيعة المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، خصوصاً بعد أن اتضح لهم، بما لا يدع مجالاً للشك، الحال الذي أصبح عليه السودان خلال أربعة أشهر من النتائج الكارثية للانقلاب. هذا الاتقلاب لا شرعية له دستورية كانت او اجتماعية،  اي قبول المحكومين بسلطة الحاكم، و هذا الانقلاب لا قاعدة اجتماعية له، فأدوات الدولة عام 1921من ادارارت اهلية و تجييش القبيلة و تسيس الطرق الصوفية قد استنفذت، و لو كان لها قيمة لما لجأ جعفرنميري للمصالحة في عام 1977 و لو كان لها قيمة لبقي البشير في الحكم يمارس رقصه و هزيانه حتي الآن.
لذلك فإن الضغوط التي جعلت من الانقلاب منبوذاً داخلياً بفضل قوى الثورة والقوى السياسية، وخارجياً، عبر المجتمع الدولي الذي رفض التعامل مع الانقلاب، من خلال تجميد وتعليق المساعدات الدولية، سواء عبر مساعدات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أو عبر مساعدات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الضغوط السياسية لمجموعة الترويكا (النرويج / أمريكا / بريطانيا) و عبر دول الرباعية (أميركا /السعودية / بريطانيا / الإمارات) إلى جانب مجموعة دول أصدقاء السودان. كل تلك الضغوط، هي اليوم ما يؤشر إلى تحريك الوضع السياسي في السودان باتجاه انفراج، على الرغم من الانسداد العام.
ويبدو أن الفرصة الأخيرة التي أمام العسكر للنزول من برجهم العالي هي مبادرة الأمم المتحدة التي يقودها رئيس البعثة الأممية في السودان (يونيتامس) فولكر بيرتس، والتي تجد دعماً كبيراً من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، خصوصاً بعد مؤتمر (أصدقاء السودان) الذي عُقد في الرياض الأسبوع الماضي، وشاركت فيه الولايات المتحدة بوفد رفيع المستوى ضم المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي ديفيد ساترفيلد، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية مولي فيي. وذهب الوفد بعد ذلك إلى السودان للقاء القوى السياسية والمكون العسكري ولجان المقاومة. إن الأيام المقبلة ستشهد حركاً ثورياً حاسماً، من طرف قوى الثورة، في الوقت الذي سيراقب العالم فيه عن كثب طبيعة وردود فعل العسكر على الحراك والزخم الثوري الكبير. وفي اعتقادي، فإن الحراك الخارجي من طرف المجتمع الدولي والولايات المتحدة والقوى الإقليمية ستسفر عن تطورات إيجابية في النهاية بفضل صمود الثورة السودانية وإصرار قوى الثورة على المطالبة المستمرة  بالسلطة المدنية الكاملة للشعب.
إن قرار دعم الشعب السوداني وثورته السلمية كان قراراً دولياً، ولا يزال المجتمع الدولي حتى اليوم، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ملتزماً بتحقيق هذا الاستحقاق، وهو ما يمكن الرهان عليه، على الرغم من الأوضاع المحتقنة نتيجة انقلاب 25 أكتوبر. الانتصار الأخلاقي الأهم للثورة هو طبيعة خطابها المتسامح والمنفتح على التعدد البشري السوداني، والذي يحفظ مساحة الفرد وسط الجماعة. بينما يبدع الانقلابيون في اختلاق الهويات والكتل الغائبة، وإثارة النعرات العرقية والدينية والمناطقية. ثم يزايدون على الناس باسم وطن، لا يرونه سوى كتلة عرقية يتحدث باسمها سمسار لم يعينه أحد ولا طريقة لمحاسبته أو تغييره. ما تجسد في عزيمة الأمس لم نشاهد مثلها، شجاعة تمشي بين الناس كما شمس الظهيرة، ما شاهدناه لابد له أن ينتج مشروعا وطنيا نهضويا تنمويا يحتفي بالحياة و يؤسس لوطن كتب له في الازل أن يكون ابيا، عزيز النفس، صارم القسمات منتصبا كجبل توتيل و شامخا كالنيل الازرق في هديره و حليما كشقيقه الابيض. ثورة اساسها الحلم بحياة كريمة و سلاحها الكرامة لابد لها أن تنتصر.
أكبر تهديد للثورة حاليا بالنسبة لي، هو احتمال التحيز المديني! أن تعطي قوى المدن الأولوية لهمومها، وتكلفت مشاكل الريف بتضمين شعارات جميلة لا تحمل أي حلول حقيقية، اذا لم نتجنب هذا الاحتمال، سنؤجل المشكلات الرئيسية فقط، وستنفجر مرة أخرى. الفيدرالية ذات الصلاحيات الواسعة، والحكم المحلي ينبغي دائما اعطاءها الأولوية حاليا. لا أحد يمثل العمال ولا أحد يمثل القبائل والمناطق، والطريقة الوحيدة هي ترك الناس يمثلون أنفسهم، ويتحدثون أصالة عن أنفسهم.
نبضـات أخـيرة:
• تتمسك تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، الذين يقودون الحراك، باستمرار التظاهرات حتى إسقاط حكم المكون العسكري وإبعاده عن المشهد السياسي، على الرغم من بدء المشاورات مع القوى السياسية في إطار مبادرة الأمم المتحدة للحوار بين الفرقاء السودانيين، في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية المستفحلة لكن ما احتمالات تسليح الثورة السودانية في ظل العنف المتصاعد؟ حفل الخطاب السياسي بكثير من التحذيرات والمخاوف، مثل مغبة الانهيار، والمنعطف الأخطر، وخطاب الكراهية، والانزلاق نحو العنف، وحافة الهاوية، وما لا تحمد عقباه، وتقدّم إلى الواجهة أخيراً مصطلح تسليح الثورة السودانية مقروناً بمخاوف وتحذيرات جدية من خطورة العواقب.
• لا يزال الشباب السوداني يتعثر في واقعه الحالي المفروض عليه نتيجة لفشل إدارة الدولة والاقتصاد، لكنه رغماً عن ذلك يرسم عوالم مختلفة تتقاطع فيها أحداث ما كان وما يجب أن يكون. ومن دون انفصال عن الواقع، عبر هؤلاء الشباب في هذا التقرير عن أن ما يحتاجونه ربما يكون أكبر من أعمارهم المنفلتة من عقال الأحلام العادية. قالوا إنهم يريدون تشكيل واقع تتحقق فيه (الحرية، والسلام، والعدالة)، بدلاً من المعاناة وعدم الاستقرار. اعترفوا بأن أحلامهم مثقلة بالتمني، لكن لتغيير واقع مأزوم، لا بد من الرهان على ما يؤمنون به، وما يراه البعض مستحيلاً، ربما يتحقق قريباً أو يؤسس لمشروع تحول نوعي في حياتهم وحياة مجتمعهم. أحلام شباب السودان تجهضها كوابيس السياسة والاقتصاد.
• ما الذي حمله اجتماع (أصدقاء السودان) الأخير بالرياض؟ أهم ما في اجتماع الرياض أن تحرك المجتمع الدولي عموماً سواء كان تحركاً على مستوى الكتل منذ البداية أو مجموعة أصدقاء السودان، تجاوز إجراءات 25 أكتوبر وتعامل معها كأمر واقع مفروض والآن يتعامل مع نتائجها، أي أنه لم تعُد هناك إشارة للعودة إلى ما قبل ذلك التاريخ وليس هناك حديث عن موضوع الوثيقة الدستورية، التي تم تجاوزها تماماً لأن ليست لها قيمة إلا بوصفها تعبيراً قانونياً عن الاتفاق السياسي بين المدنيين والعسكريين، بالتالي هذه عملية لمعالجة الوضع بتسوية سياسية جديدة”. الوعود التي قطعتها مجموعة أصدقاء السودان، ولم توفِ ببعضها بينما أوفت ببعضها الآخر بصورة انتقائية. وهذا ما أدى إلى أن من يدفع الثمن الحقيقي لما يُعرف بالإصلاحات الاقتصادية هو المواطن السوداني، فعانى من ارتفاع سعر العملة والتضخم من دون دعم حقيقي، وهذه المرة الأولى في التاريخ، التي يقوم فيها بلد ما بإصلاحات اقتصادية من دون دعم مالي مباشر، مما تسبب في تكلفة اجتماعية عالية.
• أسباب تراجع دور الاتحاد الأفريقي في الأزمة السودانية؟ من الأشياء التي قللت من مكانة الدور الأفريقي في السودان، أن الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك التي استمرت أكثر من سنتين لم تولِ اهتماماً وميولاً للجانب الأفريقي ولو في جانب الاستفادة من تجاربه في النهوض التنموي، على سبيل المثال تجربة رواندا التي أذهلت العالم، إضافة إلى غياب نشاط القمم الأفريقية وغيرها من الفعاليات لدعم السودان بوجه عام، لم يكن السودان متحمساً للحالة الأفريقية، والتي عانت أيضاً من تأثيرات وباء كورونا الذي تسبب في تراجع موارد عديد من دول القارة، وبالتالي حد من حركتها، إلى جانب الهزة التي ضربت إثيوبيا ممثلة في الحرب مع إقليم تيغراي، والتي شلت حركة الاتحاد يتخذ من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مقراً له، وكذلك تأثير الصراع الدائر بين السودان وإثيوبيا على الحدود الشرقية. الاتحاد الأفريقي أصبح عبارة عن منظمة إقليمية فاترة لا قدرة لديها على تقديم حلول ناجحة، وينحصر دورها في القيام بدور العلاقات العامة. لكن بشكل عام ليس للاتحاد تأثير كبير وتحركاته أصبحت غير مفيدة سياسياً واقتصادياً، وليس باستطاعته وقف أو إنهاء أي نزاع داخل القارة”. وربما ايضا بسبب غياب القادة الفاعلين والعظماء الذين تقلدوا رئاسة هذا الاتحاد مثل الرئيس النيجري السابق أولوسيجون أوباسانجو، كان سبباً في ما يعاني منه الاتحاد الأفريقي من حضور ونشاط وفاعلية خلال هذه الفترة من تاريخ الاتحاد، لذلك لا بد من إعادة النظر في وضع الاتحاد وكيفية النهوض به مجدداً حتى يتمكن من أداء دوره بالصورة المطلوبة”. في تقديري، أن الاتحاد الأفريقي أقدر على حل أي مشكلة أفريقية وخصوصاً القضية السودانية، من منطلق خبرته الطويلة في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أنه لا ينطلق من مصالح وأجندة محددة، عكس الجهات الدولية والإقليمية التي غالباً ما يكون لديها أهداف وأغراض معروفة. كما أثبتت الوقائع أن الاتحاد الأفريقي يسعى إلى تحقيق استقرار السودان وأمنه القومي ويريد الخير لشعبه، وذلك لقناعة الاتحاد بأن استتباب الأوضاع في السودان ينعكس إيجاباً على القارة الأفريقية ككل بخاصة منطقة القرن الأفريقي. ربما تأخر تدخل الاتحاد الأفريقي في الأزمة السودانية إلى أنه “قد يريد إعطاء فرصة للسودانيين لحل مشكلتهم من داخل البيت السوداني مستفيدين من إرثهم النضالي والتاريخي.
mido34067@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor